جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


سينوغرافيا اللون داخل الصورة التلفزيونية


علاء مشذوب عبود
اللون يعتبر من عناصر التعبير المهمة في الصورة التلفزيونية وهو في نفس الوقت يمتلك سلطة التأثير على شعور الناظر ،كما أن له القدرة على وصف الأشياء أو تجسيد ظاهرة طبيعية "فاللون هو أحد العناصر المرئية التي يستخدمها الفنان في تكوين مجموعة من العلاقات تحمل مضامين تعبر عن أفكاره والألوان
بصفتها خبرة مرئية تظل ثابتة في عقولنا عن أي خبرات أكتسبناها عن طريق الحواس الأخرى ولذلك فأن اللون له خاصية التأثير النفسي المباشر وله دلالاته عند الإنسان"، فمثلا اللون الأزرق يشير الى السماء بمعنى أنه مقدس ،ومثله الأخضر يشير الى الطبيعة أو الألوان التي تم الاتفاق عليها دون أتفاق مثل الأحمر وهو رمز الثورة والدم والحب والأصفر لون الغيرة والأبيض لون الطهارة والعفة وهكذا دواليك باقي الألوان ومن خلال هذه الألوان يمكن التمييز بين الشخصيات، على أن ترتبط الألوان بعلاقات سببية "فان الدلالة النفسية للألوان ناشئة عن تناغمات سببية وليست مكنونة في الألوان (بذاتها) ونسبة الأحمر الى الغضب والأزرق الى الحنان والأصفر الى الخيانة آت من رمزية بدائية ان لم تكن طفيلية وكما أن رنة العلامة الموسيقية لا معنى لها إلا بتناسب الأصوات الموسيقية بين بعضها البعض"، واللون كعنصر منصهر في الإضاءة يمتلك التعبير في حد ذاته كما يمكن أن تكون أداة تعبير، لكونه يمتلك مدلولات نفسية واجتماعية بحد ذاته فلبس الأسود يدل على الحزن والمصيبة ومثله الأبيض يدل على الفرح "فعلى اللون بكل الأحوال أن يكون له علاقة مع مضمون ـ شأنه شأن كل العناصر الدالة في الفيلم ـ يجب أن لا يكون له استقلاله الذاتي غير المعلل ماديا بالنسبة للمشاهد" وقد استخدم المخرجون الإضاءة بشكل عام واللون بشكل خاص كمكون تعبيري بحد ذاته" حيث أستخدم جريفيث الإنارة استخداما عضويا كجزء من الفيلم للتعبير عن الحالة النفسية وللدلالة على مرور الوقت . وكان دخول الإنارة تدريجيا لتمزق ظلام حجرة البطل عندما تبدأ الشمس بالعودة تنعكس على الجدران"، أما المخرج الايطالي "مايكل أنجلو أنطونيوني"فهو أشهر من أعتمد على اللون إذ يقول "أن الألوان أضحت بالنسبة لي ذات أهمية كالممثلين أنفسهم ...وأصبحت مقتنعا تماما أن كل تأثير درامي يمكن احداثه عن طريق استخدام اللون، فقد أصبح بوسعي أن أضع ممثلا في موقف معين...ليعرف المشاهد ماذا يدور في نفس هذا الممثل وعقله  دون أن ينطق بكلمة حوار واحدة"، وهذا يدل ليس فقط على امكانية المخرج العالية في توظيف تلك العناصر، وإنما قدرة تلك العناصر وما تحويه من قدرة تعبيرية كبيرة تبيح للمخرج التصرف بها" فلاستخدام اللون بصورة خاصة أهمية تعادل أهمية الممثل أو أي عنصر من عناصر الإنتاج السينمائي في السنين المعاصرة بصفته وسيلة تطوير التعبير لهذا استأثر باهتمام المخرجين المبدعين"، ولذلك صار المخرج بحاجة الى مدير تصوير له حس الرسام وثقافة المبدع، لأنه بتوزيع الضوء يخلق لوحة مرسومة باللون من خلال الضوء ليحقق هارموني مرئيا متحركاً.
إضافة الى ما يخلقه اللون من تأثير سيكولوجي على المشاهد بقيمته التعبيرية" فقد غدا اللون لغة للتعبير في حد ذاته" ويمكن القول ان اللون في الأعمال الدرامية يعمل على كشف لون الطبيعة والأشياء كما تراه العين وكما تكشف حقيقتها الإضاءة الصناعية وإضاءة الشمس لذلك نرى تلك الأعمال تعج بالألوان والتي تضفي جمالية ودرامية على العمل مثلما تضفي عليها نوعاً من الحلم "لأن حقيقة أي عمل فني لا تكمن فيما يراه الناس من وقائع .وإنما هي تكمن بالأحرى في الطريقة التي يروي لنا بها تلك الوقائع" والإنسان عندما يرى العمل الدرامي لا يريد منه أن يرى الواقع الذي يعيشه والذي أرهقه وإنما الحلم الذي يتمناه"إن أحدى أهم وظائف الفن المتمثلة بخلق مطلب لم تأزف بعد ساعة تلبيته بشكل كامل. أو نقول ليس للأثر الفني قيمة إلا إذا راح يرنٌ أصداء المستقبل"فالتقدم العلمي والتقني الحاصل في العالم الآن والمستمر في كل المجالات الفنية من آلات التصوير والمونتاج والإضاءة وكل ما يدخل في هذا المجال الفني يساعد العمل الفني على الظهور بصورة جمالية تحقق الأغراض التي تم من أجلها أنتاج هذه الأعمال .
في الوقت نفسه تعمل على إيصال الفكرة من خلال ملامسة الواقع ، واللون هو عنصر من تلك العناصر التي تم تطويرها من خلال تلك الآلات والمرشحات والعاكسات وغيرها من الأدوات التي تساعده على ابراز علاقته بالعناصر الأخرى وبالنسبة للشق الأول يقول (أيزنشتاين) "عندما نتناول مشكلة اللون في الفيلم نفكر قبل كل شيء في المعنى المرتبط باللون المستخدم"،لأن للون معنيين الأول يرتبط بنا سيكولوجيا يؤدي الى الارتياح أو العكس والثاني هو المعنى الذي ينطوي عليه عندما يتلبس الشيء ويؤدي الى انفعال جمالي نتيجة توظيفه التوظيف الصحيح في العمل الدرامي.
أما الشق الثاني "فهو دراسة اللون وخصائص علاقته بالإضاءة والديكور وبالطبيعة لأنها جميعا تسهم في أبعاده الحسية فالتعامل مع اللون يقودنا باتجاهين جمالي ودرامي" فإذا كان المشهد داخلي أي يرتبط اللون بالإضاءة والديكور فمعناه أن هذا المشهد يحوي على كم هائل من الإكسسوار والأثاث وألوان الجدران ،لذلك يجب أن يتدرج اللون هنا بحيث يعطي إحساساً بالارتياح إلا إذا كان مقصوداً العكس وهنا قد يؤدي "الديكور والإضاءة دورا مهما في استخدام اللون، ففي المشاهد الرومانسية مثلا يبرز الأزرق الهادئ ليضفي مسحة شاعرية على طبيعة المشهد في المشاهد الدرامية لا يتناغم استخدام اللون الساطع و وتيرة الضرورة الفنية لاستخدام اللون ومدى تأثيره في المشهد" أما إذا كان المشهد خارجياً فيتم اختيار أوقات مناسبة للتصوير بحيث يكون اللون ذا تأثير، مثل أوقات الغروب أو الشروق في المناطق المفتوحة ومثلها في المدن لكشف المكان بغرض خدمة الحدث الدرامي" فالطبيعة تتميز بتركيبها بين التباين والتناقض والتناسق لابد اذن من استثمار الاختلاف التركيبي على نحو من التشكيل الذي يخدم اللون كوسيلة تعبير وذلك من خلال استثمار المناظر العامة للتعريف بجمال المدن والطبيعة التي يجري فيها تصوير المشاهد عبر أحداث الفيلم" ليس هذا فحسب بل أن للون وظائف وأهمية تسهم في البناء الدرامي فمرةً يكون رمزا (قرين) .ويمكن أن يفسر حالة نفسية أو يوحي بها "فتضارب الألوان كخلفية للممثل تعكس حالته النفسية دون اللجوء الى أي تعبير جسماني، فاللون في هذه الحالة أيضا وسيلة لتطوير التعبير وهو بذلك يصبح جزءاً من الحدث أو الفعل الدرامي"، وعودا على بدء فأن اللون هو وظيفة الإضاءة يعمل على أعطاء قيم تعبيرية للمشهد من خلال علاقاته اللونية بمفردات المكان والممثل وكل ما تقع عليه الإضاءة"حيث تساعد الاستخدامات المتاحة للضوء واللون أيضا في جذب العين الى الشيء الأهم فالمساحات المتباينة جدا للنور والظلمة تخلق مراكز طبيعية للاهتمام البؤري" وفي العموم هناك أساليب مستخدمة في الإضاءة وهي تختلف من مخرج ومدير تصوير الى مخرج ومدير تصوير آخر، كما وترتبط بنوع وجو الفيلم "نظرا الى أن العمل الفني ليس نتاجا آليا، فلا سبيل الى تقييده بقاعدة" لذلك فهناك عدة أساليب يتم فيها كشف دور الإضاءة ودورها حتى أصبحت ميزة لهذا الفيلم عن غيره، لكن هذا لا يخفي أن هناك مجموعة من الاشتراطات موجودة في أغلب الأفلام "والأسلوب عادة يرتبط تماما بالموضوع وجو الفيلم، فالأفلام الهزلية والموسيقية مثلا تكون إضاءتها ذات(مفتاح عال) نورها متوهج وموزون المساحة والظلال الشديدة قليلة، المآسي والميلودراما تكون عادة ذات "تباين شديد "وفيها قطع بارزة من الضوء وبقع درامية من الظلام . أفلام الإثارة والغموض ذات (مفتاح واطئ) عموما فيها ظلال غير حادة ومساقط ضوء فيها حد .والأفلام التي تصور داخل الاستوديوهات تكون عموما أكثر تأكيداً على الطراز وأكثر تمسرحا من الأفلام التي تصور في المواقع حيث تميل الأخيرة الى استخدام النور السائد وبه تكون ذات أسلوب طبيعي في الإنارة"  وتعتبر الدراما التلفزيونية من أهم الأشكال الدرامية في العصر الحاضر، لما تتمتع به من خصائص وإمكانات، مثلما هي تناقش بعض القضايا التي لا تستطيع باقي الفنون مناقشتها .
ومن أجل الوصول الى أدوات قريبة الشبه للأدوات التي تستخدم في السينما من أجل الحصول على نفس الجمالية والتأثيرات الدرامية "ولتسهيل عملية الإنتاج التلفزيوني بالأسلوب السينمائي تم تحوير كاميرا تلفزيونية لتحاكي السينمائية في الخصائص وأطلق عليها أسم(EC (Electronic cinematography وتساعد تلك العدسة في الحصول على عمق ميدان مناسباً لكل لقطة" وهذا هو من الأدوار المهمة التي يقع على عاتق الإضاءة توضيحه أي(عمق الميدان) حيث تساعد كثيرا في ذلك كون أن الشاشة ثنائية الأبعاد فتعمل الكاميرا بمساعدة الإضاءة على توضيح الأشياء وشكلها المجسم ذو الأبعاد الثلاثة"الصورة في النظام التلفزيوني عالي النقاوة تشابه في درجة الوضوح الصورة التي نحصل عليها عند عرض فيلم سينمائي قياس 35ملم" بل أن هناك الكثير من الشركات تعمل على تطوير هذه الأجهزة للوصول بها إلا مستوى يرتقي الى السينما .
ومع ذلك فأن الصورة التلفزيونية الحالية تحوي على نفس الأدوات التعبيرية التي تحويها السينما، فالصورة التلفزيونية هي "عبارة عن وسائل تعبير بصرية مؤلفة من التشكيل والإضاءة والكاميرا"، وتوظيف الإضاءة يكاد يكون أكثر تركيزا لاعتماد  التلفزيون على اللقطات الكبيرة والمتوسطة والعامة ،عند ذلك تظهر الألوان بوضوح "ويمكن القول بأن الألوان الى جانب القيمة الواقعية التي تضفيها على الصورة التلفزيونية وتجعلها أكثر قربا من الواقع، فأنها تلعب دورا هاما في التأثير في المشاهد وتوجيه نظره الى أشياء بعينها وتشكل أفكاره على نحو معين، فضلا عن استخدامها كأدوات جذب واستمرار في المشاهدة .وبهذا المفهوم تصبح الألوان عنصرا من عناصر التعبير" فقد يشترك بالإضافة الى الديكور والإضاءة في إيصال التعبير ويشترك مع المنظر في رسم الأجواء التي يتطلبها المشهد، فهو عامل مهم في ذلك النسيج المرئي والذي يطلق عليه "السينوغرافيا" فأنه يشترك مع الممثل أيضا ليكونان معا صورة فنية "حيث يستدل التعبير من علاقة الممثل بالضوء واللون . فحين يطلب المخرج من الممثل وضعا معينا ويسلط قسما من الضوء عليه فأنه يهدف الى خلق تعبير تشكيلي، فالممثل في هذا المشهد ليس بالضرورة أن يكون معبرا على نحو تمثيلي وإنما أصبح جزءاً من التعبير" فقد تكون النار المتوهجة داخل موقد في ليلة زفاف تعبير كاف لمعنى تلك الليلة من مشاعر متهيجة، أو لنفس النار المتوهجة تعبير آخر في حادث قتل لأخذ الثار، وفي الأخير فان النار جماليا هي أحد عناصر التكوين .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية