جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


انتبه ! المواطنون لا يعرفون عنك شيئاً أيها المثقف !


(لقطة أولى)

يروي الرواة أنّ الجواهري بعد إلقائه قصيدة (أخي جعفرا) بحقّ أخيه المُستشهد في واقعة الجسر ؛ أقول : يروي الرواة بأنّ الناس شيّعتْ جثمان جعفر الجواهري مشياً على الأقدام من بغداد الى أطرافها ؛ ومن الأطراف الى النجف الأشرف ؛ وكلّ هذا ليس لأنّه استُشهد بل : لأنّ هناك قصيدة كتبها الجواهري فأشعلتْ رؤوس العراقيين في شارع الرشيد [ الحيدرخانة تحديداً ] ، ومن هنا : نعرف ما الذي كان يفعلُه الشاعر في ذلك الوقت بالجماهير..!
(لقطة ثانية) يعودُ الشاعر المؤثر عبد الرزاق الربيعي الى بلاده بعد اغترابٍ دام أكثر من 15 عاماً ؛ يحتفي به نادي الشعر فلا تحتوي القاعة على أكثر من 20 حاضراً مع مصوري القنوات الفضائية! (لقطة عامة) لم يتواصل الشاعر مع المتلقي الإعتيادي منذ بدء حركة الشعر الحديث في العراق ؛ ومن هنا نرى أنّ جميع البيانات الشعريّة و الفكريّة الصادرة مُنذ أواسط الخمسينيات وصولاً الى أيامنا هذه ، كلّ هذه البيانات الشعرية لم يُخاطب بها المتلقي الإعتيادي [ الذي صادف أنه يغرق ببحور من المشاكل السياسية منذ مدة ليست بالقصيرة ] بل ان هذه البيانات لم تشكّل سوى سكّة أو قاعدة يسير عليها شعراء كلّ جيل ، ومن هذا المنطلق لا يعرفُ المتلقي الإعتيادي من الشعراء سوى نزار قباني و أحمد مطر ومحمود درويش في أحسن الأحوال! وفي خضمّ الحروب ؛ والحصارات ؛ والسوادات المتعددة ، ابتعد المواطن شيئاً فشيئاً عن الكتاب ، والصحف ، وغيرها ، وانزوى الأدباء الى المقاهي يكتبون وينشرون ما بينهم ، مُبتعدين حتى عن جلاّس المقهى الآخرين ! وفي هذه الحالة جرت الفجوة العظيمة بين المواطن والمثقف ، المتلقي والشاعر ، الشاب والكاتب ، حتى وصل الحال بالمواطن أنه يرى المثقفين حالةً تبعث على الضحك لا على الإحترام أو التأثير. (فاكهة غريبة !) الشاعر مفيد البلداوي يرى الأمر بأنه :" تتجلى رؤية المواطن العراقي للمثقف من خلال رؤيته لفاكهة غريبة لا تنبت في أرضه ، ربما استطعم البعض طعمها واستهجنه آخر .والسبب يعود لتراكمات تأريخية قاتلة مجهّلة أحاطت بحياة المواطن العادي غير المهتم بالثقافة او المتثاقف . وقد يتأثر المواطن المذكور بسدارة يرتديها احدهم أو شعر طويل أو بالطو نازل للركبتين وريما من حقيبة يد تحمل قلاقيل أحدهم ، لكن جوهر المثقف لا أظن أن له تأثيراً عليه فهو في شغل عنه" ، ويضيف البلداوي :" هناك ماهو اهم بمئة سنة ضوئية من هذا المثقف بالنسبة للمواطن والعيب ليس في احد منهما لكن في قساوة الحياة التي يعيشها الاثنان معا وتشابه المأساة التي جعلت منهما قطبين متشابهين في منطقة ممغنطة بالبؤس فلا بد ان يتنافرا ، بعض الشعوب العربية قد تكون الحال فيها مختلفة نتيجة لوجود نوع من الرفاء القرائي والاستقرائي لدى المعنيين بالموضوع ، لكن في العراق لغة التأثير والتأثر بينهما منعدمة". ملامح المثقف ! حين تركب سيارة أجرة ، وتقول له أثناء الحوار المشترك بينك وبينه مع شيء من الإعتزاز (أنا شاعر) يبتسم السائق ويقول :"فد بيتين شعر!" وكأنه شيخ قبيلة في العصر الجاهلي وأنتَ شاعرٌ في مضاربه! وهذا ما جعلنا نتصور أنّ لدى المواطن ملامح معيّنة للمثقف عرفناها أثناء أحاديثنا مع بعض الكَسَبة البسطاء ، محمد ابراهيم صباغ أحذية في ساحة الطيران في الباب الشرقي ، سألتُهُ عن المثقفين والشعراء فقال :"أنا أحب رياض الوادي ، شاعر كبير [!]" ، وحين قربتُ له الصورة ، احتجتُ الى مفردات كثيرة فقال :"اي اعرفهم ذوله ، ما يصبغون أحذيتهم وكلهم عركَجيّة!". ومسألة الخمر هذه لاصقتْ المثقف منذ مدة طويلة ؛ خصوصاً بعد أن وضع الإسلاميون أنفسهم بمواجهة الإتجاه اليساري في خمسينيات القرن الماضي ، وأينما يجتمعُ الرأي السياسي الإسلامي مع الرأي الشعبي فهذا يعني تكفير أيّ شريحة وان كانت مثقفة ، وهذا ما استمرّ الى أيامنا هذا حيث قال أحد رجال الدين البارزين :" لقد أثبت ما يسمى باتحاد الأدباء انه لا أدب له ولا حياء والعار له ولكل من ساند حركته هذه ولقد كان ينقل لنا عما يجري في ناديهم من سكر وعربدة ومخازي حتى ان بعضهم يبول على بعض حينما يملأون بطونهم بالإثم والحرام فلم نكن نصدق حتى كشفوا عن وجوههم القبيحة بهذا التحرك الوقح"!. ان كان المواطن يمتلك صورة كهذه عن المثقف ، فكيف يمكن للأخير التأثير به أصلاً؟ (لن يهتم!) الشاعر العراقي صلاح حسن قال :" إن المواطن العراقي لا يهتم بالثقافة ولا بالمثقف الان لان هناك الكثير من الاشياء تشغله بقوة مثل الكهرباء على سبيل المثال ، وهذا المواطن لا يستطيع في هذه الظروف العصيبة ان يتابع النشاطات الثقافية التي يقدمها المبدع لان ظروفه النفسية والاجتماعية لا تسمح بذلك".. ويضيف حسن بأنّ "المثقف العراقي لم يستطع التأثير بالمواطن ، ليس بسبب النخبوية بل بسبب الانتماءات الضيقة التي حصلت بعد التغيير والركض وراء المصالح الخاصة .في حين كان الشعراء الشعبيون الذين يملأون الساحة الان هم مثال لهذه الظاهرة التي حولت كل شيء الى ظاهرة شفاهية تسيئ للثقافة وللناس بحيث جعلت هؤلاء الناس يبتعدون عن النشاطات الثقافية المرتجلة". ويرى حسن بأن المؤثر الأول بين المواطن والمثقف هو الخيار السياسي فيقول :" هناك قطيعة بين المثقف والمواطن بسبب المسافة الشاسعة بين المثقف والشارع . المثقف لا ينتج ابداعا خارج ثقافة السلطة والحزب . قلة من المبدعين يفعلون ذلك ويضطرون بسبب الضغوط الى الانزواء او الصمت بسبب هذه الضغوط التي تذكرنا بما كان يفعله النظام الساقط". (مع الحكومة!) تعاملت الحكومات العراقية ما بعد 2003 جميعها بازدراء مع المثقف ؛ والدليل الواضح لهذه المسألة هو بقاء اتحاد الأدباء والكتّاب من دون أيّ دعمٍ منذ سقوط النظام الصدامي على الرغم من كونه من أوائل المؤسسات التي عادت للعمل بعد السقوط ، والمضحك المبكي بالأمر هو أنّ الاتحاد ليس له أيّ وجود [ لدى السياسيين ] إلاّ قبل الانتخابات ، ككل شيء! ويتذكر الأدباء مربد عام 2005 حين صعد أحد وكلاء وزارة الثقافة ليقول :"الأدباء يستعطون ، وسيعودون للهاث وراءنا من أجل الفلوس!"º



المشاركة السابقة : المشاركة التالية