جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


معايير النقد الجديدةفي تحولات زهرة العباد


نصير الشيخ
عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت العام 2011، صدر للناقد والمترجم العراقي ( سميــر الشيــخ ) كتابه النقدي الجديد ( تحولات زهرة العباد في الخطاب النقدي). والكتاب أوراق نقدية عشر قدمت نفسها بوصفها رؤى في تحولاتها من الحدس إلى العلم ومن الجمالي إلى الثقافي. وهي ليست ـ حسب قول المؤلف ـ بالمشروع الشمولي لكل اتجاهات النقد ،
فهي لا تروم عُقَد التاريخ بل لذائذ الكشف ورصانة الفكر الموشح بأناقة الأسلوب. هذه السوسنات العشر ( صورة الناقد في ثقافته). فالتحولات الثقافية تقود إلى تحولات في الكتابة،  مما يعني أن الفكر النقدي على مستوى الفرد يشهد في البنية العميقة تحولا.
تجيء عنونة الورقة الأولى ( القوى الثقافية وانبعاث التاريخ ) لتقيم فرضية العلاقة بين النقد والتاريخ. فالمؤلف يلاحق مفهوم ( الثقافة ) والآثار الأدبية بوصفها كيانات ثقافية تحمل رؤى العصر السوسيو- ثقافية والأيديولوجية والتاريخية.الثقافـة طرائق الحياة من فنون وعقائد ومؤسسات القوم التي تتحدر من جيل إلى جيل.ويطرح الناقد مفهوم في نظرية الثقافة مفهوم الناقد الثقافي الأمريكي ( غرينبلات ) ( شعرية الثقافة) والذي يؤكد المعنى الأنثروبولوجي للثقافة.أما فائدة هذه الفكرة للدراسات الأدبية فهي أنها تمكنها من التفكير في الكيفية التي يرتبط بها الأثر بسياقاته وبالمجتمع الذي يقوم بإنتاجه والإحاطة به. فالأدب، من منظور ( شعرية الثقافة ) عاملاً مهماً في نقل الثقافة، بمعنى آخر أنه يعلمنا أصول ثقافاتنا بل وتشكيل تلك الثقافة. تضمنت الورقة الثانية ( الماكيافيلية في دراما الشاعر القتيل: نظرة في ثقافة أمة ) مقاربة ثقافية لمسرحية الدرامي الإنكليزي القتيل ( كريستوفر مارلو ) ( يهودي مالطا ) بوصفه خطاباً يحمل جرثومة عصر النهضة ، خطاباً مُنتَجاَ ومنتِجاً للطاقات الثقافية. يقرأ المؤلف عن قرب جذر التحول الفكري العظيم في تاريخ الفكر الغربي عبر تجسده في أشكال الفن، وفي مقدمتها الدراما. ويخلص الناقد إلى أن الفن تعبير عن رؤية مشتركة أو مجموع الرؤى البشرية بموجب عقدها الاجتماعي مستمداً من كونيته. ولما كانت ثقافة الناقد تتسع لترى كل ثقافات الأرض مصادر ثقافته ، نجد الورقة الثالثة ( السيف والغاب : في خطاب المتنبي الثقافي) رصد للأنماط الثقافية التي تطرحها مدونة المتنبي الشعرية بوجه عام وبواكيره ( كم قتيل كما قُتلت شهيد ) بشكل خاص. ويرى الناقد من خلال تحليله الأثر بمفردات ( اللسانيات الوظيفية) للساني الإنكليزي ( هاليــدي ) أن أزمة أبي الطيب لم تكن أزمة عصر مضطرب سياسياً واجتماعيا ، بل هي أزمة ثقافية نجد تجلياتها الفكرية في أنماط المعنى المجازية لدى المتنبي والأمة التي تجعل من متخلف بدوي ثقافياً أنموذجاً لها هي خصيصة من خصائص أمة العرب لا تشاركها فيها أمة أخرى في التاريخ. أما في مجال نقد الثقافات فتضيء ( ولكن السراج لا يضيء بالنهار ) ، الورقة الرابعة ، ثقافات شاعرين متباعدين تاريخياً وثقافياً : أبو تمام ( 807-846 ) وجون دن ( 1572-1631). أن ما يجعل من أبي تمام وجون دن يقفان على مسرح واحد هو غرئبية الفكر الممهور بالصورة الشعرية والفطنة ، أي شعر العقلنة والتناقض والإبهام بسبب من ثقافات عريضة إنضفرت في عروق اللغة. إشكالية مشروع الطائي إشكالية في الفكر. فالطائي لم يخرج على الشكلانية التي توارثتها الشعرية العربية من غابر العصور ، إنما القصيدة أصبحت لديه ( ابنة الفكر ) بعد أن كانت ابنة الحدس الغنائي التلقائي. إذن، التحولات في الفكر الشعري قادت إلى ظهور البرامجيات الشعرية المفارقة مثل برامجيات أبي تمام وجون دن. يطأ ( تحولات زهرة العباد ) وبمقدرة لسانية ـ ثقافية عالية دروب اللسانيات ، لا على مستوى النظرية بل المراس النقدي الجاد. هذا ما تقول به الورقة الخامسة ( إشكالية المعنى : اللسانيات الوظيفية واللسانيات التداولية ) التي تتقدم بفرضية مفادها أن ( مدرسة لندن ) هي المدرسة التي هدت الجدار العازل بين اللسانيات الوظيفية واللسانيات التداولية.وتوغل الدراسة في تمفصلات المعنى الشكلي والمعنى السياقي ومعنى المتكلم للشروع بتحليل النص الشعري الدرامي ( هيروديا ) للشاعر اللبناني ( يوسف الخال ). هذا التحليل التداولي يتناول أفعال الكلام الإخبارية والأدائية والإضمار أو المعنى الضمني والتماسك ومإلى ذلك من الوظائف التداولية. ومثل هذا التحليل يجعل من مقاربة النص مقاربة تداولية أمراً ممكناً. تتسع شطآن التداولية لتتخذ من نص شعري حداثي أنموذجاً في المقاربة التداولية.فالمقاربة تعنى بالكيفية التي يتداول بها الناس المعاني في سياق إجتماعي.وبهذا الاتجاه، تطرح قصيدة ( أنثى الينابيع ) ثلاثة أنماط من الكلام : الإخباري والتمثيلي والتأثيري. فالقصيدة تتحدث عن امرأة يشكل غيابها الجسدي حضوراً أقوى من الحضور نفسه، ولكن ما يكشف عن حالات العاشق السيكولوجية ومكابداته السياق التداولي. وإذا كان المبدأ الحواري يشكل جوهر الوظيفة التواصلية التي قالت بها اللسانيات الوظيفية ، فإن الطريق إلى شكسبير ( هاملت ) يبدو سالكاً. هذا ما تكشف عنه الورقة السابعة ( والثالثة في متوالية الأوراق التداولية ( الطيف في سياقه:مقاربة تداولية لـ ( هاملت ) شكسبير). فالرؤية المخيفة أو ظهور شبح هاملت الملك المسموم لم تكن تقنية درامية حسب ، بل هي ثقافة تمازج بين عقل علماني ( هوراشيو ) وبين خرافة الروح الهائم المتسللة من العصر القروسطي. لم يكن حديث ( هوريشيو ) للجند في تلك الليلة الباردة الغامضة في المشهد الأول من الفصل الأول حديث مسرحي عابر، بل كان إضاءة لتلك الصراعات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي كانت تعيشها ( الدانمارك ). سير ( التحولات ) يبدأ بالتحول من اللساني- الثقافي إلى الجمالي من خلال دراسة الأسطورة بفن السينما. فالورقة الثامنة (السينما والأسطورة ) تتمحور حول أفلام ( السيف والصندل ) والتي راجت مابين 1955 و 1967 ومن خلال تجسيد الممثل الأمريكي ( ستيف ريفز ) لأسطورة ( هرقل ) عالم الأساطير المتجسد في السينما لا يقدم الحقائق بل المتخيل: الأشياء التي لا تحدث في الواقع، فهي لا تتحدث عن الواقع بل عن فكرة الواقع في عقل الشاعر. بهذه المماهاة يصبح ( ريفز ) في وعي المشاهد الذي يدمن ( التعليق الإرادي لما لا يُصدق) ( هرقل ) الذي يجترح المعجزات في كون يتشكل من تقابلات الضوء والظلام والذي ينتهي دوماً بإنتصار قيم الحب والخير والجمال، وذلك تحقق الأسطورة طورها المثالي باعتبارها سياقاً إنسانياً. تأخذ شعرية التشكيل الجزء الأوفى من ( صورة البحر وتحولات الأسلوب) ، الورقة ما قبل الأخيرة. يعود الناقد، هنا ، إلى مقارنة شاعر رومانسي انكليزي، جون كيتس (1795-1821 ) بفنان أرميني من ثودوسيا ـ إحدى مدن البحر الأسود ، إيفان آيفازوفسكي( 1817-1900). يعلمنا تاريخ الأفكار أن التصوير هو المكافئ الجمالي للشعر. هذا المكافئ الجمالي يتخذ من الرومانسية طابعاً غرائبياً حلميا. وتبحر الورقة في إدراك الأسلبة الرومانسية للبحر وتحول آيفازوفسكي من المد الرومانسي إلى الخشونة الواقعية مما يعزز الفرضية القائلة أن التحول في الحساسية الجمالية يقود إلى تحول في الأسلوب. ولكن تظل بنية الإسلوب لدى آيفازوفسكي بنية شعرية، كما تتضح في أعماله ( جون نابولي تحت نور القمر ) و ( الموجة العاشرة ) التي ترصد لونياً وفكرياً صراع الإنسان والطبيعة. الورقة – الخاتمة هي ، في واقع الأمر ، أولى الأوراق النقدية في السيرة النقدية للناقد المترجم والأكاديمي ( سمير الشيـخ ). فـ ( الجمالي في شعر كيتس ) دراسة في تطور الفكر الجمالي للشاعر. وما يلفت النظر في شعر ( كيتس ) ـ كما تقول الدراسة ـ أن قصائد كيتس ، وغنائياته على وجه التحديد – إنما هي تجارب في الغائية الجمالية. يكتشف الحدس الغنائي عند كيتس ضرباً من الغائية في الطبيعة. فالفن لا يكون جميلاً إلا لمن يريد أن يدركه. فالحكم الذوقي الذي يقرر جمال شيء ما لا ينطوي في ذاته على أي باعث نفعي، نظرأ لأن الدافع المحدِد له هو بطبيعته أبعد ما يكون عن المصلحة أو المنفعة. إن لأشياء الجمال بهذا المعنى غائيتها التي تثير في النفس المسرةن وإلا اية منفعة ترتجى من رؤية آنية إغريقية أو سماع بلبل غَرِدْ؟ تقع ( تحولات زهرة العباد في الخطاب النقدي ) في 296 من القطع المتوسط ، وهو الكتاب الثالث للمؤلف بعد ( القصائد المائية : دراسات أسلوبية في شعر نزار قباني ، دار الفاراب، بيروت ، 2008 ) و( الثقافة والترجمة: أوراق في الترجمة ، دار الفارابي ، بيروت ، 2010 ). º



المشاركة السابقة : المشاركة التالية