جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


حين يركض الأديب وراء الأنثى الفارغة!


بغداد- علي وجيه
(1)
يقول النابغة الجعدي للخنساء : ما رأيتُ ذا مثانة أشعر منك ، فتردّ الخنساء : ولا ذا خصيتين!
الآن وقد مضى أكثر من 1400 عام على قول النابغة والخنساء وصار باستطاعتنا نقد آبائنا من دون الإلتفات الى "القشور" الآنيّة من حضور وكاريزما الشاعر ، هل كانت الخنساء أشعر من أمرئ القيس؟ بالطبع لا وهو "حاملُ لواء الشعراء الى النار!" ؛ إذن : ما الذي جعل النابغة يعطيها رأياً بالإطلاق؟ أترك الإجابة لمخيلتكم ؛ أمّا نحنُ : فنستطيع الإنتباه الى ردّة فعل الخنساء بزيادة الإطلاق وهو "ولا ذا خصيتين" ؛ إذن : هي أشعر ما خلق الله بنظرها!
قد لا تصدّقون إن قلتُ لكم : لا يختلفُ الأمر كثيراً بين هذه الـ1400 سنة عدا أنّ الخنساء كانت شاعرة و تضبطُ اللغة والعروض ، وحفيداتها لا يفعلن!
(2)
دوماً ما تردد المشتغلات في حقل الإبداع العربيات بالعموم والعراقيّات بالخصوص أنّ "الأنثى مظلومة ، الوسط ذكوري وعشائري ، المرأة لا تختلف عن الرجل" وما الى ذلك من شعاراتٍ أطلقها المسكين قاسم أمين ورددتها الببغاوات المؤنثة ، تغيّر الحال ، دخلت الأنثى الى مجلس النواب ، أصبحت الأنثى عميدة في عدد من الجامعات ، ملأت الأنثى جميع مفاصل المجتمع الا ان الشعارات لم تتغير.
ليس منا من ينكر عبقرية زها حديد ، أو حرفنة أحلام مستغانمي في أسلوبيّة لغتها ، أو دقّة آراء نادية العزاوي النقديّة خصوصاً تلك التي تتعلق بالتراث القديم ، لكن أنْ تخرج لك العشرات من "الفارغات" ويطلبن النصرة ضدّ الذكورة بداعي أنّهن إناث فقط فهذا ما لا يُحتمل خصوصاً وان كلّ "شاعرة" تجرُّ وراءها سرباً من النقّاد وهُم يلهثون وراء بقايا أنوثتها.
تستطيع المرأة أن تكون رسّامة مبدعة ، ناقدة مبدعة ، روائيّة مبدعة ، في كلّ مفصل إلاّ الشعر لخطورته ، وليس خطورة الشعر تنبع من الشعر ذاته ، بل من المرأة فهي – وتكوينها العاطفي – لا يجعل اللعب مع القصيدة هيّناً ، فسكب العواطف بدرجة تفوق الحد تجعل الإشتغال العقلي على هذا النص شبه منعدم – إلا في بعض الاستثناءات القليلة - ما يجعل القصيدة تتحوّل الى مجرد خاطرة تتغزّل بالرجل وتصف الشوق وبقاموس لغويّ يعود الى الخمسينيات بمفردات من قُبيل :"الشوق ، الغرام ، عيناك ، أنتظرك" وغيرها من "سكراب" المفردات الشعريّة العربية.

(3)
تقول سعاد الصباح :"وأنا متعبةٌ/من ذلك العصر الذي يعتبر المرأة تمثال رخام/ تكلم ، حين تلقاني/ لماذا الرجل الشرقي ينسى حين يلقى امرأة نصف الكلام؟"...
من هذا المنطلق : نعرف مشكلتنا وهي تنقسم بين الأنثى وبين الناقد المتصحّر بانتظار مطر الأنوثة!
يشكو الوسط الأدبي العراقي من ندرة الشاعرات في كل وقت ، فمع أن الشعريّة العراقيّة "تفرّخ" عشرات الشعراء كلّ عشر سنوات إلاّ انها لا تجيءُ الا بشاعرةٍ أو اثنتين أو ثلاث في أحسن الأحوال ، وكذا الحال في جميع الفنون الأخرى لكن بشكلٍ أقل.
من هذه الحالة – الطبيعة – العادة ، أصبح الوسط الأدبي العراقي مُخترقاً من قبل صاحبات أنصاف المواهب ، ولذلك نرى بعض النقاد وهم يلمعون أسماء مؤنثة فقط لإتمام الديكور العام...

(4)
السبب الرئيس لهذه الظاهرة واستفحالها هو مواقع "النـت"! التي تتيح لـ"يسوه والمايسوه" النشر بحريّة من دون تدقيق من قبل أصحاب المواقع ، ونرى هذه الظاهرة تتكاثر في موقعي (كتابات ، مركز النور) بصفتهما أكثر المواقع العراقية مُتابعةً ، كتابات حمل شعار (صحيفةٌ يحررها كتّابها) أما (مركز النور) فدبلوماسيّة صاحب الموقع أيضاً جعله لا يردّ طلب أحدٍ في النشر داخل موقعه.
السبب الدقيق للحالة هو : التعليقات أسفل كلّ نص!
فحين تكتب احداهنّ كلاماً ، أيّ كلام ، ترى العشرات وهُم يعلقون على نصّها بتعليقاتٍ وآراء لم تُمنح حتى لنازك الملائكة [ سنورد نماذج منها في السطور القادمة] ، تمتلئُ الشاعرة الجديدة بالفخر وترفعُ من ذاتها وهي ترى التعليقات تتناسل والنقاد وهُم يكتبون دراساتٍ مطوّلة خصوصاً مع وجود عددٍ من النقاد المختصين بالكتابة عن الشاعرات دون الشعراء ، وحين تضبطُ لها خطأً أو اثنين أو "طسّة" أسلوبيّة أو بلاغيّة ينهشك أتباعها بدعوى انك تغار من نجوميّتها في الموقع!

(5)
احدى الشقراوات العربيات "سطرتْ" جمعاً كبيراً من كتّاب مركز النور ، فكلّ نص لها يحتوي على أكثر من مئة تعليق ، سأورد مقطعا من النص ونماذجَ من التعليقات وأكتفي بعدم التعليق :
[ أَوقد ضلوعي/ بالجوى / وزدني زد/ لِترحمِ / فنار وجدك / جنتي / بجمرها قد / أحتمي
/من قال أني / سأستجير؟ / وبلهيبك لن / أرتمي / على قيد نارك /أحيا / وإن أدمى عنقي / ومعصمي].
أحد المعلقين قال :" لم ارى في النص شيء اسمه الشعر بل ارى الشعر كله ما اروع الكلمات الدر الثمين من الكنز المكنون تحياتي للرائعه ما اجمل الشعر حين يسترسل من خلجات نفسك".
ويقول آخر :" وأنا أطالع في صورك الشعرية تجسدت لي صورتك الأنثوية الجميلة وتفوح منها أجمل العطور وكأني أتخيلك أميرة قد تعرت من كل قيودها !! وألقت بنفسها على فراش الهوى والحب الجميل".
ويشير أحد المعلّقين بقوله :" حضورك كرقصه بجع على ضفاف بحيره سماويه....الحتنها شجيه باصوات الرهبان...تجلجل في فاعات المعابد الرحبه...نثرت بهذا المرور....بيوت عطر اثيريه....فتمخضت اوراقي بعبقها الزكي حتى الثماله".
أما ردود [ الشاعرة الكبيرة ] فلا تختلف عن هذه المجاملات بشيء إلاّ بأنها أشدّ وطأة وكأن الجواهري يحيّي طه حسين !.

(7)
للإستظراف : أرسلتُ قصائد باسم بنت ، ملأتها بالأخطاء اللغوية والإملائيّة وجاهدتُ على أن تكون القصيدة باردة ، وجدتُ صورة بنت جميلة أكثر من اللازم على (النت) ، وعملتُ بريداً ألكترونيّاً وهميّاً لها ، حين نشرتُ هذه "القصيدة!" حصلتُ على تعليقات و رسائل واضافات على الماسنجر أكثر ممّا حصلتُ عليه بصفتي (علي وجيه!) خصوصاً وان بعض هذه الرسائل من شعراء لهم وزنهم في الوسط ونقّاد لهم أقلامُهم الحادة على الذكور..
أردتُ أن أعرف ما الذي يرغب فيه الناقد أو الشاعر أو القارئ الذي يضيفني [ وأنا بنت!] فاكتشفتُ أنّ الأمر لا يعدو كونه :
- عندك ويب كام؟!

(8)
شاركت الشاعرة العراقيّة حنين عمر علي بالموضوع فقالت :" لم تكن ظاهرة " المديح المجاني لأنصاف الشاعرات" سابقا خطيرة على مستقبل الشعر العربي  بقدر خطورتها اليوم ليس فقط لأنها أصبحت أكثر انتشارا، إنما أيضا بسبب التطورات التكنولوجية التي أتاحت تواجد مئات الفطريات الدخيلة على الثقافة والتي تبدأ تطفلها بنص "قصديري" يصفق له بعض الأغبياء في موقع ما".
وتضيف حنين التي حضرت مهرجان المربد بدورته الثامنة وأبدتْ تبرّمها من الشاعرات فيه أكثر من مرّة :" ولعل أكثر "القصديريين" الذين ينالون التصفيق في مهرجان البكتيريا هذا هن "القصديريات" مع الاتكاء على تلك التاء المؤنثة التي تتكئ عليها الشاعرة – أقول الصفة مجازا-  حين لا يمكنها الاتكاء على نصها أو المراهنة على جودته،وهي التاء نفسها التي يتكئ عليها بعض النقاد – أعني غالبيتهم- مصفقين لنصوص لا علاقة لها بالشعر لا من قريب ولا من بعيد حتى يقنعوا الناس أنها "قصائد" وأن من كتبتها "شاعرة" لا يشق لها غبار، مع أنهم غالبا يعرفون أنها لا شاعرة ولا هم يحزنون وأن نصوصها ولا تساوي حتى ثمن الحبر الذي كتبت به".
حنين لم تكتفِ بهذه الأسباب فقط بل أشارت الى مسائل أخرى حين قالت:" إنه لمن الضروري أن نعترف أن المشهد الثقافي العراقي والعربي بشكل عام يعاني من ضعف واضح على مستوى بنية النص الشعري الأنثوي، وأن النص الذكوري يتفوق بمراحل عليه، ويمكن أن استعرض الكثير من الأسباب هنا لكن ربما سيحين وقت استعراضها بعد أن تتعلم غالبية شاعراتنا العزيزات اللغة العربية وقواعد النحو والصرف حتى لا يتحولن إلى "نكت" يتندر عليها الشعراء في المهرجانات. ترى "كلش عيب والله"!

(9)
جذب نظري عنوانٌ لأحد الأصدقاء بدراسة حملت عنوان (البنية الإيقاعية في شعر.....) و المقصودة [ كأغلب الشاعرات! ] تكتب قصيدة النثر ، فاحترتُ قبل النقر على المقالة عن مدى وموضوعة البحث في هذه المقالة فوجدتُ أنّ ما كتبه الزميل لا يحتوى حتى على "فعلن" واحدة أو أي شيء له علاقة بالعَروض ، وسأكتفي بايراد مقطع من "الدراسة" الجهنّمية التي أراد منها الحصول على ابتسامة من الشاعرة الجميلة:" في قصائد الشاعرة تتداخل الرغبة الكامنة في اللاشعور مع الحسي الظاهر مخلفة إشتعالا شعريا دلاليا تفضحه الرمزية أو الماورائية التي تحيلها الشاعرة الى صور ضبابية يستطيع المتلقي الفطن ان يحل شفراتها ورموزها الايحائية ، فالعناقيد العارية هي عالم الشاعرة الدلالي الذي يقترب من الحلم / الجنون العاطفي ، والاقاصي هي آخر مناطق الرغبة أو أقصاها".
هذا ما قصده الباحث بـ"الما ورائيّة!" ، وبعد أكثر من عشرين مقطعاً شبيهاً بهذا المقطع يختم الباحث بقوله :".......شاعرة كبيرة ومتألقة لها مستقبل كبير في الشعرية العراقية بل والعربية لما تمتلك من ادوات وخيال يؤهلانها لان تكون مشروع شاعرة متفردة لها المجال لاستكشاف المزيد من القدرات في داخلها الذي سيشي بالكثير الكثير من الابداع في يوم ما ، فعلى النقاد ان ينتبهوا الى هذه التجربة التي تستحق الوقوف عندها كثيرا وخصوصا ان الادب العربي برغم انه يزخر بالنتاج الشعري الا ان الاصوات الشعرية النسوية تكاد تكون قليلة بالنسبة الى حجم الشاعرات الكاتبات لفن الشعر"!

(كلمتنا الأخيرة)
رفقاً بالنقد ؛ وننصح النقّاد بالزواج!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية