جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


قتل الملاك في بابل..غضب واحتجاج وثناء


جاسم العايف
هذا كتاب يتألف من(464 ) صفحة من القطع الكبير،هو ليس كتاب فقط، بل صرخات احتجاج دَوت في كل مكان في هذا العالم الشاسع، والذي الذي يتواجد فيه عراقي، لأي ظرف كان. انطلقت الصرخات المحتجة والمُدينةَ لجريمة بشعة،
من الحلة وبغداد والبصرة، ليُسمع ويتردد صداها ، في عمان وبيروت ودمشق وباريس ولندن وواشنطن وموسكو والسويد وهولندا وفنلندا..الخ. الكتاب كما ذكر محرره الشاعر والناقد الموسيقي والإعلامي والطبيب البيطري" علي عبد الأمير عجام": عرفان، و ثناء ، وغضب ، واحتجاج .عرفان  لكلّ مَن كتب بحق الكاتب والناقد والمفكر  "قاسم عبد الأمير عجام" ، وأدار ندوة  ونظم أمسية  عن سيرته وانجازه  وفكره؛ عرفان بجهد زملاء من كتاب ومثقفين أحرار، شهقوا ألماً من أجل قاسم.(أبو ربيع) الوادع، الدمث، النزيه، الشفاف،المتسامح ،النقي كما البياض، وأنهى حياته الحقد والكراهية والضغينة المكبوتة بالرصاص العلني سابقاً، والكاتم حالياً،كما حدث للعراقي اللامع "كامل شياع"، وغيرهما من المثقفين والتقدميين والصحفيين وكل الكفآت العراقية العلمية والمهنية .هي بربريات أصابت وتصيب الثقافة الوطنية - التقدمية العراقية والمجتمع العراقي وتاريخه المبني على الانسجام والتآلف. والأكثر غرابة أن لا حلَ لها، يلوح في الأفق المنظور،كما لا مَنْ حضرَ لمكان الجرائم ، وحقق قضائياً ،و سعى بعلنية ورهافة ضمير مهني ،في الأقل، لكشف المستور رسمياً ،وهو المعلوم بوضوح شعبياً، ومازال القتلة آمنين غانمين فرحين مستبشرين . صرخات احتجاج تلك التي حواها الكتاب وعمل محرره الشاعر "علي عجام" على بذل جهد واسع ونادر لمتابعة مئات الموقع الالكترونية ، ورد فيها مقال أو معلومة بسيطة عن جريمة اغتيال "قاسم عجام"، ومثلها الصحف الورقية وما أكثرها ، وبعضها أعاد تحرير جزء منها ، وصحح معلومة وردت خطأ وسهواً فيها، وكان ذلك ضمن فصل أطلق عليه " اغتيال الأمل" وساهم فيه:" طه محمد حسن ود. نادية غازي العزاوي وناجح المعموري و ثامر العذاري وسلام حربه وسهيل نجم وشاكر الانباري والشهيد، بعد ذلك، احمد ادم ووزارة الثقافة العراقية وجهاد مجيد وعبد الخالق كيطان وعلي الحلي وفاضل السلطاني وفاطمة المحسن وجاسم المطير وكاظم غيلان وموسى الخميسي ومحمد غازي الأخرس ومهدي النجار وموفق محمد ونعيم عبد مهلهل وتوفيق التميمي وصلاح حسن وزعيم الطائي ورشيد الخيون وسعد جاسم وناهض الخياط وعبد الوهاب الياسري والمنتدى الثقافي العراقي في موسكو و جَمع من أدباء محافظته (بابل) وجاسم العايف وسعد صلاح خالص واحمد الناجي  ورعد كريم عزيز وستار موزان، وكذلك حوار بين القاص والروائي فؤاد التكرلي وقاسم عجام عن"جدوى الأدب"وقد افتقد هذا الفصل،بأسف، مقالاً مملوءاً بالحزن والأسى للدكتورة سلوى زكو، كتبته في جريدة المدى الغراء، عندما كانت مديرة للتحرير فيها، بعد اغتيال قاسم عجام مباشرة، وتحدثت فيه عن كيفية قدومه في السبعينيات من الحلة لجريدة "طرق الشعب"، وبمنتهى التهذيب والرقة والتواضع ، يقدم مقالاته على ورق غير مخططٍ، وبخطٍ جميلٍ جداً ودقيق، وعادة ما يكون قد كتبها بحبر اخضر أو احمر، وأتمنى على محرر الكتاب الشاعر "علي عجام" العثور عليه وإعادة نشره، في الطبعة الثانية، أو مع  الكتب القادمة ، التي وعد بإصدارها محتوية على مؤلفاته الكاملة ، كل هولاء وغيرهم ممن لم يتسع هذا الكتاب الضخم لكلمات بعضهم،  أعلنوا إن الطلقة التي حفرت ثقباً في جبهة" قاسم" ، كانت إشارة  إلى حملة للنيل من رأس العراق وعقله . تلك الطلقة كانت بداية عن حملة ، لتصفية علماء العراق ومثقفيه وكتابه وصحافييه ، حملة تصفية لحراس الضمير العراقي. ففي صباح 17/أيار/ عام 2004 استهدف رصاص القتلة الأوغاد ، بتخطيط وترصد مسبق" قاسم عبد الأمير عجام " الكاتب والناقد والمثقف العراقي- التقدمي الذي لم يتلوث بمآدب ومغانم و"مكارم" النظام الفاشي المنهار، ولم يهادن أو يساوم أو يتلاءم مع توجهات السلطة القمعية المنحلة، ورموز ثقافتها،الذين عملوا على إشاعة ثقافة الخوف والولاء المطلق والعبودية للفرد الحاكم . وبقي مترفعاً بإباء،على الرغم، من الحرمان والمكابدة اليومية والشكوك الأمنية المتواصلة التي أحيط بها ، ومنع من الترقي الوظيفي مع ما يتناسب واختصاصه في كل مؤسسات دولة العراقيين. وهو الحاصل على درجة (الماجستير) بامتياز بـ"العلوم الزراعية"، ومن جامعة بغداد في بدايات سبعينيات القرن المنصرم ، وبقي وفيا لذاته المجبولة على الترفع والابتعاد عن التكسب الرخيص أو الارتزاق مع جوقات الطبالين ، مبرري جرائم القسوة والوحشية والتعذيب والتغييب، والعنف وسلب الإرادة الإنسانية، وتواصل الحروب.وحسم انحيازه إلى القيم التقدمية والثوابت الوطنية- الديمقراطية في سلوكه وتوجهاته الحياتية والثقافية.ودأب في كتاباته على كشف الحقائق ،عبر لغة مطواعة عميقة ثرة. في السبعينيات وفي جريدتي "طريق الشعب" و" الفكر الجديد" ومجلتي "الثقافة الجديدة" و"الثقافة/ للدكتور صلاح خالص" ، التي يذكر انه كتب فيها حوالي (40 ) دراسة كبيرة ومقالا نقدياً، ويؤكد إن " جو التسامح  الفكري  والرصانة العلمية  الثقافية الذي عشته  مع رئيس تحريرها  الأستاذ الدكتور صلاح خالص  رحمه الله ، وزوجته الفاضلة الأستاذة الدكتورة سعاد محمد خضر،  التي قادت المجلة  بعد رحيله عام 1986. قد كان أخصب تجربة ثقافية لي. وان الحرية التي مُنحت لكتاب المجلة  في قول كل ما يريدون دون رقيب ، من هيئة التحرير، قد أخصبت مقالاتي وكتاباتي  بحرارة وجدية شهد لي بها حتى بعض من تناولتهم بالنقد الهادف"(43 ). لقد أحدثت متابعاته النقدية اللامعة المتواصلة للدراما العراقية والعربية،والسهرات التلفزيونية والمسرحيات العراقية ، والأفلام السينمائية، هزة في الوسط الثقافي "الحكومي-السلطوي" ، الذي بدأ بتسويق خطابه و منهاجه السياسي ، عبر ثقافة السلطة القامعة ورثاثته وتدنيه في وسائل إعلامه ومهيمناته الحزبية ،دائمة النزوع لتبرير فظاظة الواقع المعيش والدفاع عن " الفحولة" والزعامة الفردية المتوحشة التي تجبرت حتى أخضعت العراق لسيطرة سلطة الحزب الواحد أولاً، ثم العشيرة ، وبعد ذلك تكريس حكم العائلة ،و قرابتها وتعميم توجهاتها القروية الجرداء وفرض سلوكياتها المتخلفة الفظة.انطوى المنهج النقدي التطبيقي لـلناقد والكاتب والمفكر "قاسم عبد الأمير عجام" على أصالة الكاتب النقدي والمثقف العلماني/ العضوي/ الذي وضع التوجهات الثقافية  والهموم السياسية في كل ما كتب تحت نصب عينيه، وظل متمسكاً بالثوابت المبدئية في بحثه عن الحقيقة ونسبيتها، والاحتفاء بها وتقديمها لمعايشي تلك المرحلة الملتبسة، وكشف في متابعاته وكتاباته الكثيرة، زيف وادعاءات التوجهات المتلفعة برداء" الفكر القوموي" مدعي العلمية، وبقي" قاسم عجام" يسجل ويكتب ويُوضح للناس- دون كلل وهذه ميزة نادرة جداً في الوسط الثقافي العراقي في تلك الأيام- عما يكمن خلف الثيمات والأحداث والرؤى والشخصيات الدرامية واستجاباتها ومواقفها، بعيدا عن توجهات فكر السلطة وإغراءاتها. لم يبحث أو ينهج "قاسم " في كتاباته عن المعاني المجردة الباردة ولم يلهث خلف"الموضة" أو الصرعات الحداثوية.لذا يكتب عن أدب الستينيات:"لم اشعر أن هذا الأدب ، يستوعب  معاناة مجتمعنا في تلك الفترة، بقدر ما يمثل هو نفسه حصيلة للضياع  وتخلف الواقع الاجتماعي كله(ص40 ).لقد عانق "قاسم"العقل وفعل نظرته ورؤاه التقدمية،للواقع العراقي وحراكه ، متميزاً بدقة وكثافة الملاحظة والاستدلال، في النظر والأحكام مستثمراً في ذلك فكره التنويري الوقاد، فهو كما تصفه السيدة الدكتورة " نادية غازي العزاوي:" حياة قامت على أربع ركائز متلازمة  لم تعرف يوما انفصاماً أو ازدواجية، وعي سياسي  وانتماء يساري لم يتخل عن منطلقاته وثوابته أبداً ، وأحلام شاسعة بوسع الوطن الذي أحبه من الأعماق، وآمن بتاريخه، وحضارته وعطاء ناسه ، وخيبات لاذعة ، على المستويين الشخصي ، والوطني ،وقلم مثابر ناضج مستوف لأدواته  لم يكف  عن الكتابة إلا لحظة  اخترقت الرصاصة رأسه"(ص 76 ). لقد استثمر ووظف قاسم عجام ثقافته الراقية بقدرات نقدية مهنية متميزة ،وعمل في كتاباته ومتابعاته الثقافية - الاجتماعية المتنوعة على كشف ما هو ملتبس وغائم ومغيب من خلال منهجية التحليل النقدي وأسئلته لاستنفار معارف القارئ أو المشاهد وتجاربه، وتشغيل مخيلته بغرض تفعيلها ،على أن ثمة ما هو أبعد مما رأى أو سمع، في تلك الدراما أو السهرة التلفزيونية، أو التمثيلية أو العرض المسرحي، أو الفلم السينمائي، وعليه تفعيل معارفه وعقله و ذاته الإنسانية، لاختراق ما مسكوت عنه، ولاستنطاق الأحداث والأفكار وصمتها المفروض من الخارج ، ومن الصعوبة بلورتها بوضوح أو الاقتراب منها عندئذ ، إلا بتفعيل الرمز واللغة وغناهما،لأسباب كثيرة ،في الصميم منها ، قوة الاستبداد والتعسف والتواطئات السياسية مع الحزب الحاكم ، التي ميزت مرحلة السبعينيات، وأجهزت على توق الإنسان العراقي للحرية والعدالة الاجتماعية ، والتقدم والحداثة والقيم المدنية، وهو في بدء توجهاته و تطلعاته المشروعة تلك ، وعمل طبالو ومروجو سياسة الحزب الحاكم وبعض المدافعين عنه،تبرير توجهاته عبر أكذوبة طريق"التطور اللارأسمالي" أو"الديمقراطيين الثوريين"، على وأد تطلع العراقيين نحو التعدد والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية الإنسانية . لقد عمل " قاسم عجام" برؤيا واقعية مسؤولة متجددة في ضرورة تفعيل التمتع بالحرية والدور الاجتماعي الذي يؤديه وينهض به الكاتب والمثقف الوطني التقدمي، بعد انهيار نظام القمع البربري. وما سرعة استجابته للخدمة العامة، مع تلمسه المخاطر الشخصية المترتبة على ذلك بسبب غياب منظومة الأمن الوطني العراقي ،إلا الدليل على ذلك، فاستجاب وبحماس قل مثيله لبشائر الحرية التي تلت مرحلة ما بعد السقوط، من خلال انتخابه الديمقراطي لإدارة ناحية"جبلة " في الحلة ، ورئاسته وبالانتخابات أيضا لاتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في بابل، إلا الدليل الأكيد في توجهه للخدمة العامة، نائيا عن كل مطمح أو تكسب رخيص خاص. وكان اختيار وزارة الثقافة له (مديرا عاما لدائرة التأليف والنشر) مبعث فخر وآمال الأدباء والكتاب والمثقفين العراقيين عند ذلك الوقت الصعب والحساس ، وهو تجسيد فعلي للشخص المناسب حقا..في المكان المناسب فعلا. 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية