جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


وقائع "اغتيال" مهرجان المربد الشعري مجازرٌ للغة العربية ومنصة تتحوّل الى «كوستر» للشعراء !


تاتو - علي وجيه
0حين انعقد ملتقى قصيدة النثر الأول في محافظة البصرة للفترة من (23-25 /12/2010) استبشرنا خيراً لدرجة السرور لما رأيناه في هذا الملتقى الذي تبنّته جامعة البصرة مع اتحاد أدباء المحافظة ،
فالتنظيم الذي لم يختل للحظة واحدة ، والجلسات النقديّة المميّزة ، والقراءات الشعريّة الثرّة والتي تحتوي على جمهور واسع فضلا عن هدوء ملحوظ ، كلّ هذا جعلنا نغبطُ أنفسنا ونحنُ نعرفُ بأنّ المربد الثامن خرج من مسؤولية وزارة الثقافة وتحوّل الى مسؤولية اتحاد أدباء البصرة ؛ فقلنا بيننا وبين أنفسنا "إنّ هذا المربد هو ما كنّا نحلم به" إلاّ ان ما حدث لم يكن في الحُسبان !
قراءات وحضور سوء التنظيم (الذي ستعرفونه بما ستأتي من سطور) بدأ مُنذ أن تلقّيتُ نسخةً من أسماء المدعوين الى المهرجان ، فالمهرجان الذي دُعي اليه أكثر من (300) أديب و"أديبة" انقسمت الأسماء فيه الى "القراءات ، النقاد ، الحضور" ، ولا أعلم ما المقصود بجماعة "الحضور" ؟ هل هم محتاجون الى نقلٍ مجانيّ كي يروا البصرة، أم أنهم مجرّد (زايد خير؟) مع أنّ المذكورين بهذه الفئة فيهم من المؤثرين بالشعريّة العراقيّة أو على الأقل : من الشعراء المبدعين مثل (وهاب شريف ، نصير فليح ، عامر عاصي ، عصام كاظم جري ، صفاء خلف ، سلمان الجبوري ، رباح نوري) ، بل حتى إنّ الشاعر المُحتفى به بهذه الدورة شيركو بيكه س كان من فئة الحضور...! قُلنا : نحنُ لا نبحثُ ونتقاتلُ على المنصّة كما يفعلُ أغلب الموجودين ، فاخترنا الذهاب برغم "وصمنا" بفئة (الحضور)! اليوم خمرٌ وغداً خمرٌ ! حين اتخذ مجلس محافظة بغداد قراره بغلق جميع محال بيع الخمور ، وقف الجميع ضدّه ومنهم العبد الفقير كاتب السطور على الرغم من أنني لا أشرب الخمر لدواعٍ شخصيّة محضة ليست لها علاقة بتوجهٍ ديني أو سياسي ، لكنّك – ومهما كُنتَ مُدافعاً عن الحريّات الشخصيّة – ستكره الخمر وشاربيه حين تذهب الى المربد بدورته الثامنة وحين تكتشف أنّك تسافر على متن بارٍ متحرّك! بدأ أدباؤنا [ الأقحاح! ] بالشرب مُنذ انطلاق السيّارة من ساحة الأندلس في بغداد ، وصولاً الى البصرة ، بل إنّ مجموعة من الأدباء [ الأشاوس!] أكملوا المسيرة النضالية في الغرف لثلاثة أيّام متواصلة حتّى بدئهم بالشرب مُجدداً من البصرة ، الى بغداد ، الى نادي الإتحاد احتفاءً بعودة (طيور الفينيق الإبداعيّة) وهي تخرجُ من رماد مكعّبات الثلج ! أغلبُ أصدقائي يشربون الخمر إلاّ ان مشكلة مَنْ تواجد بالوفد هو تحوّلهم الى شخصيّاتٍ عدائيّة واضحة ، فحين يثملون (وأعني أولي الأقلام!) يتجاذبون أطراف الحديث ، وما إنْ يمسّ أحدهم الآخر حتى تخرجُ مكنوناتهم العائدة الى ثمانينيات القرن الماضي من أمثال (أنا أهم منك ، أنتَ لا تكتب عنّي ، أنتَ تسعى لتهميشي) ، أما أغرب اللقطات هي تنازع اثنين من الشعراء الـ(نص ردن) حتى وصل الحد بأحدهم أن نعته بالـ(تفكيكي)! ولا أعلم إن كانتْ هذه شتيمة أم إنّ دريدا كان من (أدباء الخارج) المكروهين لدى أصحاب الصهباء! أين غرفنا؟ وصلنا الى البصرة التي أزال هواؤها تعب الطريق الطويل ، حين وصلنا الى الفندقين المُعتادين واللذيْن ننزل فيهما كلّ عام (فندق المربد وفندق عيون) وجدنا أدباء المحافظات قبلنا ، وبعد نصف ساعة من وصولنا وصل وفد اتحاد أدباء محافظة النجف مُمثّلاً برئيسه الشاعر فارس حرّام... وقف فارس و أفراد وفده لأكثر من خمس ساعات متواصلة وهو لا يعرفُ أين غرفته وغرف وفده ؟ أمّا الشاعران كريم جخيور وعبد السادة البصري المسؤولان عن تنظيم المهرجان فقد سقياه من سينات التسويف والتصبير ما لا يُعدُّ ولا يُحصى لأنّ الفندق امتلأ ، وحين أراد فارس الإستعلام عن غرف وفده اكتشفنا جميعاً من أين بدأتْ فوضى التنظيم ! يحدثُ أن تُدعى شاعرة ، من المفترض أن تكون معها شاعرة أخرى في الغرفة نفسها ، لكنّ الشاعرة الأولى جلبتْ معها ضيفةً من محافظتها لا علاقة لها بالمربد لا من قريبٍ ولا من بعيد ، أمّا الشاعرة الثانية فقد جاءتْ بزوجها الذي يبدو أنّه أقسم بأغلظ الأيمان والأشياء الأخرى أن يأتي هو الآخر ، بهذه الحالة ذابت غرفةٌ من مُستحقّيها الأصليين ، وهكذا تستمرّ اللعبة خصوصاً بعد مجيء الكثير ممّن هم غير مدعوّين الى المهرجان... بَسملَ فارس حرّام وحوقل مئات المرّات قبل أن يذهب لفندقٍ آخر بعيد نسبيّا عن الفندقين الرئيسين ، حجز فارس له ولوفده على حسابهم الخاص إلاّ ان لهجة ياسين النصير ومفيد الجزائري وفاضل ثامر الحادة مع اتحاد أدباء البصرة جعلتهم يتداركون الموقف في الساعة الثانية عشرة والنصف ليلاً وهو وقت ايجاد وفد أدباء النجف غرفاً له... الجزء الثاني من (الظليمة) تعرّض له وفد تلفزيون (الحضارة) التابع لوزارة الثقافة ، فهم وعدتهم الفنيّة بقوا حتى ساعة متأخرة من الليل واقفين في استعلامات فندق المربد بانتظار انتهاء طبخ غرفهم (وهُم الذين جاءوا لتغطية وقائع المهرجان) فيما كانت (أنصاف أرباع الشاعرات) يُرحن ظهورهن من الطريق بمعيّة وفودهنّ العائليّة! ظُلم الآباء والأبناء في محاولةٍ للخروج عن السائد اختار منظّمو المهرجان استبعاد أسماء الشعراء (د.محمد حسين آل ياسين ، كاظم الحجاج ، موفق محمّد ، محمّد علي الخفاجي) من افتتاح المهرجان ، آل ياسين وموّفق لم يحضرا للمهرجان اصلاً فيما قال بعض أدباء الحلّة إنّ موفقاً بلغه هذا التخطيط فاختار عدم المجيء ، الحجّاج لم يعارض إلاّ إنّ الخفاجي عاد الى بغداد في اليوم التالي من وصوله بعد هذا التصرّف ، الأدباء قالوا إنّه كان من المُفترض ايصال المعلومة الى شعرائنا الكبار بطريقة أكثر لطافة لا تحرمنا من أصواتهم ؛ فهُمُ (وحتّى إنْ كانوا كبار السن) فهذا لا يعني اغفال أهمّيتهم في خارطة الشعر العراقي ، المسألة الأخرى التي تثير الضحك هي : إنْ كان الإتحاد يرغب بابراز أسماء الشعراء الشباب دون الشيوخ فلِمَ لم يقرأ هؤلاء الشعراء الشباب والذين كانوا متواجدين في المهرجان؟ (حسام لطيف البطاط ، عمر الجفال ، زاهر موسى ، علي محمود خضير ، أحمد الهيتي ، علي وجيه)؟ هؤلاء الشعراء لم يُدعوا للقراءة أبداً عدا زاهر موسى وكاتب السطور ، والأخيران رفضا القراءة في جلسة يقرأ فيها 34 شاعراً وشاعرة ! الشعر يريد اسقاط الإناث ! لسنا ذوي نظرة شوفينية أو بدويّة تجاه الأنثى ، إلاّ ان مهرجاناً تقرأ فيه أكثر من عشر شاعرات ولا تُخطئ منهنّ باللغة سوى ثلاث (د.ناهضة ستار ، حنين عمر ، نضال القاضي) يجعلنا ننادي باسقاط الإناث من المربد! ما حصل في المربد هو الآتي : أنصاف صحفيّات ، خطّاءات باللغة ، ولا يعرفن ماذا يُردنَ من القصيدة ، هُنَّ مَنْ قُمنَ بتسيّد المهرجان في القراءات ، فتقوم إحدى الـ(مَدري شنو!) وتقول : "سأقرأ قصيدتان!" فيصرخُ الشاعر حسين القاصد من مكانه : انزلي ! إنّه المربد! فيما تقول الأخرى بصوتٍ مبحوح :"سأعتلي حصانك الواقف منذ وقتٍ طويل ، سأعتلي مئذنتك" فتُجابه القصيدة بموجاتٍ من السخريّة من هذه التي بلغتْ من العمر عتيّا ولم ترَ مكاناً لابراز أنوثتها (الموجودة في القصيدة فقط!) سوى منصة المربد! أمّا احدى المتواجدات والقادمة من محافظة جنوبيّة فعددتُ لها بالضبط 23 خطأً لغويّاً ولفظيّاً في ما قرأته والذي لم تتجاوز قراءته أكثر من 6 دقائق فحسب ، كنتُ جالساً قربَ الدكتورة ناهضة ستّار التي شعرت بمغص شديد بعد أخطاء (الشاعرة) المدعوّة والقادمة مع عضوة مجلس محافظة من مدينتها العتيدة! نثر ، حَبْ ، جكَاير ، علج ! أتاحتْ قصيدة النثر في هذه الدورة أكبر عدد من الحريّة للمتشاعرين وكتّاب ما دون الخواطر ، فمجرّد صفّ كلمات في ورقة ، مع قبلة "استجداء" على خدّ عضو في اللجنة التحضيرية يجعلك وببساطة تعتلي منصّة المربد ! مربد الجواهري وحسب الشيخ جعفر . يقوم شاعر طبع أكثر من 10 مجاميع خلال عام واحد ليقرأ شيئاً هو دون المقالة مثل : (قتل الأبرياء في ليبيا والبحرين ، لماذا يصمتون تجاهه؟ بحرين المناضلين ، ليبيا الخضراء ، مصر العروبة ، لماذا يُقتل المتظاهرون؟ ويُستخدم العنف المفرط تجاههم؟) إضافة الى احتواء قصيدته على مفردات لم يحلم العلماء اللسانيون بتفكيكها مثل (مطايا ، بنجرجية إلخ!) أمّا الشاعر المغترب الشهير الذي جاء مُكتنزاً بتجربة قوامها ثلاثون عاماً تقريباً من التجربة الشعريّة فقد قرأ قصيدة تذكّرنا بمبدأ (الإكتفاء الذاتي - اقتصاديّاً) ، فقصيدته تحتوي على (السجاد المزركش ، الحرير ، القصدير ، الحديد ، الفراشات ، الأثاث ، كؤوس ، مواعين ) وربما حتى على (حب ، جكَاير ، علج ، فيت بم ، جعمقّة ، جكمجة ، ويل ، وسبانة 16)... بقيَ أن أشير الى القصائد ؛ بمنطوقها العام ، لم تكن مفهومةً للموجودين ، كحال الشعر ككل. ثورة الزنج الغنائية جميع أيام المهرجان لم تخلُ من الوصلات الراقصة للراقصين الفلكلوريين في المحافظة ، لوهلةٍ نسينا أننا في مهرجانٍ شعريّ هو الأول في العراق ، إلاّ ان المضحك بالأمر هو بعض الشعراء الذين ينسحبون من القاعات أثناء القراءات الشعريّة لزملائهم ؛ إلاّ انهم أثناء (الرقص) ينسحبون أيضاً ليرقصوا في كواليس المهرجان إيماناً بـ"رقصنة" القصيدة الحديثة بهزّ الأكتاف والأرداف! في جلسة الاختتام ، استمرّتْ الفعاليات الراقصة لأكثر من ساعة كاملة ، الأمر الذي جعل القراءات تتأخر ، أما القراءات فأمرها أمرٌ ! ، فتقنينُ الإتحاد للقراءات في الأيام الأولى جعل يوم الاختتام مستحيلاً ما أدّى لحالة تضخّم جعلتْ الاختتام : مذبحة الذائقة الشعريّة العراقيّة! خاتمة الأحزان الجلسة الاختتاميّة في المربد الثامن هي أكبر امتحان للصبر لدى الشاعر والمتلقي على حدٍ سواء ، فتصوّر أنّ 34 شاعراً وشاعرة يقرأون على منصة واحدة ، وبين شاعر وآخر نرى التماس أحمد المظفر (عريف الحفل) للشعراء بأن يختصروا ، وللمتواجدين خارج القاعة أن يعودوا... بدأ الحضور بالإنسحاب تدريجياً بعد أن قرأ الشاعر علي نويّر البيان الاختتامي للمربد بمنتصف القراءات ! وحين قرأ أوّل 14 شاعراً بدأ الملل يتسرّب الى الحضور وجاء دور الشعراء الغاضبين ، فكلّ شاعر يصل الى المنصة يبدأ بانتقاد اللجنة التحضيرية والمهرجان ، فرغت القاعة إلاّ من الشعراء الذين ينتظرون دورهم بالقراءة !إلاّ ان الفنانة الكبيرة آزادوهي صاموئيل ساهمت بانقاذ الموقف حين مثّلتْ مشهداً مسرحيّاً أعاد بعض الحضور الى القاعة... وبهذا : تنتهي أكثر دورات المربد سوءاً مُنذ العصر الجاهلي! زُبدة الشعر في الفندق ، شكرنا الشعراء الذين غسلوا ذائقتنا الشعريّة من الزَبَد الذي سمعناه فهُم أضاءوا برغم كلّ شيء ، طالب عبد العزيز ، أحمد عبد الحسين ، مجاهد أبو الهيل ، جمال جاسم أمين ، أجود مجبل وغيرهم القليل. برقيّة إلى اتحاد أدباء البصرة نقدُنا هذا ؛ لا ينبعُ إلاّ من محبّتنا وبأملنا بألاّ يغتال الطارئون مربدنا في الدورة التاسعة التي لن نحضرها بالطبع!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية