جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


مراثي شعرنا المعاصر قراءة في نماذج مختارة


باقر صاحب
منذ صدم جلجامش بموت انكيدو،فانبثقت أسئلته عن الرحيل الأبدي،كانت أنشودة رثائه بداية تدوين مديح الموتى في الشعر القديم ، ونجد في الأدب الفرعوني القديم (قصة الآلهة :اوزيريس وسيت وايزيس،حين هجم سبت على أخيه اوزيريس وقطعه اربأ،وألقاه في اليم بكته ايزيس أخته وزوجته بكاء حارا،وكان المصريون يبكونه معها في أعياده من كل عام)1
(ا) يرتبط المعنى اللغوي لـ (الرثاء)بالميت والبكاء عليه،فيقال(رثيت الميت رثيا ورثاء ومرثاة ومرثية)2ويدل (رثى)في أصله اللغوي على( التوجع والإشفاق)3.ويقول ابن فارس (رثيت لفلان)بان (الراء والثاء والحرف المعتل أصيل على رقة وإشفاق،يقال :رثأت وليس رققت)4. ولأجل خلق ارتباط تراثي مع رثاء الشعراء المعاصرين لأبنائهم واشتغالهم أي نماذج الرثاء المدروسة بالحقل الإعلامي المعاصر، نتذاكر قليلا رثاء الشعراء العرب القدامى لأبنائهم و رثاء الشعراء لنظرائهم ،تربطهم بهم علاقة أدبية، كأن يكونون تلامذة لأسلافهم الشعراء الموتى. وفي هذا الصدد تعد مرثية أبي ذؤيب الهذلي لأبنائه حائزة في بعض أبياتها على مستوى فني متقدم ،إذ اتسعت مساحة المجاز إلى تصوير المنية حيوانا مفترسا ذا أنياب،لا تنفع في الخلاص منه كل التعاويذ: وإذا المنية أنشبت أظفارها/ ألفيت كل تميمة لا تنفع 5 أما بشان تأبين الشعراء لنظرائهم يرى د. شوقي ضيف انه يتأتى(بحكم الزمالة وما نشأ بينهم من صحبة وصداقة ،وهي صداقة روحية ،وكثيرا ما تكون صداقة تلمذة ،فتجتمع الأبوة الفنية مع الصداقة الروحية)6 (2) نعرف تحطم الأغراض التقليدية المصنفة للشعر القديم في العصور المختلفة بالتوازي مع الانقلاب على الترتيب العددي للعروض الخليلي ،منذ نهايات الأربعينيات من القرن الماضي على يد الرواد.التغير في المضامين والتصاقها بهموم الانسان في الشعر الحديث (شعر التفعيلة)لا يعني عدم الحنين إلى الأغراض القديمة، ولكن وفق معالجة حديثة يأتي الاهتمام بالصورة في مقدمتها، أغراض مثل الغزل والرثاء بصورة خاصة استمر تناولها في الشعر الحديث ،الشاعر الراحل نزار قباني ، كتب الشعر في جميع أشكاله، يمكن تناول مرثيته لزوجته بلقيس لاقترابها من النماذج المختارة لشعراء دراستنا الذين رثوا أبناء وأصدقاء وزميلات،كلهم مشتغلون في الحقل الثقافي ،والمرثية بلقيس ماتت في حادث تفجير السفارة العراقية حيث تعمل .نقترب في مناولتنا القصيدة من تداعيات العلاقة بين الشاعر وزوجته ،وتناوله حميمية تفاصيلها،و ذكريات جمعتهما في بيروت ، بغداد و استذكار كل ماهو جمالي ، يومي في حياتها، العطور ، الفساتين ومحاولة الارتقاء بالفقيدة من كونها زوجة إلى رمز تبدى عبر انثيال تراكيب لها مرجعيات عراقية خالصة: بلقيس / كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل/ بلقيس/ كانت أطول النخلات في ارض العراق7 قباني حاول تخليد الراحلة ،بإبعاد تفاصيل علاقاتها الإنسانية والعاطفية عن النسيان ،مع إحياء دلالة التصدي لبشاعة موتها باندلاق معالم الجمال والحب، وتصعيد الإرادة الشعرية في تأويل الفقد والموت بوصفهما وجها آخر لانتصارات جمالية. استثمر نزار الحزن العراقي منذ أقدم الأزمان ،مذ رثى جلجامش صديقه انكيدو، واستشهاد الحسين : إن هم فجروك ..فعندنا/ كل الجنائز تبتدي في كربلاء/وتنتهي في كربلاء.. (3) المشهد العراقي بعد عام2003 وما سبقه يعد أرضا خصبة لتجدد الرثاء فقد احتقن بوقائع قتل الإنسان بكل بشاعة ، حاول الشعر العراقي المعاصر تحديث تقنيات الأداء الشعري في غرض قديم.ولقد اخترنا نصوصا لشعراء من أجيال متباينة فجعوا بفقد أعزاء لهم، ينتمون أيضا إلى المشغل الثقافي .ما يجعل نصوص هؤلاء الشعراء حائزة على ميزة الصدق الفني وانسيابية التآصر بين الذاتي والموضوعي. بنية العنوان للعنوان من الأهمية ماجعله النقاد احد عناصر مابعد إنتاج النص، وله مثابته البلاغية –الإعلانية في المسافة الكامنة بين إنتاج النص وتقديمه للجمهور8.من هنا يأتي اثر العنوان في إضاءة نصوصنا المختارة. فعنوان نص خزعل الماجدي (أحزان السنة العراقية، خطفوا النسيم الذي اسمه مروان)9 ذو محمول دلالي يتجاور فيه الحدث الأكبر مع الواقعة الصغرى، فالسمة الانفعالية - الأحزان- تشتبك مع توصيف مكاني-تاريخي –كلي الاتساع (السنة العراقية) والواقعة الصغرى(خطفوا النسيم الذي اسمه مروان)تهيئ مدخلا إخباريا لرثاء ابن الشاعر(مروان الإعلامي العامل في قناة السومرية الذي اختطف وقتل مع زميلة له). فيما يفتتح عنوان نص الشاعر جواد الحطاب في رثاء الإعلامية أطوار بهجت، زميلته في العمل في قناة العربية (استغاثة الأعزل)10،منطلقا لمطابقة واقعية-شعرية مع الاستغاثات الكبرى لمعظم الناس من أهوال فقد فاقت غرائبيات الشعر والسرد والمخيلة السينمائية، كماأن عنوان نص ماجد موجد(السطوع الأبدي)11مع الإهداء (إلى احمد ادم في كل مناسبة) تنفتح دلالاتهما على خلود المرثي ، فيما يفصح عنوان نص علي عبدالأميرعجام(كيف بفجري وقد ثقل علي كتفي نعشك)12 عن انعدام البون الزمني بين حادثة اغتيال الكاتب قاسم عبد الأميرعجام وذكراها الأولى التي تزامن كتابة النص ونشره معها، وتماهي تفاصيل تشييع الفقيد مع تأملات الذكرى يوحي بهيمنة الوظيفة الانفعالية للعنوان . جماليات المتون إن الاشتغال على جماليات الرثاء ، يمثل الاستدلال على تقنيات الشاعر في استدراج (قبح الموت وبشاعة القتل)إلى مناطق إبداعية تتبادل فيها الوظائف البلاغية لأي نص وخاصة (الوظيفة الانفعالية)و(الوظيفة الجمالية)مواقع الهيمنة والإزاحة لبعضهما وقد ركزنا على تلكما الوظيفتين في شعر الرثاء،فالوظيفة الانفعالية لها أهميتها التقليدية في المراثي، إذ تسعى إلى إحداث انفعال عاطفي بفاجعة الموت، إن نصوص الرثاء في الشعر العربي القديم تغلب عليها الوظيفة الانفعالية ، كما سعى الشعر المعاصر للخروج إلى ابعد الحدود عن المباشرة، وتغليب الجمالية والشعر الخالص على الوضوح، وتجديد الأداء الشعري في تناول موضوعات قديمة . نلحظ غالبا في نص الرثاء عناصر اثر انفعالي أقلها الغنائية وعدم نشدان الغموض في المفردة والصورة أما الوظيفة الجمالية ينصب اهتمامها الرئيس بشعرية اللغة، ما يشكل تحديا لمن يكتب الرثاء في خلق موازنة بين الانفعال والجمال. الشاعر خزعل الماجدي أفاد من (قصة النبي يوسف)متداخلة مع إيحاءات نبل المرثي وجماله:(أصيح على قاطعات الأيادي/الم يكن مروان يوسفكن الجميل/إذن أي متاع / وأي الذئاب سبته/ أصيح على الجب / كيف احتويت رصيعا من الماس) أكثر من ثيمة في قصة (يوسف) لها وهجات توحد مع قصة خطف(مروان)، ثيمة إخوة يوسف عندما رموه في الجب وقرانها مع الحالة العراقية، اقتتال الإخوة أنفسهم ،كيف يغيب مكان عراقي(غيابة الجب ) واحدا من أبنائه، حاملي مشاعل الحقيقة .غيابة الجب تصبح بؤرة ضامة لمفردات متشابكة مع جذور العذاب العراقي ،ألمعها مفردات الإقصاء أو التغييب ( وآخ من بلد يتلاطم بالموت) وتفعيلا لحجم المرثاة من الخاص إلى العام ينادي الماجدي-رثاء وخلاصا-(الوطن،الأرض،الفرات،السماء، فصول الزمان العراقي) فرثاء الآخر(الطبيعة، الانسان،الوطن)يعد رثاءً للجميع. ومثلما فعل الماجدي، أفاد جواد الحطاب من القصة ذاتها وفق أبعاد جمالية دلالية أخرى ومقارنة مع الماجدي الذي اشتغل على بؤرة (غيابة الجب) ، أفاد الحطاب من بؤرة (الذئب)فيها حتى اشتهر المثل القائل (براءة الذئب من دم يوسف)،الحطاب استثمر البراءة ذاتها وجعل من (الغراب) بديلا للذئب، كي يكون الغراب رمزا لقتلة حقيقيين،مع الإفادة من التطير الشعبي من الغراب بوصفه نذير فراق أو موت، مستخدما الانثيال السردي . يجدد الحطاب شخصيات وأمكنة محددة الأطر والتأويل، فـ(السيارة )هم الملثمون القتلة وتغدو (أطوار) بئرا عميقة ،وهذا انفتاح على العمق الإنساني والثقافي للراحلة. وإذ يروي يوسف رؤياه لأبيه، فان (أطوار) هنا لم تقصص رؤياها حتى أمام المرآة، وبالطبع إن الاشتراك بين النبي يوسف في القصة القرآنية و أطوار في قصيدة الحطاب يعكس منزلة الشهادة في الفكر الإسلامي وتصبح الشهيدة أيضارائيةلما سيحدث، والشعراء يرون ما لا يرى الآخرون. فالشاعر الرومانتيكي شللي في (دفاع عن الشعر) يرى أن الشعراء مشرعو العالم غير المعترف بهم ،هل كانت الرؤيا التي لم تقصصها مجازا على المرآة نبوءة موتها أو أن عدم سردها والجهر بها دلائل على توغل وترصد وتجسس القتلة على رؤانا إلى درجة ارتياد المخاوف لنا بشأن عدم النطق بها لأنها إدانة للقتلة و التعريف بملامحهم : في صحراء (سر من رأى) /كان (السيارة)على بعد (بئر) من أطوار/ورغم إنها بلا أخوة ،ولم تقصص رؤياها على المرآة /الا انها رأت أكثر من كوكب يسجد / لكنه (الغراب)هذه المرة،وليس الذئب... وتعميقا للفجيعة فانهاجعلت الشاعر يخاطب النبي يوسف بما يعكس همجية وانحطاط الذئاب الجدد بما فاق ذئاب الطبيعة أيضا: يايوسف ../ ألف ذئب من ذئاب إخوتك /ولا غراب واحد،من غربان (ساء من رأى) نلحظ الاستبدال المقصود للاسم الأصلي لمدينة سامراء من ( سر من رأى )إلى (ساء من رأى )إن الشاعر بذلك يؤول تحولات المدينة وخصائصها التاريخية والدينية بدلالة الحدث الذي أجج أتون حرب طائفية بتفجير المرقدين في المدينة وراحت ضحيته أيضا من أرادت أن تنقل الحقيقة إلى العالم . في نص الشاعر ماجد موجد هناك تأسيس جمالي لتفوق شعرية النص على بشاعة الواقعة ومجانيتها المفرطة، المعادلة الإبداعية المستديمة بين إعادة إنتاج الثقافة والحياة ترجح(السطوع )المعنوي للمرثي(الشاعر احمد ادم)مرموزا للحقيقة ومجسرا لـ(إشراق)الجمالي، بتأثيث مساحات متن الرثاء بالمناقب الخيالية للقتيل، ومجازات أدمجت المرئي واللا مرئي في سيرة (ادم)وسجاياه. فضاء النص كان مشرعا للانشغال المعرفي وصناعة الأسئلة(كان دم قليل يملأ القصب يملح شهوتك عن السؤال والكتابة، يملأ ذاكرتي بما رأيت ومالم ارعن حياتك وسجاياك). خصيصة اندماج الراثي والمرثي في انشغالات الحقل الشعري تمنح جوهر المرثاة عمق الأفكار وفرادة الأخيلة وما من شأنه تجديد انتصار الحياة على مناسبة الموت دائما. جماليات المتن تتفاعل مع تفاصيل (غناء)الحياة، وبوصف الراحل شاعرا ينتصر للمعنى،فهو يستجلب مرح الشاعر وحب الأصدقاء واحتفاء الليل به.نحن إزاء انتشاء بما يطفئ الالتماع الأسود (لبركة الموت)التي وجد المرثي سابحا فيها.رعب بركة الدم وبرودتها تقابلها اشراقات نهار تشظي ظلالا ملونة ترتعش ببراءة،نتوصل إلى إن جملة الحياة أطول من جملة الموت وأكثر حيوية منها. اللغة هنا لا ترتدي الحداد،بل تفعل أقصى مايتبادر من مفردات الشفافية والعذوبة ما يكسب الفاجعة فاعليتها االروحانية المتسلقة على وقائع الموت فتتوهج القصيدة احتجاجا على صيرورة الموت المفرط نكوصا مفضوحة دلالاته وركودا في مستنقع النسيان، ما ينتج إعلاء لغناء الموت الفردي الذي يتمشكل مع إيهام ( الحياة الباذخة) بها تفوق الفقيد على الموت وعلى مسالك التشابه مع الآخرين: (مامن احد يسكن مسكنك وما من فكرة تشبه فكرتك، حيا تك باذخة، حلم لمن يحلم، ورغبة لكل طمع وشهية وحرمان). يرشح من نص علي عبد الأمير إحياؤه ثراء العلاقة الإنسانية بينه وبين شقيقه وحميميتها و خصوصيتها النابعة من اهتمامات تجمعهما في الشغف بفن الموسيقى والثقافة تمهيدا لتوصيف حالة موضوعية متناسلة الوقائع يتجوهر فيها توحد رثاء القتيل والحياة المعطلة معا /هجاء الموت والقتلة . أسلوب المناجاة البسيطة التراكيب يمنح النص صدمة الوضوح إزاء انكشاف قوة الكلمات أمام تكاثف حجب الواقعة... أجواء الموت في عام اغتيال الراحل 2004 والأعوام التي تلته ،وغرائبية تناقض حدثين يجسدان السعادة غير المكتملة دائما بعودة علي عبد الأمير من المنفى وواقعة الاغتيال: لم تمهلني، فتركت على بابي غيمة أرملة /أسلمتني إلى مدينة مقفلة/وجنوبها البسيط من بساتين / أوباش وفسائل كراهية تراكيب مثل( غيمة أرمل، مدينة مقفلة، بساتين أوباش، فسائل كراهية)فاضحة لسطوة بؤر الموت وتواطؤات المكان المحلي فضلا عن مستويات متخلفة من الوعي الاجتماعي .ما اطر تعريفا جديدا للوطن (قاتل مثقفيه)بدلالة المنفى: ما المنفى إن لم يكن يتمي بعدك ؟ التناغم بين المعنى والشكل هناك تباين بشأن استخدام الأنماط الشعرية لنصوص الرثاء الأربعة، وفي الأشكال الكتابية لقصيدة النثر، اعتقد أن هناك صلة وشيجة بين شدة الانفعال تجاه الفواجع الأربع وما توحي به من اشتداد وقائع الموت بالتعاقب الزمني لها2004-2005-2006 وبين اختيار النمط الشعري أو الهيكل البنائي لكتابة الشعر نثرا. خزعل الماجدي استثمر في غالبية أجزاء نصه شعر التفعيلة مع أن دفقات هائلة من الحزن لم تمنع من استخدام التقفية في بعض المقاطع، إن توسعة الغناء الحزين في النص
تعمل على تفعيل تأثير المتلقي للنص باستثمار تأثره في النقمة على هذا الموت الخانق لثقافات الحب والسلام.هذا لا يمنع من أن تتداخل موجات الانفعال المؤدى بالشعر الحر نمطا مع النثر، فحينما يتوحد الماجدي مع حزن الأم على ابنها نرى مويجات النثر تستدق إلى غرفة المرثي مروان، أثاثها وأشيائه وحاسوبه الحزين أيضا،ما يعني إن الغائب إذ لا يسترد فهولا يعوض(هبطت نجوم تقطر دما في بيتنا، تدفع بيديك الناحلتين مراكب البخور فتثير رائحتها ذهب الزمان). الانتقالات من موجة الشعر إلى النثر ليست حادة وإنما ممهدة تلوح لحزن الراثي المنضبط حينا والمنفلت أحيانا أخرى، مثل هذا المقطع أدناه الذي يمثل فيه الانتقال العكسي من النثر إلى الشعر أقصى حالات الانفعال، إذ يرسو غناء الشاعر إلى (محمول الراحة في الموت) والخلاص من الم الحياة الخربة بالتماثل مع ضربات إيقاعية لأسطر شعرية تأتزر بالقافية: سأنفخ في الناي وأقول: ولدي حبيبي شمني /ولدي أرح عينيك من الم ونم /ولدي أرح قدميك من سفر ونم . وفيما استخدم خزعل الماجدي في كتابة الشعر نثر الفقرة الشعرية قليلا فان الحطاب استخدم كتابة النثر بحسب التسطير الشعري، كما استثمر السرد لإضاءة الفجيعة من دون رتوش، مع تكرار لازمة هجائية كاستعداد نفسشعري للبدء بدورة أخرى من الفجيعة: ما انتن الرجولة /حين تنفرد الرشاشات بامرأة ومع تغيير بعض المفردات في التكرارات اللاحقة فإن المفصل الهجائي للقتلة اتخذ هيكل سرد نثري مباشر، وانثالت مفردات التمثيل الهمجي في جسد الشهيدة ،أمثال التراكيب الآتية: 1 - الهواة بـ (سمكرة )الأجساد /2 - اشتغلوا بغطرسة على جسد الغزالة/3 - ثقوب الـ (دريل) : اللحم المفقود هنا وهناك هناك تمفصلات في مضامين نص الحطاب تبين بؤرتي الهجاء والغزل فضلا عن مايشكل رأس المثلث الدلالي أي الرثاء، إن رؤوس المثلث المشار إليه،لكل منها دالة ومدلول ،رأس المثلث الشاعر الراثي، ، يحرك خيوط قاعدة المثلث،دوال ومداليل،ويمكن وفق ذلك اعتبار قاعدة المثلث طرفيها الفاعلين المتناقضين المتضادين في الأفكار والأهداف والسلوك ،هما القتلة والشهيدة،اللذان يتنازعان جدلية الحضور والغياب في النص أيضا، وإذا ما كان المفصل الهجائي اتخذ طابع السرد و الرثاء مديح المرثية إلى درجة التغزل بها ،بشعرية مغايرة لهجاء قتلاها، عكس التدفق الهجائي، يتمهل الشاعرهنا كثيرا في استدراج صوره المدائحية: وماذا في رحيلك يا قديسة / عينان خضراوان/واحتاجهما الله/لإضاءة ليل الجنة فارفعي أطراف كفنك،وأنت تمشين على الماء /إني أخاف على النجوم أن تبتل نص ماجد موجد استثمر الكتابة النثرية المتصلة بصورة كلية،أي ما يسمى (العرض المكتظ)جاذبيته في كثافته، تخلق استباقا متدفقا للمعنى ويعتقد بملاءمته مسعى قصيدة النثر في (تقديم حجم مرن قابل للتغيير، وكمية متصلة من الكتابة)بحسب الناقد الفرنسي(ميشيل ساندرا)13تلك (التراكيب الدورية)في نص موجد تمنحه دفقا إيقاعيا يحيل-عكس مناسبة النص –الايقاع الانسيابي للحياة المكتظة بالتفاصيل والجواهر، أم انه إيقاع حياة من كلمات؟ على العكس من ذلك، كان النسق الطباعي للعتبة الشعرية القصيرة في نص علي عبد الأمير(ولوجا إلى سرد سيرة وذكريات نثرا) إذ استخدمت كتابة قصيدة النثر بالشكل السطري الذي يرحل اكتمال المعنى إلى سطر آخر يليه، كما إن فضاء الأسطر المتوالية يخلق مساحات صمت توحي بان الشاعر لم يقل كل شي ء بالرغم من الفاجعة ، نص عجام كان تقديما شعريا لسرد ذكريات تلاقي كتابتها شعرا صعوبات إزاء مستوى حساسية الأداء الشعري وتناقضه مع المباشرة والنثر التقريري.رثا ء الجمال أصبح دالة سرد ذكريات عن الراحل قاسم ونضاله في العهود الجمهورية المتعاقبة ،أخلاقه ،نقاؤه ،زهده،كما يجعل باب الأمل مفتوحا في نص سيري عنوانه(في رثاء الجمال...في مديح الأمل) ــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش 1.د.شوقي ضيف-الرثاء-الناشر:دار المعارف-مصر-الطبعة الرابعة:8 2.لسان العرب لابن منظور /كتاب الراء:فصل (رثى ): 1149 3.المراثي الشعرية في عصر صدر الإسلام لمقبول علي بشير النعمة:13 4.معجم مقاييس اللغة لأبي الحسين احمد بن فارس بن زكريا –الجزء الثاني/كتاب الراء:باب الراء والثاء وما يثلثهما 5.د.شوقي ضيف-الرثاء- الناشر:دار المعارف-مصر- الطبعة الرابعة:20 6.م.ن :77 7.قصيدة (أنشودة بلقيس)للشاعر الراحل نزار قباني – المصدر ؛شبكة الانترنت 8.حاتم الصكر-كتابة الذات/دراسة في وقائعية الشعر-دار الشروق -للنشر والتوزيع ط1-1994: 27 9.نشرت القصيدة في جريدة –المدى بتأريخ28-1-2009 10.جواد الحطاب-المجموعة الشعرية الأخيرة(إكليل موسيقى على جثة البيانو) 11.ماجد موجد ـ القصيدة ضمن مخطوطة شعرية للشاعر 12.علي عبد الامير عجام –نشرت القصيدة في جريدة المدى بتاريخ23-5-2005 13.ميشيل ساندرا-قراءة في قصيدة النثر:د. زهير مجيد مغامس-الناشر:وزارة الثقافة والسياحة-2004-ط1: 110



المشاركة السابقة : المشاركة التالية