جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


«تسابيح الخيول»وجماليات التجاوز والمغايرة


أنور عبد العزيز
القاص والروائي سالم صالح سلطان... صدر له (إكليل الملك) مجموعة قصصية عن اتحاد  أدباء نينوى ، 1996 و (الأسوار البعيدة) مجموعة قصصية عن دار الشؤون الثقافية 2001 و (سكاكر البرجس) رواية عن مؤسسة الواحة للطباعة والنشر 2007 و(تسابيح الخيول) هي آخر إصداراته عن (مطبعة الأخوة) سنة 2009 وهو في سبع وسبعين صفحة وبحجم متوسط ضمّ مائة وستة عشر نصّاً وبإهداء قال فيه: (اقتصّ من ضوع صباي وأعتمر نبضي ... تبعني على ظهر رصاصة ... بين القناطر وشفاه الكورنيش ، وعند لحدي الأخير سلب نصوصي هديّة له) ... وفي (توطئة) للنصوص كتب: (لم تهدأ هذه النصوص طوال نموّها ... فرّت هاربة تبحث عن نقطة ضوء في عتمة ليل ، وعن حزن فاختة لم يخب نشيدها ، تجوّلت في فضاء المدينة ... سرّها الثور المجنّح في طوافه بجناح واحد ... شاركت دعاء أرملة عند تل (النبي يونس)... تطايرت أوراقها من انفجار قنبلة ذات مرّة ، ومرّة ألقيتها في القمامة لأخلّصها من المداهمات (ص6)... وقبل أن نلج لتسابيح خيوله أحبّ أن يرصّعها بلؤلؤة لهنري ميشو تقول:((في غياب الشمس تعلّم أن تنضج في الجليد))...
هي ليست قصصاً ولا (ق. ق. ج.) ولا قصائد نثر أو صوراً قلمية أو لوحات شعر ، لذا كان كاتبها حذراً جداً متوجساً من إخضاعها لأية هويّة أو تجنيس أدبي أو خواطر ، رغم ان بعضها كان ينفلت من هيمنة قلمه ليقترب من ملامح هذا التجنيس أو ذاك ، ولكنها مع ذلك ظلت مزيجاً يصعب تصفيته لأصول محددة مرسومة واضحة باسمائها وهوياتها ... وقد بدا لي باصراره وحمحمات خيوله الجامحة أنه لحريص على أن تظل هكذا عارية من أي اسم او عنوان دافعاً اشكالية الحكم عليها بتسميتها " (نصوص) ليظهر فيه اعتزازه بما كتبه وفعله...
والى هذا أشار الناقد الدكتور جاسم خلف الياس في مقدمته عندما قال: يسعى القاص سالم صالح في اشتغالاته السردية الى التجاوز والمغايرة فحاول ان يقدّم نصاً مراوغاً في تنويعاته التي تقرّب تجربته من مغادرة المنمّط ، كونها احتوت على مغامرة في الاشتراطات الفنية لمثل هذه النصوص المغامرة فضلاً عن تقاناتها والرؤية المتجددة التي تطرحها ... ان التداخل الاجناسي في مثل هذه النصوص علامة فارقة للتقاطع مع اشتغالاته السردية السابقة فكانت القصة القصيرة جداً أو قصيدة النثر وقصيدة الوقيعة وقصيدة الومضة والتشكيل الصوري والحوار المسرحي والمشهد السينمائي وغيرها من تداخلات نصية متعددة ... ص3.
واذا كان الكاتب – رغم اعتزازه بكل نصوصه – ان يختار منها لذائقته النقدية ، فان سالم صالح سلطان قد انحاز لمقطوعات ربما قصد منها التنبيه لذائقته ، لذا فقد ميّزها بوضعها على الغلاف الاخير وبما يسهّل الفات النظر اليها : (( عندما تمطر في الموصل تشتعل الذكريات في رأسه ، يمشي بين ابوابها كالمجنون ، يخوض بين شوارعها كالصغار ، وفي نهاية ربيع خلا خرج أصلع فلم يشتعل رأسه، ينتظر زورقاً يقلّه الى الجانب الايسر بلا عجوز انهت في الامس آخر أيام العمر معه!)) ويزيد ((هرب من سيل حجاراتهم ، ثم دخل المقبرة . بنى تماثيل من تراب ، وأمر الشواهد أن تنحني لسلطانه ، واستحضر البخور المنبعثة من أماكن سرّية أن تطرد جنّ الحياة من مملكة اعماقه...)) ثم يضيف: ((كان حاجبه ينزف من الجولات التسعة في العاشرة فاز  الجرح عليه ...)).
في طواف لذيذ لي – أنا القارئ – مع حمحمات خيوله وتسابيحها وصدى أصواتها الصافية البهية الأنيسة الهادئة حيناً والمتمرّدة الصاخبة في أغلب الاحيان حين تبلغ اقسى حالات الرفض والشراسة والانفلات او البالغ حدّ التمزّق والجنون واثارة الضجيج والصخب في اقوال تستحيل لأفعال تبدو مقاتلة في حركاته ونواياها... فيض من مواقف واشكاليات ومواجع وأحزان أليمة ... فيوض من حالات نفسية وعقلية واجتماعية بمواجهة غير عادلة مع عالم وحشي كارِه ومعادٍ – في غالبيته – لحرية الانسان رافضاً ومشوّهاً لمشاعر الحبّ والقلب ، ساخطاً وساخراً من ألوان جماليات الحياة ، مستنيماً بكآبة العتمة ضد ألق وفرح الضوء ولكل ما هو مشرق وبهيّ في دنيا الناس ولهذا فلا غرابة أن نجد في نتاجات الكثير من الأدباء – وخاصة الشباب – في الشعر والقصة والرواية وفي كل الوان البوح من تشكيل وموسيقى مرارة الشكوى واحباطات اليأس مما يقترب بها لحدّ الاحساس بالفجيعة وضمور واختناق صوت الامل واندحاره وصولاً لحالة موته التي هي أقسى ما يواجهه إنسان ...
في قراءة تعتزّ وتحتفي بكل نصوص (تسابيح الخيول) خاصة فيها ما يعبّر عن الوجع الانساني الذي لم يكن ابداً حالة خاصة بالكاتب ، بل هو بوح يلتقي بأشدّ حالات الالم وكارثية ما يتعرض له الانسان العراقي وكثير من بلدان العالم التائهة الضائعة وبخصوصية البلدان العربية من ضياع للقيم النبيلة وتخبّط في البحث عن معاني الوجود الانساني في أبسط استحقاقاته ومتطلباته المادية والروحية...
في (توكّؤْ) يقول: (( في قلبي غصنان ، واحد من قطرة يخضّر ويورق ، والثاني كلما سقيته خضّبه اليباس ، وبينهما روحي عرجاء ، كلما طالت خطوة قصرت الأخرى))... ((في عيد الحب)) مارست قططي عشقها المسعور حتى ساعات الفجر ... (لاذ المجنون بمزبلة هرباً من حجارة الصبية ، قدم مخمور يترنّح ، تأمله منتشياً وبال جواره . خطوات وسقط مغشياً عليه . عاد الصبية الى المزبلة وعاودوا ضرب المجنون بالحجارة ، لكنهم لم يكترثوا للنائم في مملكتها))...
وفي (شك) نستمع لهذا الحوار: ((كان وزوجته أمام التلفاز . ينظران الناس وهم يحتفلون بعيد الحب لا تعرف مَن يرقص مع مَن؟ اعتذر لزوجته نسيانه هديتها ، فردّت نافرة الى غرفة نومهم : ربما منحتها لحبيبة جديدة)) ويصف حالة يتم (عبرها اليمّ بمجذاف واحد . تجولنا في جزر الجوع . غرباء لا نمتلك سوى أرغفة من حب وصبر ويقين كسبناه ناطحة احلام ترتفع بنا نحو ا ل ح ض ي ض)...
ومن حكميات القول واستبطان المخفي الذي  لا يدركه الآخرون (رآها تجلس في الظلمة ، قال لها: أخرجي الى النور . قالت: أنا فيه أكثر منك ) وعن السياسي ودوره ومهمّاته (السياسي هو من يعلمك صنع الحلوى في حين أنك مصاب بالسكري) وفي ارتداد للماضي وعن العتمة والحضور الاعمى (حرقة ندم تغتال أنفاسي . رماد السنين ينتثر غباره حولي ... اصابعي تقرض اسنانها ، آه لو رجع الماضي وزفر هذا الحضور الاعمى) وفي الرفقة الحميمة المطلوبة في التعامل مع الكتب (الكتاب يجادلك بلا صراخ لتسمعه بلا مقاطعة) ومن حكميات الزمان: (الزمن شيخ تأخذ عنه الحكمة ، وعندما تصبح حكيماً تدرك أن زمنك قد تلاشى).. وفي توبة) وبلغة شعرية (قلّمت نظراتي وغسلت دبق الاحلام . اتوضأ في صمتي ، تصلّي اصابعي في نومها بحثاً عن سماء الأبدية) و (سماويات)  ايضاً من فصيلة الشعر: (( لا ينزع القمر كفنه البهيّ ، ولا تكفّ النجوم عن عرسها السماوي ، وحدها الروح في غمامها ، تنسل نشوة من بصيص نجمة ... ومن طلّة هلال يولد فجر))...
وفي حالة (اشباع): عمليات التجميل أفرغت جيوب الرجال ، لكنها ملأت عيونهم لأن كل النساء أصبحن امرأة واحدة) ... وفي تعبير تراجيدي عن اختناق الانسان وموته حتى في فصل الحياة: (يا دافني توقف ! لا ترصّ الالواح على لحدي ، ارفع يديك واخرج ، ولا تجعلهم يهيلون التراب ، فالشمس ما زالت تتنفس في لحدي ، دعني أتحرر من طوق الكفن ، فانا مسجون منذ أول قماط متهرئ ، أجهل ما ارادت بي الحياة ، أضاعني مفتاح بيتي وأرق ليلي...)
هي الشكوى من عبثية الوجود وحيرة الانسان أمام ألف سؤال مغرق بالعتمة واللامعقول والانتظار الخائب ولو لبصيص شحيح في آخر الانفاق المظلمة السوداء ... وعن حالة التعب والصراع واليأس والخواء (أوصيت ولدي أن يضع لي وسادة ترابية ملساء تريح راسي من احلام العنف التي عشتها في عصري الصاخب) ، وعندما يتحدث عن صبر العمر والخلاص (اربع واربعون سنة ومعولي يضرب في حجارة الجبل . للآن لم أعثر على الكهف الذي ترهبت فيه كائنات صبري ) وعن (الثرثرة) ويبدو ان هذا الاتهام ليس محدوداً بل لكل نساء الارض – فالشكوى واتهام النساء عموماً بالثرثرة هي حالة رائجة ... لا ادري هل نعفي الاف الاف الرجال منها تحزّباً وتعصّباً للرجولة ، ثم ألا يمكن القول أو الحكم بانها عادة من عادات الشرق ووسيلة بائسة ملحاحة في اقناع المقابل وكبت حريته وقهره وقمعه لمجرد احساس بلذة انتصار موهومة وبشعور متعالٍ بالسيطرة عليه ولو برذاذ عقيم متزاحم متطاير من كلمات وحجج وادانات متكلفة مصنوعة وملفقة وغالباً ما تكون باصوات عالية متشنجة ...
(النفق الوحيد الذي تخرج منه زوجتي مغتبطة هو رأسي المسكين) ... ولا ينسى الكاتب محنة الفقراء باحلامهم السرابية (احلام الفقير سراب يسعد له كلما كبر)... وفي حالة تراجع مرّ عن كل امل (يدا صوتي مغلولتان ، صندوق قلبي حبيس جُبّ ، على مضض تركت لروحي مقبرة الانتظار) ومن غياب الامان وقلق الاتي المجهول (سارمي افكاري في النهر ، واعود الى المنزل بلا هاجس ان تخترقني رصاصة جديدة)... في آخر (رمية) من هذا المطبوع المترف بنصوصه (سأهدي احلامي الى الهواء. بالتأكيد من يلتقطها سيكتشف بانها قبلة حميمة...
هذه (المقطّعات) أو (السونيتات) أو (الانثيالات) أو (النصوص) – سمّها ما شئت-  عالج فيها الكاتب موضوعات شتى: سياسية واجتماعية واقتصادية فكرية وعقلية ونفسية وروحية ومن نبض مشاعر انسانية حسية ورومانسية ومن ذاتية متقدة ضاجّة ضجرة لما يراه من حالات أغلبها عيوب وخلل واضطراب وضياع أو من حالات مؤنسة رقيقة عذبة ... في كل الحالات عالجت الـ (116) بتلاوين نصوصها مشاعر ذاتية ، ولكنني لم أجد في غالبيتها وحدانية وخصوصية هذه (الذاتيات) بل كانت في اغلبها مما ينعكس على ذوات الآخرين بكل حميميات وحنان الكاتب تجاه الآخرين وبكل ما يؤكد ويوثق شهادته على عصره وناس وطنه ... وهذا مما يؤكد ايضاً ان مقولة (الذاتية) والمفهوم الضيّق لتفسيرها والاتهام الجائر لها بانها (منغلقة) لم يعد لها ما يبرره أو يقنع الآخرين – نقدياً أو قرائياً – ما دامت تتمتع بوشائج التواصل مع الآخرين وبصدى قدرتها المؤثرة في القلوب والضمائر والعقول ... ولنا فيما قرأناه في (تسابيح الخيول) ونصوص كثيرة لآخرين ما يجعلنا نؤكد مطمئنين : ألا شيء في الأدب اسمه (ذاتي) ما دامت قد حققت وتحقق لقراء كثيرين هدفي كل قراءة جادة واعية وهما الفائدة الثقافية والمتعة الروحية...



المشاركة السابقة : المشاركة التالية