جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


الوعي - اللاوعي - الكتابة


أمجد نجم الزيدي
تعتبر ثنائية الوعي Consciousness واللاوعيUnconsciousness من أهم الاكتشافات التي رافقت الثورة الفكرية والثقافية ضد المنظومة الحداثية، المبنية والمتمركزة حول الذات والوعي والعقل، لتبدد أطروحة سيجموند فرويد (اللاوعيUnconsciousness) غرور  البشرية التي تمترست إلى أزمان طويلة خلف مقولة العقل الواعي وحضور الذات، لذلك تعتبر من الأطروحات المهمة في تاريخية الفكر الإنساني.
في مقالة منشورة في جريدة تاتو العدد 15 للشاعر محمود النمر بعنوان (الكتابة في الوعي أم اللاوعي) يحاول فيها الكاتب أن يقدم رؤية لمفهومي الوعي / اللاوعي في الكتابة الشعرية ، ورغم أهمية السؤال الذي يطرحه في عنونة المقالة بيد إن المعالجة جاءت غائمة ومضطربة في بعض الأحيان،  وذلك لأنها لم تنطلق من أساس منهجي واضح وانما اعتمدت على حدوسات الكاتب، والحدس في العملية النقدية بتعبير  سعيد بنكراد  ( أعمى، لأنه فكر لا يسنده  فكر سابق، لذلك لا وجود لقراءة "عفوية" تستند إلى حدوس لا معرفية من أجل إنتاج معرفة، فهذا أمر غاية في الغرابة، ولا يمكن ان يسمى نقدا) ، ولندخل إلى المقال مستعينين بالعنوان كشافا يدلنا على ما يروم الكاتب من طرحه، إذ ينقسم العنوان إلى فضائين  وهما فضاء الكتابة بالمقابلة مع فضائي الوعي واللاوعي كطرفي عملية المفاضلة، ويحيلنا هذه التقابل الى الأطروحة التفكيكة ومعالجتها لمفهومي التمركز المنطقي، وحضور الذات / الوعي، وتقويض المفهوم التقليدي للكتابة باعتبارها وعاءا جامعا للفظ، لكن المقولات التي يبني عليها (النمر) افتراضاته / حدوسه، لا تنتمي إلى المدرسة التفكيكية أو البنيوية أو أحدى المدارس المعروفة الأخرى، فهو يقول (أيهما أبلغ [ أي الوعي واللاوعي] في بلوغ ذروة الوعي المعرفي الناتج بالاتصال بلحظة الكتابة)، ونفهم من خلال هذه العبارة بأن هناك حضورا مشبعا لحالة الوعي، ولا يمكن للاوعي الحضور الا من خلال كونه مفهوماً متعالياً لذلك الوعي أو الذات أو التلفظ، والذي يعتبر الكتابة وعاءا له، أو( شيء تتنكر به)، بما يتوافق مع الأطروحة البنيوية متمثلة بطروحات اللساني فريدنان دي سوسير، لكنه قد جمع الوعي واللاوعي في كفه واحدة في التسابق لبلوغ الوعي المعرفي المقترن بلحظة الكتابة، وهنا حقيقة أرباك كبير، لأنه  جعل الحضور والغياب كليهما متساويين في إمكانية تحقيق الحضور، في الكتابة التي هي عند البنيويين غيابا وعند التفكيكيين حضورا. ويضيف (وهذا ما نريد أن نصل إليه املين أن نصدم درجة حافة اللاوعي في سلم الوعي المستدرك والبلوغ إلى الهدف الأسمى)، ولا اعلم إلى الآن ما يريد الكاتب الوصول إليه أو هدفه الأسمى، ولكن ما يهمني هي عبارة (نصدم درجة حافة اللاوعي في سلم الوعي المستدرك) فما المقصود منها وكيف يصدم الكاتب (درجة حافة) اللاوعي؟! الذي يدرجها في سلم الوعي، الذي كان عنده قبل قليل يمثل الحضور، أو هو حالة حضور الذات أمام نفسها، بينما هنا يقرنها بالغياب، من خلال الاستدراك الذي هو فعل استحضار لغياب.
يبني الكاتب مقالته على مجموعة من الأسئلة منها: (أين تكمن ذروة الوعي في حافة اللاوعي؟) ولم أجد في مقالة الكاتب أي إجابة محددة وصريحة لهذا السؤال، غير انه اكتفى بعد هذا السؤال بعبارات عائمة لا تمت لموضوعه أو هذا السؤال بأي صلة، (في فضاءات تكاد تكون منفلتة من واقع بحجم فكرة الطرح الواعي وعدم إيصاله إلى ذروة الكتابة فوق سحابة طافية في فضاء الكتابة الفسيح)، وإذا كان يقصد بأن ذروة الوعي هي ذروة الكتابة، فهو ينفيها بنفس عبارته، وفيها أيضا خلل استراتيجي متمثل بفهم الكاتب للوعي والكتابة، وانتماءاتهما المنهجية.. وهو الخلل الذي يقع فيه الكاتب على طول المقالة. ثم  إن هناك في هذه الفقرة طرحا غامضا عن علاقة الفن التشكيلي بالشعر، والتي يعتبرها الكاتب حالة متفردة يتفرد بها الشعر عن الأجناس الإبداعية الأخرى، ونحن إذ نتفق مع الكاتب بوجود تلك العلاقة، بيد أن ما نشير إليه هنا هو غموض الطرح الذي خيم على كلمات الكاتب، وأيضا قصده بعبارة (الانطلاق في فن الوتر الشعري في فن القطعة الموسيقية التي اعتمدت في انزياحاتها على سلم التركيب اللغوي للشعر وخاصة على إيقاعات البحور الشعرية المتكئة بكامل قامتها على التخييل في الصورة واللغة.) فما هو التركيب اللغوي للشعر؟
يتطرق الكاتب إلى مصطلح (الميتافكشن) metafiction أو ماوراء السرد أو الرواية إذ يقول (يشكل منعطفاً استراتيجياً  في فن السرد ويمثل اكتشافا في طرق الكتابة الحديثة التي تؤدي إلى منطقة "حافة اللاوعي" في السرد)، وكما هو معروف عن مصطلح ماوراء السرد أو الرواية بأنه التدخل الواعي للكاتب في عملية الكتابة الروائية، وذلك من خلال الحضور بصفته كاتبا للرواية، وذلك لكسر حالة الإيهام والتخييل التي يعيشها القارئ، أو بحسب تعبير الناقد عباس عبد جاسم (التخلي عن تقاليد الواقعية بإنشاء تعارض بين المتخيل والسرد، لخلق تضاد بين الوهم والواقع عن طريق بناء وهم روائي، والكشف عن هذا الوهم)، أي حضور الوعي داخل منظومة المتخيل التي يصنعها اللاوعي، لكسر ايهاميته. ومن الغريب أن يحاول الكاتب ربطه بالكتابة الشعرية النثرية، التي ربما من الممكن أن توجد في الكتابات السردية، بقصد أو بدون قصد من الكاتب، إذ يقول ( ففي السرد تحدث شطحات واسعة في الخيال السردي تبلغ ذروة التصورات الشعرية بحيث يمكن تقطيع تلك الجمل لتصبح من أروع ما كتب في فن القصيدة النثرية)، ونحن إذ نتفق مع الكاتب في هذا القول نستغرب ربطها بموضوعة (الميتافكشن) أو اعتبارها (بيت القصيد في بلوغ حافة اللاوعي دون أن يدركه السارد الواعي).
وأخيرا هناك الكثير مما لم أشر إليه في هذه العجالة، حتى لا أقع في هوة التكرار الممل.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية