جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


ثقافة اللغات واللغات المستهجنة


اللغة بتعريفها البسيط هي وسيلة اتصال بين شخصين الهدف منها التفاهم. ولكي يحدث التفاهم فلابد من الاشتراك في معرفة رموز هذه الوسيلة وما تحويه من معان سياقية واجتماعية وثقافية متفق عليها مسبقا. فاللغة هي منتج إنساني تراكمي وثقافي أنتجته ضرورة تواصل أهل بيئة واحدة بعضهم ببعض. وبما أن اللغةهي نتاج ثقافي تراكمي فان الثقافة تضفي بمعان خاصة على كل كلمة وكل تركيب لغوي يستخدمه أهل اللغة إضافة للمعنى القاموسي.
زينة الربيعي
العلاقة بين اللغة والثقافة ، من حيث التداخل والتشابك تأخذ سجالا فكريا وجدليا , ويتولد عنهما الكثير من المعايير التي تسهم في إغناء كل واحدة منهن لحساب الأخرى ، فاللغة تكون نتاجا وتطورا فكريا للإنسان ويحدد بها نمط تفكيره ومستوى حياته , مما يجعل تكاثر اللغات ينتج عنه كثير من أنماط التفكيرالإنساني , وهذه الأنماط الفكرية والمسافات المعرفية وتعددها سينتج عنها الكثير من تلك الصور, وهذا ما يشكل الجزء الكبير بما ندعوه بالثقافة ,كما أن الثقافة هي الأخرى لا تقف عند حد اللغة فحسب , بل تتعداها ليتشكل أمام اللغة مساحة واسعة لاستنباط الدلالات والرموز وإن المساحات التي تتقاطع فيها مفهوم اللغة مع مفهوم الثقافة كثيرة ومتشعبة ومتداخلة, حتى يصعب علينا فك كل واحدة عن الأخرى, وفي هذه الحالة يمكننا القول إن حالات التشابك هي الممرات والقنوات التي تمرر إسهامات اللغة في الثقافة وتطورها , وكذلك إسهامات الثقافة في اللغة ، فعندما يخرج مصطلح في اللغة لا بد أن تشارك الثقافة في صياغة مفرداته, وبشكل كبير على دلالات ذلك المصطلح وجوازاته وخياراته عند ذلك تتحدد فيها معايير الثقافة وفضاؤها لتختزل في ذلك المفهوم أو المصطلح ، في مجالات أخرى لا تكون اللغة أساسا في تكوين الثقافة, إلا في حالة متقدمة على ذلك المنجز الثقافي ولا يقتصر مفهوم اللغة على ما هو مكتوب ، بل على ماهو منطوق بتلك اللغة, وإن كان ذلك لا يشكل قاعدة , مما يجعلنا أن نقول أن اللغة والثقافة ولدتا من رحم التفكير الإنساني.‏ ولكن ماتحدثنا عنه كان تطوراً طبيعيا في اللغات العالمية ومن حيث الاستفادة منها في التواصل مع المجتمع..ولكن لعل عقولنا تلتفت الى ثقافة اللغات المستحدثة حاليا ثقافة التقليد الاعمى لما نسمع,فنرى هنا فتاة في المدرسة تداعب صديقتها بالقول (تؤبريني )ونجد طفلة تلعب (البيت بيوت) ولكن على الطريقة السورية وربما نجدبعض الفتية يتبارون في الشارع بمسدسات الـ(العلم دار).انها ثقافة جديدة تحمل توقيع المسلسلات التركية المدبلجة او الافلام المدبلجة ,نتحدث بجدية عن هذا الموضوع وأبعاده الحقيقية وما السبب في تراكم المفردات الهجينة في شوارعنا ومنازلنا ومقاهينا؟ هل هناك مايعيب لغتنا؟ أم صار من طبيعيات الامور ان نتجه الى خارج حدود عراقيتنا؟ لغتنا صعبة التداول... هيفاء محسن معلمة في مدرسة ابتدائية ابدت رأيها في الموضوع قائلة:(ربما السبب في ذلك ان الجيل الجديد سريع التاثر بالمحيط وهذا المحيط صار يواكب العالم والموجة الجديدة من العلمانية والتوجه الى ثقافات جديدة ولغات متنوعة فنرى ان شبابنا كثيرا مايستخدم المفردات باللغة الانكليزية على اعتبار انها لغة العالم اضافة الى ان العالم اليوم صار مفتوحاً على بعضه عن طريق السفر والانترنت والفضائيات وكل واحد من هذه العوامل تضفي لهجة ومفردة جديدة على لغتنا كما ان لغتنا العراقية الشعبية ربما صعبة بعض الشيء بالنسبة الى اللهجات الاخرى الاوضح كالسورية واللبنانية والمصرية التي توعدنا عليها كثيرا من متابعة التلفاز وباتت فئة الشباب والاطفال مقتربة اكثر من هذه اللهجات فاندمجت اللهجات وضاعت اللهجة الاصيلة. السبب الرئيسي في رأيي الخاص هو انفتاح مجتمعنا وخصوصا الشباب منه على ثقافات الشعوب الاخرى وتتأثر هذه الشريحة بما تراه من افلام ومسلسلات مدبلجة مما أدى الى تداخل وتراكم هذه المفردات الهجينة والتي ان استخدمت بطريقة صحيحة فلا ضير منها ولكن يمكن ان تكون ذات اثار سلبية على مجتمعنا ,هذا كان رأي المهندس محمد وحيد وعن لغتنا العامية قال:- واما لغتنا فليس هناك مايعيبها فهي لغة اصيلة ويجب ان نحافظ على اساسياتها فهي هوية عراقية لكل مواطن عراقي. الاستعمار سبب رئيسي في تراكم اللغات الهجينة:- المفردات الهجينة لا يخص مسألة تقليد المسلسلات فقط وانما تتوسع دائرة النقاش الى كثرة اللغات المستعربة ويرجع سببها الى الاستعمار الواسع على صعيد الوطن العربي ككل وليس العراق فقط هذا كان رأي الدكتورة صبا عبد الرحمن حيث أردفت قائلة:-تراكمت المفردات الهجينة ليس في شوارعنا فحسب وانما في الشارع العربي والسبب (الاستعمار)بشكله الحديث وانتشار ثقافة الانترنت وقلة الثقافة في مجتمعنا والموضوع ليس مرتبطاً بالاصالة وانما متعلق غالب الامر بالحروب والحرمان الامور التي ادت الى تردي الحالة الاجتماعية والثقافية فأصبح اي شيء دخيل على ثقافتنا هو جميل واصبح التمسك بالاصالة والتراث نوعاً من التخلف. حوراء ابراهيم طالبة في كلية العلوم السياسية تعتقد ان السبب هو الجهل وضعف الاعلام العراقي ,فانفتاح الشعب العراقي الجديد على الثقافات الاخرى اوحى للبعض بأن التطور هو تطور الأبنية والشوارع والملابس وان الحريات الشخصية في كل شيء دون التقيد بالعادات والتقاليد كما في مجتمعنا ولان الاعلام عندنا لايأخذ دوره الحقيقي في ايصال فكرة ان الشعوب تتقدم مع احترام النظام والالتزام به ,كل هذا ولد عند الكثيرين وخاصة الشباب فكرة تقليد الشعوب الاخرى وفي كل شيء ومن ضمنها اللغات بغية الوصول الى (مستوى الرقي والتطور)الذي يتمناه الجميع. ثقافة الاغاني الهابطة وتقليدالمسلسلات المدبلجة ثقافة لاتليق بشعب صنع الحضارات منذ اقدم العصور .وتضيف دكتورة الاسنان وسن محمد:-ليس هناك مايعيب لغتنا الاصيلة وانما السبب قلة ثقافة المجتمع وانتشار الجهل وانتشار لغة الانترنت ونلمس هذه الحالة في طبقة الشباب والمراهقين فقط وهناك سبب اخر هو قلة الرقابة على مايعرض في قنواتنا الفضائية وماينتشر بالاسواق السبب الذي يساعد على نشر المصطلحات والمفردات الواطئة التي لاترقى بمستوى شعبنا. ومما لاشك فيه ان الظروف التي عاشها البلد والتي اجبرت الكثير من العوائل العراقية على السفر والهجرة الى الدول العربية والمكوث فيها فترات طويلة هذا الامر أدى بشكل او بأخر الى تأثر ألسنتهم بمفردات الدولة الماكثين فيها.. ولنصر شاكر (محلل في مختبر طبي) رأي في هذا الموضوع حيث يضع الموضوع على كاهل النظام السابق حيث يقول:ان السبب في ذلك يعود الى سرعة تأثر مجتمعنا وحبه لتقليد الغير وذلك بسبب الظلم الذي تعرض له من قبل النظام السابق ونظرة الشعوب الى العراقي على انه اقل من المستوى المستوى المطلوب فأخذ بعض المواطنين يخفون عراقيتهم ,واعتقادا منهم ان استخدام المفردات الهجينة قد يزيد من قيمتهم فترى البعض حين يسافر يتحدث بلغة الدولة الاخرى وحين تسأله عن السبب يجيب بالقول انني تعودت بفعل اقامتي الطويلة ولان هذه اللغة اسهل مع العلم ان اللهجة العراقية سهلة وغير متكلفة. براق تجلس على التلفاز لتتابع المسلسلات التركية بشغف كبير متناسية ماحولها حين دونت من مستعمرتها التركية السورية قالت لي (شو بعمل بحبون كتير ) لاأعلم مالسبب وراء هذا الحب الجارف لهذه المسلسلات وهذه اللغة . الموضوع موضوع فني برأيي حاورنا انيس العيساوي الشاعرالشعبي والتدريسي في احدى المدارس وأضاف:-ان تأثر الفن هو الذي غير الثقافات واثر على اللغة مثال على ذلك لاتوجد دراما عراقية تتكلم عن الواقع العراقي بشكل صحيح بحذافيره ومنها اللهجة حيث تكون مختلطة وحين تراجع السيناريو لاتجد اللهجة عراقية بحتة وانما تحمل مفردات مهجنة.وتطرق الى موضوع اخر هو موضوع تأثر الحوزة العلمية ورجال الدين باللهجة الايرانية حيث يعمدون الى تقليد اللكنة الايرانية اثناء القاء محاضراتهم والسبب في هذا برأيي الخاص هو اننا لانملك ثقافة التصدير وانما نملك ثقافة التقليد الاعمى فقط وذلك لعدم وجود مايعبر عن المجتمع بشكل صحيح. الدكتور احمد الياسري استاذ اللغة يذكر ان الايمان الحقيقي باللغة مفقود عند اغلب الالسن المتحدثة في شوارعنا ,حيث اردف قائلا:- اللغة او اللهجة ايا كانت تكمن في مقدرة الانسان عن التعبير عنها بشكلها الصحيح,فاللغة هي اهم انجاز حققه البشر في التاريخ ولغة الفرد انعكاس لطريقة عيشه ومستوى تفكيره وعمق أحاسيسه.وعندما نعرف ان اللغة ليست مهارة طبيعية وانما مكتسبة سنجد التعليل لكل مانسمعه من دخيلات الجمل على مسامعنا واكد الدكتور احمد على أهمية البيئة اللغوية المبكرة للطفل وأثرها في تكوينه الفكري والنفسي. ويؤكد أيضا أهمية اعتبار الطفل في مجال استعماله اللغة فردا له من الخصائص الجسمية والعقلية والنفسية ما يميزه على أقرانه، ليس فقط عندما يبدأ تعليمه المدرسي الابتدائي، ولكن أيضا في سنوات تعليمه المتقدمة. ولنا أن نتوقع مواقف مختلفة من اللغة بين الأطفال نظرا إلى اختلاف بيئاتهم اللغوية فالأطفال يختلفون في اهتماماتهم بالكلمات، وفي معرفتهم للكتب والمجلات، وفي إلمامهم بالقصص المخصصة للصغار.والتركيز على المفردات القواعدية البحتة الجامدة في المناهج المدرسية للأطفال لايؤدي الى تكامل اللغة لديه، بل هو يسهم بما يسببه من ضجر في اكتساب مواقف عدائية من المدرسة ومن العملية التعليمية برمتها. إذن، لغة الطفل وحاجاته التعليمية في مجال اللغة هي مسألة فردية في المقام الأول. المثير للغرابة بالموضوع عندما تدبلج المسلسل التركي باللهجة العراقية تؤدي الى نفور العوائل منها.نحن امام مشكلة ربما تتفاقم مع الوقت لانريد ان نقول ان المسلسل التركي هو المشكلة او الدبلجة السورية فنحن لانكره الانفتاح والاطلاع على ثقافات ولغات الشعوب مشكلتنا الهوية العراقية التي تتلاشى يوما بعد يوم في ظل التطور والتوسع الحاصل في البلد ان صح التعبير واسميناه تطورا. لاتطور يحدث بدون ثقافة ولاثقافة تقوم على أسس لغوية هشة لنحافظ على عراقيتنا ولنفتخر بجذورنا لنستطيع ان نسمع يوما لسانا اجنبياً ينطق باللغة العراقية.º



المشاركة السابقة : المشاركة التالية