جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


أوهام حرية الذات الراحل فؤاد التكرلي في عمله الأول (بصقة في وجه الحياة)


باقر صاحب

1

هل تتواءم الشجاعة مع اللعنة ؟صفتان لهما بعدان أخلاقيان،  الروائي الراحل  فؤاد التكرلي في روايته (بصقة في وجه الحياة )كتب مقدمة شجاعة لنص ملعون، لعنة متلبسة دلالات المتن الروائي ومقدمة نثرت كل ظروف ودلالات هذا العمل . في (مقدمة لنص ملعون )يعترف التكرلي ان هذه الرواية التي كتبها في العام 1948 ،وهو لم يزل طالبا في كلية الحقوق العراقية –المرحلة الثالثة (ثمرة فجة قطفت قبل اوانها)  ولكن هذا القطاف له مايبرره، التكرلي  كان بحاجة الى  الكتابة كي يستعيد توازنه الشخصي، في ظروف مضطربة بالنسبة للحياة السياسية في البلد ، حيث نقل لنا في مقدمته صورة عن الاحتجاجات الشعبية العارمة آنذاك، ضد النظام الملكي ،وكذلك الظروف الذاتية، حيث اعترف التكرلي انه كان طالبا يعيش في حالة من العوز والحرمان على المستوى المادي (المأكل،المشرب، الملبس )ومن ثم الحرمان الجنسي ايضا .
مقدمة تعيننا في قراءة نص اسماه كاتبه (نصا ملعونا) وقبل المقدمة تنصيص من الكاتب واخر من هنري ميللر ،يشكلان إشارات مضيئة لتلك اللعنة والجرأة في نص يتناول زنا المحارم ،يكشف تناقضات ،وعتمات تلك النفس الامارة بذلك النوع من الزنا،يقول التكرلي في تنصيصه الأول عن شخصيته الروائية تلك :(لوقيل عن هذا الرجل انه قذر شرير لأمكنني أن أقول جازما بل هو مخلوق شجاع ،اماوصفه بالجنون ،فذلك هو الخطأ العظيم الذي لا يغتفر )،كما ان الاقتباس عن هنري ميللريغذي إمكانية المخيلة في رسم مثل هكذا شخصية ،لكنها قد تكون أي شخص منا ،بما في ذلك الكاتب (لكنني الليلة أريد أن أفكر في رجل واحد /فرد منعزل / في رجل لا اسم له ولا وطن /في رجل احترمه لأنه لا يملك مطلقا /ما يشترك به معكم ...أنا!/أنا سأتأمل الليلة في ذلك الشيء الذي أكونه )ص6. 2 يحسب للتكرلي نشره للرواية كماهي بعد مرور أكثر من خمسين عاما( بحسب قراءتنا للطبعة الصادرة عن دار الجمل الصادرة عن دار الجمل عام 2000 )مع اعترافه في مقدمته تلك بفجاجتها الفنية وسوقيتها وركاكة لغتها، لان التكرلي أراد إضاءة دواخل مظلمة وشروراً كامنة في أعماق ذواتنا مما رفض المجتمع تصديقها، اكثر من دارس تناول ادب التكرلي اشار الى ان دراسته الحقوق ومزاولته مهنة القضاء ،جعلاه يتناول باستمرارقضايا الجرائم ومرجعياتها الاجتماعية، كما ان بطل هذه الرواية(محي) كان يعمل معاون شرطة قريب من عالم الجريمة،التي اصبحت مدونة مونولوجاته يوميات راو للفترة من 16 نيسان 1949 الى 23 نيسان 1949. نلاحظ ان بطل الرواية يبدو راويا ساردا أكثر منه راويا مشاركا يرقب العالم ويؤسس ملاحظاته ومن ثم يومياته وفقا لمراقبة سلبية لحياة أسرته من منظوره هو، ولذا يبدو بطلا لا مباليا،لايبالي حتى أين تذهب ابنتاه كل يوم حتى منتصف الليل، ويطامن ذاته بأن كونه أبا لايعني انه مسؤول عن حياة بناته حتى النهاية، التنصل من المسؤولية الاخلاقية يعد مفتتحا لكشف تدريجي عن اعماق معتمة –شريرة في ذات البطل، يغذي الكشف الملاحظة اليومية بصمت ليوميات بناته . وقد تكون هذه اللامبالاة وجها آخر لإحساس البطل بالعجز، حين يتألم متطلعا إلى وجه ابنته(فاطمة) المتعب، المرهق من السهر، عجز ولامبالاة وصمت أيضا ما جعله يشعر شعورا آخر تجاه ابنته، هو شعور آخر بالغربة عنها أوغربتها عنه، لكنه لايترك لا مبالاته من دون تساؤلات، طالما أن هناك تأكيدا على ممارسة الكتابة من قبل البطل الراوي (لماذا ادعهن ...هؤلاء الفتيات...يعملن كل هذه الأعمال الخرقاء)ص18، فان مدونته تخترق من قبل هذه التساؤلات،وهذا ما يدفعنا إلى زج مداخلة الكتابة والالتزام في قراءة هذه الرواية، إذ هو يرى أن أفضل مايفعله... الكتابة، فهي العزاء (لا ادري هل سأحرق هذه الصفحات كما أحرقت سابقتها؟) إذن هناك ممارسة على الكتابة من قبله لانعرف متى بدأت في حياته، لكن الجانب المهني الوحيد الذي ذكره في الرواية- حين كشفه جذور التطامن والسلبية في شخصيته (حين كان المفوض يدخل علي في غرفتي وعلى فمه ابتسامة كريهة، فيمد يده، خلسة كأنه يستحي ويضع النقود في زاوية معهودة من مكتبي ثم يروح يشرح القضية التي أتى من اجلها ويقترح الحل كما يريده أصحاب النقود، ثم يسكت وينتظر جوابا مني، كما انتظر هؤلاء الجوا ب،لكنني اسكت واطرق رأسي فيخرج بهدوء دون أن اعلم ماذا فهم مني وماذا هو فاعله)ص16. فان كان ذاتا واعية للحياة والمجتمع، فكيف يسمح لعائلته أن تنحدر انحدارا اخلاقبا؟وإذا كانت الكتابة تطرح تساؤلات التغيير، فلماذا يرضى بطل التكرلي بمآل عائلته،أليس التغيير يبدأ من ذواتنا ومن ثم المحيطين بنا، بل أن هناك تنصلا من المسؤولية الأبوية يغذي النظر إلى بناته الثلاث (فاطمة ،ساجدة وصبيحة ) بماهو مفارق لنظرات الأب إلى بناته،هي نظرات رجل كهل إلى بنات مراهقات. كان الأمر ليس كما تعتقد زوجته التي بدا يمقتها اشد المقت وبناته اللعوبات، يحسبنه يجهل ما يفعلن، بل كانت تتوهج في داخله تساؤلات عمّا يفعل، فهو لايعتقد انه بعمل شيئا ،بل ان هناك نوازع نفس ظلامية تتحرك في أعماقه، يحاول أن يدرأ نفسه عنها تارة، ويخلق لها التبريرات تارة أخرى،ومنها انه قرأ في الكتب أن الشهوة الجنسية عند الرجل تزداد في كهولته عما هي في شبابه، عند ذاك استذكر فشله الجنسي مرارا مع زوجته. كان يحاول الفرار من افتتانه بابنته فاطمة إلى التمعن في جمال نساء أخربات كالتي تأملها في السيارة ،وبدأ يطلق تساؤلات وجودية، منها إن لحظة الجماع بين رجل وامرأة هي مصادفة خالقة لإنسان ما على وجه الأرض، وقد تكون هذه الجميلة الماثلة أمامه يتملى جمال ساقيها كما يقول نتاج هذه المصادفات،ان البطل في ومضة تأمل بعيد يرى أن البشرية نتاج مصادفات جماع ين نساء ورجال لا تعرف ظروفها وملابساتها، أي هناك انتفاء لقانون الضرورة بل أن ليس من قانون إلا الصدفة. يحاول البطل الراوي تصريف نوازعه المظلمة الشريرة في احد المواخير الرخيصة، يعرفها في زمن سابق من حياته، ولكنه بات في مواجهة الخوف من الفشل، أحس بصغار نفسه، هرب، ما يخلق الاعتقاد من أن فشله الجنسي المتكرر، يزيد من نكوصه إلى دواخل نفسه يستكشف نزعات نفسه، وهذا الافتتان العجيب بابنته فاطمة، حتى القلم لايطاوعه(هذا القلم المتعب الذي يكاد يخشى وتأخذه رعدة من الكلمات التي تجول في ذهني )ص43. يعود إلى سكونه المميت كما يسميه البطل، إلى شغف الملاحظة،وهامش الحياة ،يرصد حركات عائلته ويخلق أحاسيس الحب والكراهية وفق هذه الملاحظات ،فاشتد مقته لزوجته ونعته لها بأقبح النعوت، وكذلك ساجدة رفيقة فاطمة الدائمة ،حين يحضر رصده لأفعالها، تحضر النعوت القبيحة لها أيضا،لا بل اكتشف أن فاطمة جبانة، تتسأل عن أي أمر كثيرا قبل أن تقدم عليه، اكتشاف هذا الأمر عزز من كراهيته لساجدة. وتدخل في سجل ملاحظاته ابنته الصغرى صبيحة، ملاحظاته على تلك الفتاة جعلته يوقن (أن الحياة بسيطة حين نعيشها بنفوس بسيطة لا تحمل شرا أو فكرة شر)ص45 اكتشف أن تلك الفتاة لاتعير أهمية لشيء، لا تخشى من الإقدام على شيء رهيب، طقس الملاحظة وفرله الإعجاب كونها أيما امرأة ممتلئة الجسم طافحة بالصحة والحيوية. يسجل قارئ الرواية على ملاحظات البطل الراوي،انه يقيم نساء عائلته بالانفصال عن كونه أبا، بل رجل غريب، تتحرك نوازعه الشهوية المحرمة أيضا، ويصاب بالدهشة والاختناق إزاء شهواته الغريبة تجاه ابنتيه، ويفر من الاستسلام لها ، لكنه يعود ليستكين لاستعداد داخلي لممارسة عمل يحيل كوابيسه حقائق، عندما تناديه صبيحة وهي في غرفة نومها مرتدية قميص نوم، متحججة بأنها تريد منه فك عقدة حمالة النهدين، روايته الكابوسية تشير إلى انه فقد اتزانه،وغاص كثيرا في مستنقع الزنا المحرم،بعد روايته مايشبه شريطا حقيقيا ،يجد نفسه في ماخور، متعجبا من نفسه كيف وصل إلى هنا ،وهل كان يمثل دور الأب الزاني في هذا المكان من دون وعي، حين تسأله العاهرة:أسكران أنت ؟ 3 ليس من العسير اكتشاف أن التكرلي في بداية كتاباته يدلق أفكاره في الذات والحياة والوجود في تأملات البطل الراوي، ومنها إن حياة يغور فيها البطل في مهاو كهذه لا تستحق أن تسمى حياة، هذه المهاوي التي تنخر ذات البطل التي تستحق أن يبصق عليها، لا يجدي التفكير في حقيقة الحياة والخطأ والصواب فيها . في الثلث الاخير من الرواية يمهد الراوي عبر سلسلة من التأملات التغيير الجديد في حياته، تأملات خلص فيها إلى الحاجة لانقلاب على الأعراف والتقاليد في علاقة الأب مع بناته، انقلاب ضروري للخلاص من مستنقع نزواته الظلامية، صار يخرج مع ابنتيه وسط استغراب من زوجته، لكنها لم تعد تكذب، لم تعد تتستر، بل تتندر وتتقول على تفوهات الناس على خروجه مع ابنتيه. ان الأوراق الأخيرة من الرواية هي تأملات ثمارها السلوك الجديد للبطل، أفكار مثل أن الحياة رديفة الجماع الجنسي، الجماع رديف اللذة، الحرية استثمار الحياة بشكل أفضل، غير أن اكبر تحد للبشر،الذين ولدوا بالمصادفة أحرارا، أن يحيوا حياة حقيقية، لا أن يتركوها نهبا للمصادفات العمياء ،ومن ثم يخلق المؤلف على لسان الراوي رباطا بين الحياة الحقيقية والحرية ،عندما يشير إلى أن هؤلاء الذين يضيعون فرص الحياة هم الأكثرية الغالبة التي تكون المجتمعات البشرية.ضياع الحياة والحقيقة والحرية مرهون بفرض الأقوياء والأغبياء معا (قيمهم المتفسخة في الحياة والدين والاجتماع ويحطمون من يحاول الخروج عنها تحطيما تاما لا رحمة فيه ولا شفقة )ص 73. إذن هذه الأفكار خلاصة تمهيدية لسلوك بطل الرواية وخروجه للسهر مع ابنتيه،متحديا العادات والتقاليد التي ينبغي النظر إليها من جديد . 4 البطل بعد تغيراته السلوكية الأخيرة،اصيح يدعو للنظر إلى الحياة بأشيائها وتفاصيلها نظرة جديدة، ولكن باله لم يخل من تلك الشهوة الجامحة تجاه ابنته، عجبا هناك مايقيد حريته، ما يجعله يبصق على وجه الحياة. هناك ما يوقظ تلك الشهوة حاضرا وماضيا،فبعد عودتهم في منتصف إحدى الليالي أشارت ساجدة إلى نظرات الشباب إلى فاطمة سرعان ما يشيح (محي)نظره عنهما ،فعلقت فاطمة : من يدري لعلهم حسبوني زوجته أرقته تلك العبارة كثيرا، إنها تلغي علاقة البنوة والأبوة بينهما، اخذ يرددها عشرات المرات ،نزل فجر اليوم التالي إلى غرفته وكتب على ورقة كبيرة تلك الجملة الفريدة. حكاية أخرى من ماضيه جعلته يشرعن مبررات مابادر إليه في نهاية الرواية، إذ بادر إلى قتلها، قتل فاطمة، بعد أن أراد إنهاء وسحق كل ما يعيق حريته الإنسانية كما يتصورها هو،حكاية من ماضيه المهني عن رجل تجاوز الخمسين من عمره، شرع بقتل زوج ابنته، بعد أن منعه الأخير من معاشرة ابنته، كان معاون شرطة وأدار تحقيقا بشأن قضية شروع في قتل بسبب زنا المحارم، أراد بكل السبل معرفة التباسات كل القضية، وهل هناك علاقة غير شرعية بين العجوز المجرم وابنته ، رفض وصمد كثيرا على ذلك الرفض. لكن الذي أدهش المحقق محي آنذاك أن المجرم كاد ينهار حين احضروا له ابنته بعد فراق ثلاثة أسابيع (بكى بكاء مرا مغطيا وجهه بكلتا يديه معترفا بكل العلاقة التي كانت بينه وبين ابنته) هذه القصة يرى فيها البطل(معنى من معاني الإنسانية الحقة وبطلا لن تدركه الأجيال) ص82. جوانح مظلمة يريد أن يشرعها إلى الضوء وان بالدم ، بصقة على وجه الحياة من دون أسف على مغادرتها اذا مست جوهره الانساني...حريته. أراد أن يغتصبها فرفضت،هي التي ارتبكت فضائح كانت مثار لغط ، يقول في نهاية الرواية(من يعلم لماذا أصبحت فاضلة تخشى الله؟حتى أنا لا اعلم ،أنا عبدها .كلا،كلا ،كلا،كل شيء الا هذا. الحرية). إذن في قتلها خلاصه من عبوديتها ، عبودية شهوة محرمة،عبودية نوازع إجرامية استبدت به نتيجة عوامل نفسية-جنسية،اجتماعية واقتصادية-أخلاقية ، تجسدت كلها في حب ابنته حبا عاطفيا وجنسيا محرما ،كأنما قتلها خلاص من ربقة كل تلك العوامل ،ومن ثم نيله حريته الافتراضية.º



المشاركة السابقة : المشاركة التالية