جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


اختفاء عن الرقيب الاجتماعي في الكلمات


قصيدة (قبلني)
للشاعرة لانا عبد الستار أنموذجاً
وجدان عبدالعزيز
كانت الأمطار كثيفة والجو ملبد بالبرد وأنا مع أوراقي أواجه الفضاء المفتوح متحررا من الجسد ، غير إني توحدت جسديا مع الريح ، فهل نحن (عاشقين لجسد توأم) أم نبقى أنا والريح في ذلك الفضاء الوهمي ، كأجساد هلامية تتعالق في الوهم في هذا الوقت تذكرت قول الشاعرة اللبنانية نادين سلامة
: ( .. الجسد يشبه الشمع الذي تذيبه نار الحب ، فيتعانق مع نفسه ، ويذوب على نفسه ، ليسري لوحة نحتها الحب ولوّحها بناره .. وكأنه جسد يحترق ، أو احترق تماما .. في هذه الحالة لايكون الجسد هو الأصل ، ولا عنصريا ولن يكون ، بل هو المفعول به دائما ، والذي تسيّره الروح والنفس والفكرة والثقافة إلى ابعد الحدود .. من أين للجسد أن يتحرك ؟ أن يذوب وحده ؟ أن يتوهج وحده؟ الجسد لولا ما حوله لكان نوعا من الكتل التي لاتتحرك رغم أهميته . لكن الانطلاق لايمكن أن يكون منه ، لكن الروح ، الحركة ، الحياة ، الحب هو الأصل وهو نقطة الانطلاق ..) ص42 دبي الثقافية من هنا وجدت نفسي مع الشاعرة لانا عبد الستار في قصيدتها (قبلني) وهي تحلق في سماء بعيدة عن الجسد ، رغم إنها تنصهر جماليا وتذوب مع رغباته ، إلا إنها تتعامل بحساسية مفرطة مع مناطقه الأكثر سخونة ، وهي تحاور الآخر بلغة منفعلة وتقف متخفية ، لتعلن عن معانيها ، وهذا يتطلب من المتلقي قلب المعادلة وبحث أطرافها بتمعن ، فالقبلة عند الشاعرة هنا لاتعني القبلة العاطفية المعتادة في انفعالات الحب ، إنما هناك توتر ما قبل وما بعد القبلة ومخلفات البحث في اتون الرغبة التي تأججت بفعل حواس الجسد المتعرضة لهزات التماس .. ويكون حديثنا عن لغة الجسد الأخرى بخلق فلسفة أكثر جرأة في طرح معاني الحياة ، بمعنى أن الشاعرة قد ضاقت ضرعا بطرح المعاني طرحا ساذجا ، فعمدت إلى لغة الجسد لتحاور هزات حواسه والاقتراب أكثر إليها .. وهي تخاطب الحبيب في القبلة : (ولتجن العليا بوخز جميل تنقّل بينهما بللهما وأغرقهما لتطفئ الحريق) فتكون أكثر تجسيدا في تصوير الجسد الحسي المتحرك بفعل نار الحب ، لعلمها اليقيني بان الجسد غير متحرك أصلا إلا إذا تواجدت عوامل محركة لهذا أي انه لايتحرك وحده وهي التقاطه بان الوجود يتحرك بفعل الحث والتأثير ، كارتباطات حتمية لحركة الكون وهو وصف طبيعي ، إما عن عاطفة الحب التي تحرك الحواس عن طريق التماس المباشر وفي شعر الشاعرة لم يحدث هذا التماس ، فكيف تحرك جسدها وطلبت المزيد من التوغل في جسد الآخر ... لنرى هذا التوغل في قولها : (سرّب نيكوتينك إليهما خدّرهما وانقلني لزمن بعيد عشته معك حيث لا تقويم ولا عقارب تدور لا سياسة مقيتة) هذا التجسيم الحسي ، قد يصدق عليه قولنا هناك اتصال حقيقي بينها وبين الآخر إلا إنها تفترض الوجود الحقيقي للحب والذي تتمناه وتبقى تعزف لحن الانتظار تقول :( لأعود معك لزمن / لا لوث فيه) وهنا قد تهيء مكان وزمان أكثر ألفة وأكثر ملاءمة كي يحدث اتصال حقيقي يحمل معنى الجمال الذي تبحث عنه الشاعرة بعيدا عن السياسة المقيتة والرقيب الاجتماعي الذي نصب نفسه بدون أي شرع أو قانون وبما ان الشعر بث وبوح نفسي يعني انه حرية مختفية في الكلمات عن الرقيب الاجتماعي .. ومن هذا المنطلق تتحدث الشاعرة : (دع لساني يلامس حافة لسانك ويمر عليه كالحرير في لعابك بقايا ويسكي تسكرني بقاياك فاعبر الزمان نلبس اللاماركات) هنا أيضا جسمت وأوغلت بهذا وتعاملت مع الثوابت والمتغيرات فالثابت عندها الحب والمتغير العواطف ومن الثوابت والمتغيرات ترشحت دوال الأولى صادقة والثانية كاذبة استخلصنا منها إن هناك مفاهيم تتوازن مع رؤى الشاعرة وتحاول التعبير عما هو ذاتي وصفة الذاتية تدعو دائما إلى الصدق والنقاء وهو ما يغلب على كتابات الشاعرات على الأعم الأغلب .. والظاهر ان الشاعرة لانا عبد الستار قد اجترحت لنفسها أسلوبا خاصا ، تعاملت بلغة الجسد وإغراءاته الحسية ، ولكنها سرعان ما تتدارك الأمر ، لتكشف عن ممرات أخرى للبحث عن المعنى ، فهي لن تذكر هذه الحسيات لأجل الإغراء ، إنما هو أسلوب ، لجر المتلقي ووضعه وسط البحث عن الأسئلة المتوالية من خلال هذه الأطروحات تقول : (قبّلني لاحيا لألملم بقاياي وارتقي سلم الهيام معك وبك لأهذي بجمال وارتوي العذوبة قبّلني لننصهر معا فنصعد نورا ثاقبا حيث السماء ننير الأرض وننظّف العالم) وتزيد في هذا من لهيب الرغبات وهي تحاول بيان المتجلي في علاقاتها مع المعنى ومن دواخل بوحها النفسي والعزف على الحان الجسد المنفعلة دوما ، يعني في كل مرة لهذه المناطق من الجسد انفعال متجدد ، وتجلي آخر ، وفي حالة الذرة صعود إلى السماء لتطهير هذه العلاقة وجعلها ألقاً سمائياً ينير الأرض ويجعل العالم على عتبات الرقي النفسي .. وبقيت الشاعرة تستدعي مزيدا من القبل ، تتحول إلى كتلة نورانية تبث كما يبث الشعر إشاراته عبر شفرات الكلمات .. *قصيدة (قبلني) للشاعرة لانا عبد الستار -تاتو العدد12º



المشاركة السابقة : المشاركة التالية