جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


نضـال القـاضـي:تقدم أوراقها لقبيلة الروائيات العربيات


شكيب كاظم
هذه الرواية الاولى لنضال القاضي، قبل ذلك قرأنا قصصا لها وشعرا، سواء ما نشرته في الصحف، او في مجاميع قصصية، فاز بعضها بجوائز مثل مجموعتها القصصية الموسومة بـ(مكان مألوف لدي) التي نالت المرتبة الثالثة في مسابقة اندية الفتيات في الشارقة عام 1999، ونشرتها دار المسار، او مجموعتها الثانية القصصية (عصفورة ادوم) الصادرة في بغداد عام 2001،
وشعرها الذي وضعته بين دفتي كتاب عنوانه (ودائع المعوّل عليه) نشرته في العام ذاته ببغداد، لذا وأنا اهم بقراءة روايتها (سيرة ظل) الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 2009، والتي يتولى قيادتها والاشراف عليها الاديب الناشر ماهر الكيالي، كنت اتوجس خيفة، من ان لا يرقى هذا العمل الروائي الى المستوى الذي يجعلك تفرح بهذا الذي تقرأ، وتزهو، لكن ما ان بدأت اجوس خلال صفحات هذه الرواية، حتى رأيت هذا التوجس، يتراجع تدريجيا حتى يكاد يختفي، ليحل محله رويدا رويدا تحفز وتشوق على مواصلة قراءة هذا العمل، واطلالة فرح ترتسم على الوجه حبورا بهذا الوليد الجديد، وان رواية جديدة، جديرة باخذ مكانها في السردية العربية، وان روائية جديدة قدمت اوراق اعتمادها لقبيلة الروائيات العربيات. رواية (سيرة ظل) للروائية العراقية المغتربة بالبرازيل، شاءت لها كاتبتها نضال القاضي ان تنهل من الواقع المعيش، وان تأخذ من التأريخ العراقي القريب، اواخر ايام الدولة العثمانية واضافت لها قسما اخيرا ليؤرخ لسنوات ما بعد عام 2003، اذ يرد ذكر القائد العسكري العثماني عاكف، وما عرف بالتاريخ بـ(دكة عاكف) الذي كان يتولى الدفاع عن مناطق الفرات الاوسط، وخاصة الحلة، وما واجه الانكليز في العشرينيات محاولا السيطرة على العراق وباءت محاولته بالفشل، كما تذكر الروائية القاضي في هامش صفحة 83، فالعثمانيون انكسروا قبل هذا التاريخ وغادروا بغداد في 11/ اذار، 1917 وانتهت الحرب خريف عام 1918، فالرواية اذ تأخذ من التأريخ القريب، ما كانت تتكئ عليه اتكاء مباشرا، بل يأتي لربط الاحداث، عفويا غير مقحم، ولأن الروائية نضال القاضي ما كانت تكتب تأريخا روائيا او رواية تاريخية فانها لجأت الى الابتعاد عن دقائق الاحداث، وعدم النقل الفوتوغرافي التأريخي لها، فهي تتحدث عن ملكة في العراق ص119، والعراق ما حكمته ملكة بل ملك، اذ تقول وهي تسرد وقائع الحرب التي خاضتها الجيوش العربية ضد قيام الدولة الصهيونية في 15/مايس/ 1948 (وكانت قوافل الفلسطينيين قد وصلت الى بغداد للتو، وبدأوا ينزلون في النوادي والمدارس ودور الاوقاف، وكان رأي الملكة في حينها ان ترفع وكالة الغوث يدها، فالمملكة اولى بهم غير ان الوقت لم يمهلها فقد سقط العرش، وتركوا على هامش الحياة منسيين تحت ذريعة الا ينسوا وطنهم) ص119 كما ان سلاح الجو البريطاني ما كان يقصف الناس في شارع الرشيد، الروائية تتلاعب بالاحداث الواقعية، لانها - كما قلت لا تكتب تأريخا بل رواية – فتأخذ من احداث ثورة العشرين، لتردفها باحداث وثبة كانون عام 1948، في نصها هذا: (ولا شك ان تلك الطيور التي تحلق وطيئا قد عرفت ذلك الزقاق من قبل تحديدا، حين اطل شمران وعهدي مرة من احدى الشرفات، ليصورا لقطات نادرة واثيرة لتلك الجموع المتظاهرة وهي تجتاز جامع الحيدر خانة ومقهى الزهاوي، باتجاه ساحة الملك فيصل الثاني، فيما سلاح الجو البريطاني يغير عليهم؛ فيتساقط العشرات تحت زخات الرصاص، وقد تجاوزت الطيور الجثامين المحمولة على الاكتاف، وقد دوى صوت الجواهري مكلوما في الحضرة الكيلانية وهو ينشد: اخي جعفر وبكى جعفر الخليلي في محل الساعاتي ناجي جواد، المقابل انذاك لساحة تلك الوثبة الباسلة) ص111 الرواية (سيرة ظل) تقترب في مواضع عدة من الواقع الحياتي المعيش حتى انها تستدعي حيوات اشخاص معروفين، فهي اذ ذكرت الجواهري الكبير وقصيدته المدوية في رثاء اخيه جعفر، كذلك الاديب الصحفي الراحل جعفر الخليلي صاحب جريدة (الهاتف) فضلا على الوجيه المثقف والاديب الانيق ناجي جواد الساعاتي، فانها لا تنسى ذكر الشاعر سلمان داود محمد، احد اعمدة قصيدة النثر في العراق، وصاحب مكتب غيوم للاعلان عند رأس شارع الرشيد من جهة الباب الشرقي، مكتب غيوم للاعلان، الذي ما اعلن شيئا وكان مثابة للأدباء والشعراء والمثقفين من بغداد ومدن العراق الاخرى، ومحطة استراحة لهم ومذاكرة وتبادل كتب، مكتب للاعلان هذا ديدن صاحبه وهواه وعشقه، من اين له ان يعلن شيئا؟!! وفيه التقيت بالروائية الشاعرة نضال القاضي لقاء سريعا وعابرا عام 1999 فضلا على استدعائه ذكر الفنانين الرائعين الراحلين: كاظم حيدر وجميل حمودي الرواية – كذلك – تنهل من الواقع المعيش والسيري الذاتي، وبغية التخلص من هذا الاقتراب الذي قد يجلب اذى للساردة، كون بعضه فضحا لحيوات اسر معروفة، مازال بعض افرادها على قيد الحياة، فانها لجأت الى الواقعية السحرية والفانتازيا لترميم سردها، وللتخلص من سرد يجلب اذى ووجع رأس، تقول الروائية: (ثم دوى المكان ثانية وثالثة، وامتلأ بشظايا تساقطت بشرا، التفت بهم ريح الليلة الباردة وانتثر الرجل، كومة الغضاريف تلك، دقيقا ناعما في الهواء لا مرئيا بعنف ومنسيا بعنف، والناس يلمون ذلك الدقيق الناعم والغبار معا في اكياس الطحين ويخبزونه، وتنقضم كسرة الخبز والعيون بالعيون والوجوه ذاهلة، الايدي على الكسرة والرؤوس لا تعرف الجهات، وبلغ الموت ارذل العمر وهو يطوف ويلكز بعكازه الصغار والكبار، حتى غدا علامة فارقة للعشرة الاخيرة من القرن، وشخصية مألوفة تزور وتتزاور؛ اذ لم يعد الموت يرهب كالسابق، بل اقسم بعضهم اغلظ الايمان انه رآه يقوده من يده مربتا عليها ويتحدث اليه مواسيا قبل وفاة طفله. آخر يقول انه يجلس كل يوم بجانبه على دكة دكانه بسيطا متواضعا، واحيانا كثيرة يبدو دقيقا وليس مؤلما ولا مخيفا كما كنا نتصور؛ فاغلبنا صار يموت بلا الم، ربما بسبب الم الـ بلا الم ذاك ارتفع صوتي فالتفت الناس ناحيتي وراحوا يتهافتون على الملاءات التي لدي حتى نفدت...) ص168 كما استخدمت الروائية نضال القاضي تقنية تيار الوعي وانثيال الافكار لربط احداث روايتها، التي تتحدث عن واقع معيش، لا تلبث ان تغادره مستدعية احداث التأريخ القريب والمعاصر. واستفادت الرواية كذلك من تقنية المخطوطة والمدونة، التي فيها تأريخ الاسرة، الذي تسرده الروائية على قرائها، تقول: (هذا ما توقعته منذ اللحظة الاولى التي تصفحت فيها المخطوطة؛ فالقسم الاعظم منها امتدادات في الماضي لا تثير كثير جدل لكن ما اربكني هو النبش نفسه في الماضي، نبش مدسوس ينجز مدونته الى جوار المدونة الام، وسط ما وجدتني اسجله بعجالة في حاشية طويلة....) ص161 و(في الحقيقة لا ادري متى بالضبط توفيت الاختان قيسة ونهاية، فتأريخ الوفاة غير واضح في المخطوطة وكرامة، منذ اكثر من مئة عام قبضة من الطين مجففة) ص191 وهذا اللون من الوان الكتابة السردية التي تتكئ على مخطوطة او مدونة كتب من خلاله العديد من الروائيين على مستوى العالم والوطن العربي والعراق، فمن استخدم المخطوطة في سرده الروائي الالباني اسماعيل كادريه في رائعته (الجسر) التي نشرتها دار الآداب اللبنانية بطبعتها الاولى عام 1994 وترجمها عفيف دمشقية، فاستخدم هذه الوثائق التي خلفها الراهب (اوكشاما) لكتابة روايته، كذلك استخدمها الروائي الكولومبي النوبلي غابرييل غارسيا ماركيز في روايته (مئة عام من العزلة) اذ استخدم في سرده ما عثر عليه في (رقاق ملكيادس) اما الروائي المغربي (سالم حميش) فيعود بنا بعيدا لينقل للقارئ نصا موغلا في القِدَم مكتوبا على رقاع من الجلد، آل بعد زمان طويل الى منصور الكرخي الذي يحاول ترميم الرقاع وأكتناه الحروف التي ضاعت معالمها، بسبب سيرورة الزمان، ثم ان الروائي سالم حميش ايغالا في التشويق والتوثيق، يوضح ان بعض كلمات الرِقاع كانت (نبطية) وهي احدى اللغات، التي كانت موجودة في الجزيرة العربية، الى جانب (اللحيانية) و(السبأية) قبل تَسَيُّد لغة قريش، بسبب نزول القرآن بها، ولقد سماها اهلوها (زهرة البكرية) لعلها من قبيلة (بكر بن وائل) العربية الموغلة في القِدَم، ثم سماها المدونون (زهرة الجاهلية) في حين استخدم المبدع العراقي الكبير والباحث الاكاديمي الدكتور محسن جاسم الموسوي في نصه الروائي الرائع (اوتار القصب) الاوراق التي كتبها الشيخ غالب والتي اودعها صندوقه العتيق المكسو بجلد قاتم مطلي بسواد يلمع من تحت الغبار مرصع بمسامير صدئة والموجودة في احدى حجرات قصر جده بالمدينة، في حين استوحى مبدعنا الكبير عبد الخالق الركابي نصه الروائي الجميل (الراووق) من ما سجله (السيد نور) في مخطوطته. الروائية نضال القاضي، ولأنها شاعرة، فقد كتبت نصها الروائي هذا بلغة عالية تقترب من لغة الشعر عالي المستوى، حتى وأنا اقرأ، استعدت نصوصا اكثر من مرة تذوقا واستمتاعا ولانها مهندسة فقد تركت الهندسة ظلا على لغتها عندما تتحدث عن الاسلام الهندسي (القاعدة مثلا) ودعواه بالتقابل ص160، ولأني اقتبست اكثر من نص، فبودي ان ادون هذا المقتبس للدلالة على لغة الرواية عالية المستوى المزدانة بالعلم والفلسفة وقراءات عميقة.. (انحنى سطيفان يلتقط ورقة نباتية وجعل ينظر اليها من خلال عدسة مكبرة، متخيلا درجة الذكريات فيها. اجوبة هي اسئلة اخرى تتعلق بالتأريخ الطبيعي وبمراحل تطور المجتمعات من همجية الى بربرية (كذا) لتنتهي بالحضارة كحقيقة لا تعدم بدورها تلك الهمجية من اجل الحفاظ على قيافة حديثة!! فاذا كان للورقة كل هذه الهسهسة، صوتها الذي يصلنا بريئا تحمله الريح الينا ونحن مشغولون بحياتنا الخاصة، اين حنجرتها اذا؟ واذا بلغت الشجرة المبلغ الهائل من التكيف للبيئة اين عقلها الذي كابد بواسطته الانسان ما كابد في صراعه مع الطبيعة (الافصح: ضد الطبيعة) حتى تكللت مكابداته بانتصار العقل حَدَّ الجنون؟ هل هو جزء من منظومة خاصة بالكائن لها استقلاليتها ام انه مخترق مما حوله، وصولا الى الكائنات المجهرية التي تحتويها قطرة الماء مثلا، ثم امسك بكأس فيها بضع قطرات، وكم كانت عيناه تبدوان مخيفتين من خلف العدسة وهو يحدق في القطرة فتساءلت: - الهذا كنت تحدق في الترعة؟ - لقد رأيتك من قبل الا تصدقين؟ اعتقد انه مثلما بوسعنا تخيل شكل الحياة القديمة من خلال الحفريات، بوسعنا تصور المستقبل ونحن نرتب في اذهاننا تلك الحيوات البعيدة..) ص137 وبعد: في موضعين من الرواية استخدمت الروائية الفعل الماضي (نَفَقَ) التي تعني الموت، اذ تقول في الصفحة 147 (وقدر لاحلامنا البسيطة ان تقايض بالتوازن الدولي وبمستقبل الصراعات في المنطقة، وقد ضرب حصار قاس اطواقه حول بغداد وسائر مدن العراق، اغتال جيلا من الاطفال ونَفَقَ خلاله كتاب وشعراء وفنانون وعمال وكسبة جوعا ومرضا..) ان الفعل نفق الذي يعني الموت للحيوان ويطلق كذلك على موت الانسان، في حين ان هناك من اللغويين مَنْ يجعله خاصا بموت الحيوان، وارى من اجل التخلص من هذا الاشكال لو استعملت الروائية بدله، فعل الموت الخاص بالانسان حصرا بعيدا عن المشترك اللفظي (نفق) كما استعملت (نسيوه) ص182 وتعني نسوه، وعلى الصفحة السابقة 181 جاء قولها: (استخدام آخر للطمة في كونها حاجز افتراضي..) وصحة العبارة كونها حاجزا افتراضيا، لأن الضمير (ها) اسم المصدر كون المرفوع وحاجزا خبرها المنصوب.º



المشاركة السابقة : المشاركة التالية