جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


كريوكراف (أنا) ثنائية الاشتراك والخصب


 حيدر الاسدي

سأقترض مفتتحاً قراءاتي هذه بمقتبس كان مدخلُ لكتاب نقدي لصديقي الناقد مقداد مسعود، والمقتبس هو( المرأة ..لا الملوك مستقبل العالم ......اراكون) . مسرحية ( أنا ) كانت رؤيا العرض للممثلين ( محمد مؤيد وشيماء جعفر ) وكيوكراف ( محمد مؤيد ) وتم عرضها في محافظة بغداد ، وهي تحت تجنيس ( دراما دانس او الرقص التعبيري) الخالي من الحوار الصوتي والكلام المنطوق  فهي حركات علاماتية غائية مشكلة بفكرة معينة ومصاحبة للموسيقى فالاشتغالات على منطقة الجسد ظاهرة جريئة ؛والرمز كما يعتبره بعض المنظرين يحاكي الفطرة وحيثما يعتقد هؤلاء أن ليس كل الحقائق تدرك بالعقل بل ثمة ما يدرك بالفطرة فصار لزاما لديهم ان يولد فنا للرمز بدلا من الإقناع المنطقي المرتب الذي يحاكي العقل في الرؤية الأخرى هذا في مستوى الفن وحسب ، ولكي نشرح صدر المشتغلون على الدراما التعبيرية .
( الجسدية) فيمكن ان ندرك من هذا قول منظري فن المسرح الحداثي انه ليس شرطا ان يكون هناك نص مكتوب لإقامة العرض المسرحي فبهذا يدحض تقولات الآخرين ؛ ولنبدأ بخلايا العرض ، فقد عرفت شيماء جعفر من خلال الشاشة الصغيرة ممثلة دراما برزت رغم قصر تجربتها في عدة إعمال وفي طليعتها ( بيت الطين ) بدور حدهن زوجة خادم قصر عجاج، العرض المسرحي انا يسبر أغوار توطيد العلاقة بين طرفي المعادلة في هذه المعمورة (الرجل = المرأة ) هذه الثنائية التي أغنت العالم في تواجدها وراحت ترسم هذا الأفق وفق سياقات تواجدهما معا ، تصوروا ان رجلا في هذا العالم يتخلى عن المرأة ماذا سيؤول حاله؟ ( أنها بستان الرجل ، يتنزه في حدائق فتنتها ويقطف من زهر غوايتها ويذوق من شجر شهوتها وينشرح لوجودها ويتمتع بمرآها ويطرب لصوتها ويتشمم أنوثتها ويستعذب رحيقها وينتشي بملامستها ويتفكه بمداعبتها ويضطجع إليها ...ويود لو استغرقها بالكلية واستهلكها حتى تفنى هي فيه او هو يفنى فيها فقوام اللذة الفناء ولهذا فالوجود بالمرأة وفيها ) ( 1) وقبل كل شيء لا بد ان نفتتح بالعنونة ( انا ) وما تعنيه في خضم احتدام الصراع المجتمعي الطبقي الفكري .( فيرى سيجموند فرويد بأن الشخصية مكونة من ثلاثة أنظمة هي الهو، والأنا، والأنا الأعلى، وأن الشخصية هي محصلة التفاعل بين هذه الأنظمة الثلاثة.ويعتبر الهو الجزء الأساسي الذي ينشأ عنه فيما بعد الأنا والأنا الأعلى. ويتضمن الهو جزئين أولهما جزء فطري: الغرائز الموروثة التي تمد الشخصية بالطاقة بما فيها الأنا والأنا الأعلى. وأخر جزء مكتسب: وهي العمليات العقلية المكبوتة التي منعها الأنا (الشعور) من الظهور..والجزء الأخر هو الأنا: والأنا كما وصفها فرويد هي شخصية المرء في أكثر حالاتها اعتدالاً بين الهو والأنا العليا، حيث تقبل بعض التصرفات من هذا وذاك، وتربطها بقيم المجتمع وقواعده، حيث من الممكن للأنا ان تقوم بإشباع بعض الغرائز التي تطلبها الهو ولكن في صورة متحضرة يتقبلها المجتمع ولا ترفضها الأنا العليا ويمثل الأنا الإدراك والتفكير والحكمة والملائمة العقلية. ويشرف الأنا على النشاط الإرادي للفرد ويعتبر الأنا مركز الشعور إلا أن كثيرا من عملياته توجد في ما قبل الشعور ،وتظهر للشعور إذا اقتضى التفكير ذلك. ويوازن الأنا بين رغبات الهو والمعارضة من الأنا الأعلى والعالم الخارجي، وإذا فشل في ذلك أصابه القلق ولجأ إلى تخفيفه عن طريق الحيل الدفاعية.والثالث الأنا الأعلى والأنا العليا كما وصفها فرويد هي شخصية المرء في صورتها الأكثر تحفظاً وعقلانية، حيث لا تتحكم في أفعاله سوى القيم الأخلاقية والمجتمعية والمبادئ، مع البعد الكامل عن جميع الأفعال الشهوانية أو الغرائزية ويمثل الأنا الأعلى الضمير، وهو يتكون مما يتعلمه الطفل من والديه ومدرسته والمجتمع من معايير أخلاقية. والأنا الأعلى مثالي وليس واقعي، ويتجه للكمال لا إلى اللذة – أي أنه يعارض الهو والأنا. ويلاحظ انه إذا استطاع الأنا أن يوازن بين الهو والأنا الأعلى والواقع عاش الفرد متوافقا ،أما إذا تغلب الهو أو الأنا الأعلى على الشخصية أدى ذلك إلى اضطرابها. وأنظمة الشخصية ليست مستقلة عن بعضها ،ويمكن وصف الهو بأنه الجانب البيولوجي للشخصية، والأنا بالجانب السيكولوجي للشخصية، والأنا الأعلى بالجانب السسيولوجى للشخصية) ( 2) وأول ما سجلت لدى رؤيتي العرض هو فاعلية اللون فالمرأة ( هي) ترتدي (الأبيض) والرجل ( هو) يرتدي السواد ،وهذه الفعالية اللونية تؤمي لمقصد هيمنة المجتمع ألذكوري الأبوي على رغبات المرأة وإسكات صوتها الوئيد في ظل هذا الخضم المتعالي من كبرياء الرجل وبما تأتت هذه من اللا وعي الجمعي الذي صار يكتسح حتى معارفنا ورؤيتنا ،فالأسود وقتامته والأبيض ونقاؤه ونصاعته ...فيقول عالم النفس اردتشام (ان تأثير اللون في الإنسان بعيد الغور) وأيضا ثمة معادلات يمكن تفكيكها من العرض ( هي تحت بمقابل هو فوق ) جدلية شائكة صورها العمل عن طبيعة السباق بين الرجل والمرأة رغم حتمية إدراك ان إنهما يسيران بخطى واحدة ولا مجال لان يحاول احدهما ان يسقط الأخر أرضاً وتحت وطأة جبورته ، وأيضا التقاط صوتها في العرض وهي ( راكعة منحنية تنصت لما يفعل الرجل ) وفق تقلباته وأهوائه التي يسكبها بكوة الفراغ ووفق مشتهياته الزمكانية التي تحد ربما من بعض الرؤى الوئيدة لدى طرف المعادلة الأخر (المرأة) وأيضا يمكن التقاط صورة أخرى من العرض . ( معزل المسافة بلحظات ما ....جدلية الاتحاد ...الافتراق ....التمكين ...الهجر ...النشوز ...والعودة للمربع الأول ...بحث احدهما عن الأخر ليكتملا...) اذن هذه المقاربة ( حميمة الجسد ) في أنا ثنائية ( الرجل والمرأة) كونها مصدر الأنوثة والخصب ...وفي صورة ثالثة يتخذها هو ( معبرا ) وتارة ترتقي هي على (جسده ) والنتيجة المنطقية لكل هذا في الختام ( عدم تخلي احدهما عن الأخر ) ( والمرأة مسكن الرجل الذي يسكن إليه يبني بها ويعمر الأرض بمشاركتها وهي تعمر قلبه بالفرح وتغمر حياته بالسعادة فان غابت سكنت مخيلته وباتت هاجسه وآل إلى حال لا يكف فيه عن استحضار طيفها والشوق إليها وترجي لقائها والخلود إلى جنتها فهي العالم الذي لم يخلد إليه...) (3) وما لاحظته ان بعض الحركات شطحت الى الحشو وملء الفراغ في سيناريو الفكرة والتشكيل الحركي ...فكل حركة لدينا تساوي معنى حتى ان العلامة رايموند برد وسل وضع علما اسماه الحركات ليدرس الإيماءات الجسدية ودلالتها لدى الأمم فلا حركات عشوائية بل هناك سياقات وإحالات خارجية تنظم تلك الحركات ...وأيضا فكرة الاضطجاع لا يسوغ لنا ان نرمز بها الى الخصوبة والتمكين سيما أن تكرارها يولد الملل فالإحالة ترفع للمرة الأولى عند سيد التأويل ( المتلقي ) وكذلك ابتكر فولد ماير هولد نظاما لحركات الجسد في المسرح اسماه ( البايو ميكانيكي) ؛ وثمة لحظات استغناء احدهم عن الأخر قالها الجسد مع الموسيقى وحضورها الفاعل كونها عامل ريادي حتى ان الانا كادت تحقق الاندماج بين الاثنين ( الانا ...الانا المقابلة ) وهي رؤية يود الإفصاح عن كينونتها معا في تشكيل منظومة العلاقات الأسرية البؤرة وقائميتها على ( الرجل + المراة ) عبر اتصال الاثنين معا في المشتركات ...فهي تساعد الرجل أحيانا في العرض وتوقفه على أقدامه بكامل وقاره ...وهذا يحفر بعلاقة تواصلية بين الاثنين لتحقيق اناهم على ضوء الاشتراك والانطلاق من هذه البؤرة ( التفاهم) ويؤدي إلى نتيجة ( أداء اشتراكي اتفاقي فكري يقارب بين الجسدين) فاتحاد الحركات بالمعية خلال العرض يتوج هذا وكان هناك حوار تحتي بين الاثنين من خلال الحركات قال كل ما تقوله موجهات الحياة بين صراع الاثنين ...ليدركهما الارتباط العضوي وبينهما ...فعلاقة الرجل علاقة فطرية تتطور بطبيعة ديناميكية المجتمع باعتبار ثمة حتمية تتوج العلاقة وفق رابط مقدس أعلى للإنماء . ( الزواج) وبعدها انطلاق الكيان نحو البناء وبناء افق جديد لطبيعة تلك العلاقات وما تكتنفه من مخللات فكرية وفق سيرورة الحياة ومتغيراتها ...فماهية الانا على انفراد الذاتية توجه لوجود أنساني متجذر فمنذ ادم كانت حواء والمسيرة تستمر ...فكل حركة داخل الخشبة هي علامة تحيل المتلقي الى واقعة مقروءة بصرياً..وفي الأنا أفصحت عدة جلديات وفككت منظومة علاقات ...علاقة الرجل بأمه ...بابنته ...بزوجته ...فكل علاقة تنظم بقوانين دينية اجتماعية عرفية ...وفق سياق البيئة الجغرافية لتعمل على تصفية منظومة العلاقات المتماهية في العرض بين الرجل والمرأة على ان يكون الأس ( الحوار ) و( الإصغاء ) ومن ثم احترام وجهة النظر المطروحة ، للخروج بالية اتفاق فالحوار يؤسس لذلك كما في قصص إلف ليلة وليلة وطريقة التناغم بين الرجل والمرأة هناك في السرد والإصغاء وهو يختلف عن الاستماع المعتاد بالية العلاقة الروتينية النمطية هذا الإصغاء المنصت يولد الخروج بنتيجة ايجابية بعد ذلك بعد ان كان السلب يعم الحالة الأولى . ( من هذا المنطلق يصغي شهريار للحكي انه يبحث عما يثبت صحة نظريته في دونية المرأة فإذا به من خلال عملية الإصغاء الدءوب وبالضبط من خلال الاستجابة المصعدة يحدث الانزياح في القصد الشهرياري يساعد شهرزاد في هذه المهمة الصعبة عدم قدرة ذاتية التلقي الشهريارية في التنبؤ ضمن سياقات او آلية ألحكي فهو متماه في الاستجابة المصعدة لو أن شهريار امتلك هذه القدرة لأجهز على شهرزاد في صبيحة الليلة الأولى..) ( 4) . والاثنان معا في العرض برزا ماهية ( اناهم ) على حدا ويصور ذلك إظهار الحركات على حد سواء وعالم المرأة الخاص ...وما يكتنفه من سرية لدى الجنس النسوي وعالم الرجال ما يكتنفه من أسلوبيات مخصصة في الجنس الواحد ( الرجالي) لتكون بعد ذلك وجودا لهما باعتبار ضرورية مشاركته أي ( الرجل ) من قبل المرأة...فقد ( كان الإنسان العربي القديم ينظر إلى المرأة بوصفها اما نظرة حياة ووجود وقد انعكست هذه الصورة – وفي مواضع لا حصر لها - ) (5) فهل يمكن أن نقول أن عرض ( أنا) أراد يحكي ما قاله شكسبير عن احتياج وحتمية وجود الرجل والمرأة جنبا إلى جنب حيث أشار بقوله عن المرأة (كوكب يستنير به الرجل، ومن غيرها يبيت الرجل في الظلام). º (1) الحب والفناء ( علي حرب) (2) من نظريات سيجموند فرويد النفسية (3) الحب والفناء (علي حرب ) ( 4) الإذن العصية واللسان المقطوع – مقداد مسعود (5) ملامح الرمز في الغزل العربي القديم - ( ا.د.حسن جبار محمد شمسي )



المشاركة السابقة : المشاركة التالية