جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


أنكتب تاريخا ام رواية ؟


شكيب كاظم
مساء الاحد الثامن والعشرون من شهر كانون الثاني من العام الاول بعد الالفين، ولدى حضورنا وقائع الجلسة الختامية لمهرجان الشعر الشعبي الثاني والعشرين المقام لمناسبة عقد مؤتمر الادباء والكتاب العرب، على اروقة فندق بابل في منطقة الكرادة الشرقية ببغداد، الذي القت فيه الشاعرة السورية الرقيقة فادية غيبور قصيدة جميلة، تعرفنا على الكاتبة والروائية السورية الدكتورة ناديا خوست، كنا مجموعة من الادباء العراقيين: الدكتور شجاع مسلم العاني، الناقد والقاص جاسم عاصي، القاص والروائي حنون مجيد، الكاتب مؤيد داود البصام، القاص سلمان شهيب، فاهدتنا – معتذرة – ان بقيت اخر نسخة لديها من روايتها الموسومة بـ(شهداء وعشاق من بلاد الشام) الصادر جزؤها الثاني في ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب عام 2000، قرأها من قرأها من الزملاء ثم آلت الي...
الرواية هذه، تقترب من التأريخ، لا بل تنهل منه وتتكئ عليه في عملية السرد الروائي، الذي اقامته الروائية ناديا خوست على كاهل السارد المركزي، الذي تراه مواكبا للاحداث، منتقلا من مكان لآخر لكنه لم يبارح بلاد الشام، بادئا منذ ارهاصات الحرب العالمية الاولى التي ورط الاتحاديون الدولة العثمانية فيها، الاتحاديون من جماعة حزب الاتحاد والترقي الذي وثب على السلطة وقيد سلطات السلطان عبد الحميد، وكانت لهم علاقات واسعة بيهود الدونمة، الذين ابعدوا مع مسلمي الاندلس، بعد سقوطها وانهاء الحكم العربي فيها عام 1298، حتى ليمكن عد الرواية شريطا سينمائيا او صورا ناطقة عن حال دمشق والعديد من مدن بلاد الشام ابان تلك السنوات التي شهدت اندلاع الحرب وما تلاها من احداث انها ذاكرة مدينة حاولت الروائية ناديا خوست ابقاءها جلية واضحة في ذاكرة الاجيال اللاحقة، من خلال حيوات العديد من الشخوص ورواية (شهداء وعشاق من بلاد الشام) حفلت بشخوص عديدين ادارت من خلالهم خوست احداث روايتها امثال: فاطمة اليوسف، صاحبة الشخصية القوية، ومن خلال ابنائها: نوري الذي ارسل الى العراق للقتال مع الهجانة العثمانية، وقتل في قصف الطائرات البريطانية لمواقع العثمانيين او من خلال سعيد، الذي يتحول الى سياسي بعد وصول الامير فيصل الى بلاد الشام او دمشق تحديدا، بعد انكسار القوات العثمانية وانسحابها نحو حلب ومنها الى الاراضي التركية وهو الذي كان يخفي توجهاته السياسية طوال سنوات الحرب، بسبب الاحكام العرفية وقسوة السلطة او من خلال خالد اغا، الشخصية المتنفذة الذي قلم الاتحاديون اظافره وحدوا من تأثيره لكن ظل يعيش بين جحيمين، جحيم الحرب التي ورط فيها الثلاثي: انور باشا وزير الدفاع وطلعت باشا وزير الداخلية وجمال باشا، ورطوا الدولة في حرب معروف مآلها الفشل الذي يعني تمزيق الدولة، ووقوع البلاد تحت نير الاحتلال الاوربي وجحيم الاجراءات التعسفية التي ارتكبها جمال باشا القائد العسكري في سورية فهو اذا دافع عن الدولة فكأنما يدافع عن اعمال السلطة وجمال باشا، وان انتقد الدولة وشكك بقدرتها فكأنما يدافع عن الانكليز والفرنسيين الذين يدبرون مؤامرة تقسيم البلاد العربية مستغلين ضعف العرب والعداوة التي اشعلها العنصريون الاتحاديون ضد العرب، العنصر الاساس في كيان الدولة العثمانية والذي ما ان يعلن النفير العام استعدادا للحرب، حتى يستدعي ابنه (بهاء) للالتحاق بالخدمة العسكرية فرارا من عار الفرار من الحرب على الرغم من كونه قد تزوج حديثا من (منور) ابنة يوسف وفاطمة، كاتما احاسيس الابوة هو الذي ما كتم حبه الذي ظل يستعر تحت الضلوع لنفيسة يوسف، زوجة ابن الكحال التي احبها ايام الشباب وقبل زواجهما وعلى الرغم من من زواجه من زهرة خانم ومن ثم من رابية خانم. الرواية بجزئها الثاني الذي اقتربت صفحاته من الاربع مئة والخمسين صفحة، تقدم وصفا دقيقا ومسهبا للاحداث مرصعة اياها حتى ببعض البيانات والقرارات التي اصدرها جمال باشا او الامير فيصل ووكيله الامير زيد، شقيقه عند مبارحة فيصل لدمشق الى باريس او لندن لمواصلة المفاوضات مع المنتصرين في الحرب الانكليز والفرنسيين الذين نكثوا العهود والعقود، والمراسلات التي اجراها مكماهون مع الشريف حسين بن علي او تورد فقرات من معاهدة مارك سايكس عضو مجلس العموم البريطاني والمندوب السامي لشؤون الشرق الادنى وجورج بيكو قنصل فرنسة في بيروت والمندوب السامي المكلف بمفاوضة الحكومة البريطانية في مستقبل البلاد العربية. او نصا من وعد بلفور وزير الخارجية البريطاني الصادر في 2/ تشرين الثاني/ 1917 ومفاده ان حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف لانشاء وطن قومي لليهود على ارض فلسطين فاعطى من لا يملك الارض الى من لا يستحقها وتخلصا من ما تعانيه اوربة من اذى نفسي جراء اضطهادهم لليهود. واذا كانت الروائية ناديا خوست قد نجحت في تصوير الزمان والمكان الروائي بلغة جميلة وسلسة عذبة مستخدمة طريقة تيار الوعي وانثيال الافكار والحوار الداخلي في معمار روايتها الطويلة هذه، فارى انها قد اخفقت في اماكن عديدة عانت بطء الاحداث ومن اسهاب واطناب، وخاصة لدى تصويرها لحياة سعاد مع زوجها العاشق حمدان الذي يعاني مرضا نفسيا مستحكما فنراه يعاني ما سوشية مدمرة اذ يقدم على تقبيل قدمي زوجته سعاد مرات عدة، حتى اذا تأكدنا من ماسوشيته نراه ينقلب الى سادي مدمر لا يرتاح الا بايقاع الاذى بزوجته واجبارها على تقبيل قدميه او مسح حذائه، لا بل تركها اشبه بالسجينة في غرفة بالطابق العلوي من دارهم من دون طعام او شراب، حتى اذا تمكنت من مغادرة الدار؛ السجن نحو بيت القاضي الذي يحكم لها بالطلاق امطرها بوابل من تلغرافات (برقيات) العشق والغرام. واذ يصل القارئ واراه لاهثا متعبا بعد ان امضى ساعات طويلة في قراءة 450 صفحة من صفحات الجزء الثاني من هذه الرواية نفاجأ اذ نقرأ عن الصفحة 447 عبارة (انتهى الجزء الثاني من رواية حب في بلاد الشام) الامر الذي يوحي بوجود جزء ثالث ليرتفع عدد صفحاتها – كما اخمن – الى الف صفحة. ارى ان زمن المطولات الروائية، امثال: البؤساء لفكتور هيجو التي تزيد صفحاتها على الفين واربع مئة صفحة، قبل ان تُختصر وتنشر بشكلها المعروف بحدود اربع مئة صفحة منها اكثر من خمسين صفحة لمطاردة الشرطة لجان فالجان في مجاري باريس او رواية (الحرب والسلام) لليو تولستوي او مطولات فيدور ديستويفسكي التي كان يطيل فيها ويسهب كي يحصل على اكبر قدر من المال من الناشر، الذي كان ينقده مبلغا معينا عن كل صفحة، ان زمن المطولات قد ذهب مع تسارع ايقاع الحياة ومحاولة الامساك بتلابيب القارئ الافتراضي، الذي نريد منه قراءة ما نكتب، واذا ما اضفنا الى هذا التطويل بطء الاحداث، والدخول في تفاصيل دقيقة اثقلت النص الروائي، عند ذلك لنا ان نحدس كم من القراء سيظفر بهم هذا النص. الذي ابهظني العوم في عبابه انا الذي ازعم اني امتلك القدرة على مواصلة القراءة مهما كان النص المقروء وعرا وما تركت قراءة كتاب في حياتي عدا اثنين: الام لمكسيم غوركي، والعقب الحديدية لجاك لندن، وقد عانى العملان ترهلا وبطئا وتكرارا مملا. وانا انجز قراءة الجزء الثاني من رواية (شهداء وعشاق من بلاد الشام) للروائية السورية الدكتورة ناديا خوست وكنت اقرأ العديد من كتاباتها في جريدتي (الثورة) و(تشرين) السوريتين، يوم انتقلت للعيش في حمص بسورية سنتي 2007 و2008 اتساءل ايحق للروائي ان يتكئ هكذا على الاحداث التي سجلها التاريخ؟ اذن ما الفرق هنا بين المؤرخ والروائي؟ وكلاهما ينهل من معين واحد؟ ثم هل نحن نقرأ تاريخا ام نقرأ رواية؟ وحتى في الروايات الوثائقية او التسجيلية او اشدها تسجيلية، ما لمسنا مثل هذا الاتكاء على احداث الواقع المعاش والتأريخ. اذن اين الموهبة واين الخيال واين الابداع، اذا كنا نعول في سردنا الروائي على حرفية التأريخ ونصوصه المنشورة واحداثه المروية على لسان من اسهموا في صنعها او كانوا قريبين منها؟ الا ان افضل مزية امتازت بها رواية (شهداء وعشاق في بلاد الشام) انها احتفظت بصورة البلاد الشامية وعاداتها وطرقها ومآكلها وملابسها وامثالها وحفلات اعراسها وشهامة ابنائها، وتعايش اديانها تحت راية الوطن الواحد، و.. و.. احتفظت بذلك لتقدمه – مستندة بذلك الى النصوص التأريخية الوثيقة – الى الاجيال اللاحقة في محاولة اراها جادة ومخلصة لربط اللاحق بالسابق وجعلها مشرقة ومتوهجة في ذاكرتها لان الاجيال التي يخبو من ذاكرتها مجد الوطن سيخبو من كيانها معنى الحياة، وامة بلا ذاكرة .. امة بلا هدف او بحث عن مستقبل. وما هذا بالامر اليسير ولا الهين.º



المشاركة السابقة : المشاركة التالية