جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


الجدار بوصفه نصاً مشاعياً.. ضع كلمةً وامضِ...!..


علي وجيه قال لي صديقي الإعلامي منتظر البغدادي بلهجة جادة : - "من أغرب الشعارات التي رأيتها هي جملة "نؤيد ما قاله صالح المرموطي" عام 2003 ، والى الآن لم أعرف من هو صالح المرموطي؟ وما الذي قاله؟ ولمن يعود ضمير نحن في "نؤيد"؟!..."...
(1)
يُشكّل الجدار : خلاصاً من نوع آخر ؛ إذْ يتحوّل هذا الجدار الى صحيفةٍ من نسخةٍ واحدة يقرأُها الجميع ، فالجميع يُفكّر – من ضمنهم مَنْ يعرف الطريق الى نشر ما يدور بدواخله بحرّيةٍ تامّةٍ - إذ انه في هذه الحالة لا يضمن متلقين مختلفين – بحسب وسيلة النشر – لكنه يعلم أنّ جداراً في مكانٍ عام له القدرة على ايصال أيّة فكرة لكلّ متلقٍ يعرف القراءة..

(2)
رُبَّما يشكّل الجدارُ نزعةً غرائبيّة متناقضة ؛ تكمنُ في أنَّ الجدار الذي يُستخدمُ في صنع هيكليّة السجون ؛ أو الحواجز ؛ أو ما شابه يُستخدمُ ذات الوقت في نشر هذه الأفكار المعارِضة للسجن الذاتي داخل الإنسان...!..
والجدار الطوباوي : أبيض اللون ، مُغرٍ ، ينتظر الأصباغ أو الوارنيش ، ينتظر ممّن يحبّ أن يكتب سكب أفكاره بحرّية : إذ يشكّل الليل ؛ أو الفوضى ستاراً عاماً وحالةً لا إراديّة من اللارقيب على الأفكار ، لذا : يسحبُ قلماً على هيئة أصباغ ويكتبُ بمفرداتٍ قليلة ما لا يُكتب بصفحات كثيرة...

(3)
"البول للحمير" ، جملةٌ تواجهنا حيث يبولُ النّاس في الشَّارع ، الأمر المُدهش هو أنّ رغم وجود هذه الجملة : الناس تبول فوقها!  ، الأمر مشابه لجملة "كلب ابن كلب من يرمي الأزبال هنا" : حيث نرى أنّ الأزبال تعلو كلَّ يوم لتردم مفردةً من هذه الجملة!...

(4)
ينتمي نصّ الجدار الى نصوص الهامش الأكثر أهميّة من نصوص المتن ، يتميَّزُ نصّ الجدار بأنّه نصّ آني إذ لا يوجد نصّ خالد...
النّصوص الخالدة تبقى حبيسة الورق ؛ النصوص المؤثرة تُمحى في اليوم التالي من كتابتها ودائماً ما نرى بقايا الشعارات وقد سمنتْ فجأة فانتشرتْ خطوطها والتفّتْ حول بعضها لتمحو ملامحَها الأصليّة...
وقد يشكّل الجدار أرخص وسيلة للإعلان ؛ خصوصاً للخطّاطين الذين يتفنّنون بكتابة أسمائهم وأرقام هواتفهم ، بالإضافة الى المخابز ، وطبّاخي الأعراس والمآتم الشعبيين ، وليس انتهاءً بالمضمّدين وهُم يصفون أبسط الأساليب لعمليّات ختان الصغار...!.

(5)
ما بعد 2003 : لم يبقَ حائطٌ لم يُكتب عليه ، شعارات حزبية ، اعلانات تجاريّة ، آيات قرآنية وتحذيرات بشأن نهب ممتلكات الدولة ، أحاديثُ نبويّة ، كلمات نابية ، وما نراه واضحاً هو أن الحيطان شهدتْ ازدهارها ما بعد 2003 من "يسقط صدام ابن الكَحـ..." وصولاً الى " يعيش فلان الفلاني" ، إذ يشكّل الجدار صورةً دون رتوش للحظة ، للجانبين الـ"مع" و "الضد"...
في وقتٍ لا يُوجد مَنْ يعرف الخطاب الرّاد على الخطاب المكتوب من قبل الصحف أو قنوات التلفزة يشكّل نصّ الجدار رأي النّاس...
دوماً ما يكون الجدار رادّاً ومردوداً عليه من حيث المبدأ والرأي ؛ خصوصاً في المسائل السّياسية في البلاد حيث يتربّص الجانب (س) حتى يكتب آراءه ويذهب كي يأتي الجانب (ص) ويردّ عليها بعد أن يمحوها...

(6)
في النقاط الأمنية : يكتبُ الحرس شعاراتهم الشهيرة :"احترم تُحترم" ؛ "القانون فوق الكل" ؛ "الكل يخضع – يخظع للتفتيش!" ؛ "الجيش العراقي ومُنذ تأسيسه كان أسيرَ الشِّعارات المكتوبة على اللافتات ، أو الخارجة من ألسنة رؤساءٍ – لافتات بشريّة!....

(7)
الجدار مُشاعٌ لذمّ الجميع ؛ ومدح الجميع ؛ ومخاطبة الجميع ؛ حتى الشخصيين منهم ، أذكر أنّي رأيتُ جداراً في منطقة الباب المعظّم – صاحبة أكبر عدد من نصوص الجدران – وقد كُتب عليه (حبيب حرامي) وبعد عدّة أمتار كُتب (حبيب ابن زنا) وفي نهاية الشارع ؛ قبل المنعطف المؤدي الى مدينة الطب كُتب (حبيب.....) بلفظةٍ تعني : شاذ جنسيّاً...! ، أكادُ أجزم أنّ كلّ مَنْ قرأ هذه الجملة رسمَ في دماغه شخصيّة لـ(حبيب) هذا ؛ أو أنه استخرجَ (حبيب) آخر من ذاكرته تنطبق عليه أوصافٌ كهذه ! ، لذا نستطيع ان نعتبر نصّ الجدار نصّاً مفتوحاً من ناحية الدلالة والتوصيل ؛ الأمر الذي يجعلنا نفكّر : ماذا لو نشرنا قصائدنا – نحن الشعراء المنغلقين على أنفسنا – على هذا الحائط؟! ، خوفي أنْ يُعتبرَ البعض منا مثل (حبيب) هذا!...

(8)
نصوص الجدار مختلفة ما بينها ، فاللون ، وطريقة الخط ، ومدى صحّة الإملاء ، والخلفيّة ، كلّها تشكّل ملامحَ رئيسة لكلّ جدار ، فجدار كلّية الفنون الجميلة في منطقة الباب المعظّم يشكّل لعبةً لونيّةً مُدهشة ؛ خصوصاً وان الذاكرة العراقية لا تزال تحتفظُ بلوحة الجندي الخارج من بيته والذي ينظر الى بابٍ تُمدُّ منه يدُ امرأة تسكبُ الماء وراءه ؛ بالإضافة الى جدران الوزارات – ما بعد 2003 – والتي تجمعُ لوحاتٍ تمثّل الأهوار و جبال كردستان وما الى ذلك ، الا ان النصوص الشعبيّة ، تلك المليئة بالأخطاء الاملائيّة و الفطرة هي ما يؤثر ، خصوصاً فيما يتعلّق بالرفض الشعبي...

(9)
للمكان دوره في صنع نصوص الجدار ؛ فجدار اعداديّة للبنات مثلاً يحمل جملاً مثل : (أحبّ ياسيمين ، أحلاهن بلقيس...إلخ) بالإضافة الى عناوين لبريد ألكتروني لشابٍ يمنّي نفسه بلقاء مراهقة على الماسنجر ؛ ذلك عدا أرقام الهواتف المتناثرة.
أما جدار الجامع فلا يحمل سوى (حرامٌ شرعاً كتابة العبارات أو وضع الملصقات على الحائط)...

(10)
يحتوي الجدار على التناقضات كلّها ؛ ففي مدينة النجف مثلاً شوهد جدارٌ وقد حمل ثلاثة شعارات مختلفة :...
- وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين
- عاشتْ فلسطين حرّة عربيّة
- انتقل محل أبو محمد للدهينة الى الفرع المجاور !

(11)
نماذج من نصوص الجدران في أوقات مختلفة :
- "عائدون...سيصبح العراق مقبرةً للمحتل"
- "عاش العراق"
- "حلاقة ثامر...احدث القصات العالمية والتسريحات ، صبغ ، تنظيف بشرة ، ازالة وشم"
- "أكلتها برشلونة...يعيش الريال"
- "الجيش العراقي شوكة في عيون الإرهاب"
- "أبطال العراق السريّة الخامسة" 
- " لا تكتب على الجدران رجاءً!".



المشاركة السابقة : المشاركة التالية