جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


الرواية العراقية الحديثة تحتل مكان الكتاب العلمي العراقي وتشهد رواجاً كبيراً في السوق المصرية


ترحيب كبير وتقدير رائع للكتاب العراقي في السوق المصرية لمسناه من خلال استطلاعنا لآراء كبريات المكتبات ودور النشر المصرية في أعمال الكتاب والمؤلفين العراقيين على اختلاف الأطياف الفكرية والتوجهات الإبداعية ، وكانت السمة المشتركة بين كل أصحاب دور النشر والمكتبات المصرية هي المطالبة بمزيد من إنتاج الكتب العراقية وإخراجها إلى النور لأنها قليلة نسبياً في الوقت الحاضر مقارنة بالمراحل السابقة ، وقد  أعرب الكثيرون عن أن ترحيبهم بالكتاب العراقي لا يأتي من فراغ ، إنما نتيجة لتاريخ الكتاب العراقيين العظام أمثال بدر شاكر السياب ونازك الملائكة والجواهري والذين تحتل مؤلفاتهم وكتاباتهم مكانة مميزة بين القراء المصريين وفي الأوساط الثقافية الرسمية ، ولم تنقطع إبداعات العراقيين برحيلهم ، بل تواصلت حديثاً بمؤلفين وكتاب أفذاذ خاصة في مجال الكتابة الروائية الجديدة ، وهو ما استفز القاريء والمثقف المصري إلى الإقبال بشغف على تلقي الإبداعات العراقية الجديدة بكل الرعاية والاهتمام ، ورغم أن المؤلفات العراقية الكلاسيكية لكبار الكتاب العراقيين أمثال السياب ونازك والجواهري لا تزال تحتل اهتمام القارئ المصري ، إلا أن الرواية العراقية الجديدة في طريقها لاحتلال مكانة أكبر لا تلبث أن تتضح ملامحها ، بفعل الاتجاهات الإبداعية الشابة التي بدأت في السيطرة على سوق الكتاب المصري والعربي الآن .
فكر مختلف
في البداية توجهنا إلى دار الشروق المصرية الشهيرة وسألنا السيد مصطفى الفرماوي ـ مدير تزويد المكتبات بالدار ـ عن حركة الكتاب العراقي فقال : لا شك أن هناك سمعة طيبة للكتب العراقية خاصة كتب الرواد نازك الملائكة وبدر شاكر السياب والجواهري ؛ فلا زال هناك إقبال كبير عليها ، وفي الفترة الماضية كانت الكتب العراقية العلمية فريدة من نوعها بين المصريين وتحظى برواج كبير لتميز العراق في هذه النوعية من الكتب الدسمة والمراجع القوية علمياً ، ولكن ظروف الحرب على العراق مؤخراً أثرت بالسلب على حجم المعروض منها ، بل يكاد هذا المعروض يختفي تماما من سوق الكتاب في مصر بفعل إحلال الروايات العراقية محلها لكونها تحظى برواج كبير مع انتعاش موسم الروايات العربية حالياً ، ولعل سر هذا الرواج والإقبال الكبيرين على الرواية العراقية أنها تحمل فكراً مختلفاً ، وعادة ما يسعى القارئ المصري وراء الفكر المختلف والجديد ، ولاشك أن سوق الكتاب في مصر يمكن أن يستوعب مزيداً من الكتب العراقية من هذا النوع .

إبداع جديد
ويقول موسى علي ـ المسؤول الإعلامي بالدار المصرية اللبنانية بالقاهرة ـ  : إننا كشعوب عربية نكن لمصر مكانة خاصة وحنيناً للشعب العراقي وأرض العراق ، ولكن بصفة عامة فإن معيار إقبال الدار على نشر العمل ليس جنسيته وإنما مستوى ما يقدمه من إبداع ، ومن هذا المنطلق فإننا أصدرنا كتباً عديدة لمؤلفين عراقيين ضمن إنتاجنا الثقافي ، لما تتسم به من تميز ، وكل الكتب العراقية الآن تنحصر بين الروايات والترجمات ؛ فمن أحدث هذه الكتب عن الدار المصرية اللبنانية " أنامل الموت " لرائد العزاوي الذي كان مراسلاً في الـ BBC في أفغانستان وقت غزوها وسجل مشاهداته عن حرب القاعدة هناك ، ورواية " الحياة لحظة " لسلام إبراهيم وهو عراقي مقيم بالدنمارك ، يتناول من خلالها معاناة العراقيين بعد الشتات ، أيضاً من الكتب المهمة جداً ترجمة حارث سليم لكتاب " لماذا تقتل يا زيد " للكاتب الألماني " توثنهوفر " حيث سجل من خلال معايشته الحرب في العراق أحداث المقاومة العراقية في قصة حقيقية تعكس حالة التوحد المذهبي بين جميع طوائف الشعب العراقي في فترات المقاومة ، وعن مكانة الكتاب العراقي وسط الكتب العربية الأخرى في السوق المصرية أكد " موسى علي " أنه يحظى بمكانة مرموقة ، وأنه كان في فترة ما قبل الحرب من أقوى الإصدارات العربية في مصر ، ولا يزال كذلك حتى اليوم ، لكنه يأتي في المرتبة الخامسة حالياً بعد الكتاب المصري والكتاب اللبناني والسوري والسعودي ، كما أن الإنتاج الثقافي العراقي قل لنفس السبب ، بالإضافة إلى أن معظم الكتاب العراقيين تركوا العراق وانتشروا في أنحاء العالم ، وإن كانت نسبة كبيرة منهم موجودة في الأردن وهو ما يجعل الكتاب العراقي موجوداً بشكل أكثر قوة هناك ، ولكن بشكل عام فإن السوق المصرية مهيئة لاستيعاب المزيد من الإبداع العربي عامة والعراقي بصفة خاصة طالما أن العمل يتضمن فكراً جديداً ؛ حيث لا توجد مفاهيم جامدة تحكم السوق لدينا ، إنما هي مفتوحة لكل المبدعين بغض النظر عن الجنسية.

مطلوب بشدة
وتعتبر مؤسسة " شمس " للنشر والإعلام من أكثر دور النشر المصرية  إنتاجاً للكتاب العراقي ؛ فهي تحظى بنصيب الأسد ؛ حيث تؤكد " علا الطيب " ـ المستشار الثقافي للمؤسسة ـ  أن الكتاب العراقي أصبح مطلوباً بشدة في السوق المصرية ، ويحظى بإقبال جماهيري كبير ، ومن هذا المنطلق قدمت شمس في الفترة الأخيرة ما يقرب من عشرين كتاباً عراقياً جديداً حظيت بترحيب ورواج كبيرين بين المصريين ، وهي " أبطال الخيبة " لأحمد هاشم الروائي العراقي المقيم باستراليا ، و رواية " ذاكرة الأشياء " للدكتورة اعتقال الطائي الشاعرة العراقية المقيمة بالمجر ، و " أجساد " للشاعرة والناقدة الدكتورة سهام جبار المقيمة بالسويد ، و " ديوان مخاطبات حواء " للدكتورة بشرى البستاني ، و " شهية طازجة " للإعلامية الشاعرة رنا جعفر ياسين  ، و " روايات وقصص من الخيال العلمي " للدكتور قصي عسكر المقيم في بريطانيا ، و " ما وراء النص " للشاعر الناقد عبد الرازق الربيعي المقيم في عمان ، و " مقهى مراكش " للروائي الشاعر منعم الفقير المقيم بالدنمارك ، و " ربيع الحياة .. إطلالة الميلاد " للدكتور فهمي رشيد المقيم بألمانيا ، و " مزن الكلمات " لفاضل مصطفى الزباد الكاتب العراقي المقيم بالكويت ، و " كم أنت ساذج " للدكتورة هناء القاضي ، ولها أيضاً " الأميرة والنورس " بالمشاركة مع الكاتب الفلسطيني غريب عسقلاني ، و " مرافق خجولة " لنشأت المنداوي ، وهناك أيضاً " مزامير السومري " و " فيروس سردي " لرشا فاضل ، و" أشرعة الهراء " للشاعرة خالدة خليل ، و " لا أحد يحلم " للشاعر فاضل سلطان ، و " النزف يعزف برتقالاً " لعبد المنعم الموسوي الشاعر العراقي المقيم بألمانيا ، و " ما زلت أحلم بالندا " لسعد علي مهدي ... والقائمة لا تنتهي من الأعمال الروائية والإبداعية للمبدعين العراقيين ، ونحن حريصون على هذه الإصدارات العراقية لأن السوق المصرية في حاجة شديدة إليها .

ازدهار ونقد
ومن داخل مقر مكتبة " ديوان " بالقاهرة أكد لنا " أمير الناجي " ـ مدير المشتريات المحلية بالمكتبة ـ أن الكتاب العراقي بدأ يشهد في مصر ازدهاراً ملحوظاً بعد إنشاء فرع دار المدى بالقاهرة مؤخراً ؛ لأنه سهل عملية الشراء والاطلاع على أحدث الإصدارات العراقية ، عكس ما كان في الماضي ؛ حيث كان من الصعوبة بمكان العثور على نافذة ثابتة للكتاب العراقي ، وكانت الفرصة الوحيدة للعثور عليه متاحة فقط من خلال معرض الكتاب الدولي أو من خلال " رسائل خاصة " ، فدار المدى خلقت منفذ بيع دائم في مصر وهو أمر في غاية الأهمية ؛ خاصة وأن الكتاب العراقي يحتل ما يقرب من 10% من سوق الكتب في مصر ، والحقيقة أن الإصدارات العراقية متميزة ونحن نتعامل معها كمسوقين لها ومن أبرزها " الحفيدة الأمريكية " للكاتبة الرائعة إنعام كجه جي الكاتبة العراقية المقيمة في أمريكا ، وهو كتاب كان مرشحاً لجائزة البوكر لأنه نموذج للإبداع الراقي ، كما أن هناك إصدارات عراقية متميزة جداً لترجمات أجنبية .. وبشكل عام فإن الروايات تتصدر سوق الكتاب العراقي في مصر بالإضافة لمجال الأدب المعاصر والمقارن ، وينتقد " الناجي " بعض الكتب العراقية  التي أسرفت في الكلام عن الداخل العراقي بلا أية إضافة جديدة ، وهو ما جعل القارئ  المصري ينصرف عنها إلى نظيرتها العراقية أيضاً ، ولكن التي تتناول العراق من منظور سياسي عربي دونما إفراط في وصف تفاصيل معروفة عن داخل العراق كالخلاف بين الطوائف والمذاهب ؛ فقد اعتاد المصريون هذا الأمر ولم يعد يشدهم أي كتاب يتخذ منه قضيته وموضوعه .

كتاب له اسمه
ومن داخل أعرق وأشهر دور النشر المصرية ، دار " مدبولي " للنشر والتوزيع التقينا بالسيد رؤوف عشم ـ مسؤول النشر ـ حيث أكد لنا أن دار مدبولي هي أول مكتبة في مصر احتضنت الكتاب العراقي والكتاب العراقيين من سنوات طويلة منذ أيام  " المأمون " وغيرها من المكتبات العراقية التي اندثرت مع الزمن ، ويقول عشم : كنا في البداية نتعامل في كتب التراث والمطبوعات العلمية التي يتمتع العراق فيها بباع طويل وشهرة عريقة ؛ فكنا نحضر أي كتاب علمي متخصص من المكتبات العراقية بخلاف كتب الشعر والرواية والقصة وهي الكتب التي لازالت تتمتع برواج اكثر على الساحة الآن ، ولدينا حالياً مجموعة كبيرة من الكتب العراقية بدار مدبولي منها " أمريكا والإسلام والإرهاب " للدكتور رائد العزاوي ، و " شرائع إبليس في شعر أدونيس " لصالح عضيمة ، و " جنة الفردوس .. دراسة في الأساطير " للدكتور مزهر خفاجي ، وهي كتب موجودة وعليها طلب كبير في مصر ، وهناك أيضاً " مقهى الشاهبندر " لعبد الستار ناصر ، وهو كتاب حقق نجاحاً كبيراً ، أيضاً " نورس بلا بوصلة " و " مصباح الكون " للدكتور محيي الدين اللاذقاني ، وكتاب آخر سيصدر عام 2011 هو " نماذج من الرواية العالمية " للدكتور علاء طاهر ومعه كتاب لنفس المؤلف بعنوان " القمع والصورة " .. وبصفة عامة ، فإن فكرة الكتاب هي التي تحكمنا في اختيار العمل محل النشر ، ولكن هذا لا يمنع أنه يوجد كتاب عراقيون كبار ينافسون بقوة في سوق الكتاب المصرية .

مؤشرات
ومن خلال معطيات دور النشر المصرية بالنسبة للكتاب العراقي والكتاب العراقيين ، يمكننا أن نخرج ببعض المؤشرات الإيجابية ، ونظيرتها السلبية ؛ فالمؤشرات الإيجابية تصب في صالح الكتاب العراقي في سوق الكتاب المصرية من ناحية سمعته الطيبة من حيث الموضوع والإخراج والطبعات والحرفية الإبداعية لمجموع الكتاب العراقيين كباراً وصغاراً ، قدماء ومحدثين ، وكذلك من ناحية الإبداع الروائي والقصصي حيث تحتل الرواية الجديدة للكتاب العراقيين الجدد والشبان مكانتها المتميزة الآن بين القراء المصريين ، ويتضح شغف المصريين إلى هذه النوعية من الكتب الروائية بالإضافة إلى شغفهم بالكتب العراقية ذات الصلة بالموضوعات السياسية المرتبطة بأسرار النظام السابق ، وأسرار الجنود الأمريكيين والشخصيات السياسية العراقية المؤثرة في الشان العراقي ، وتصب المؤشرات السلبية في غير صالح الكتاب العراقي والمبدعين العراقيين من عدة نواح أهمها قلة المكتبات ودور النشر العراقية بمصر ، وحصر المؤلفات في مناقشة الشأن الداخلي العراقي ، وشتات المبدع العراقي وانصرافه عن الإبداع بفعل توهمه سيطرة الكبار على سوق الكتاب سواء في العراق أو في غيره من المدن العربية والعالمية ، ورغم كل ذلك يبقى الكتاب العراقي ، والكتاب العراقيون على رأس قائمة الإبداع والتأليف في المجتمع العربي . 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية