جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


مؤيد البدري.. ابن السفينة الذي توحّد حوله العراقيون


كرم نعمة
مؤيد البدري واحد من أكبر جوائز الترضية التي يرفعها العراقيون، كلما شعروا بتراجع الوطنية، وكلما ارتفع السؤال بوجوههم “هل نحن مختلفون مع بعضنا البعض إلى هذا الحد”، وحتى بعد اختطاف البلاد عام 2003، لم يستطع الخاطفون كعادتهم في تلفيق تاريخ الأسماء الوطنية والثقافية العراقية،
الاقتراب من تاريخ مؤيد البدري الذي لوّح لنا بيديه يوم السبت مودعا، في مغتربه الأسكتلندي البارد. هكذا ببساطة، لأنه عندما يختلف العراقيون على عراقيتهم، كانوا يستعيدون اسم البدري كممثل وطني جامع، فتتلاشى حينها ذرائع الخاطفين.
واليوم عندما نستذكر أبوزيدون ابن الحاج عبدالمجيد التتنجي، ابن محلة السفينة في الأعظمية، فأننا نستعيد ذاكرة عراقية بقيت مفعمة بالأمل في الفوز وصناعة المستقبل. فحتى في أوج الضغوط التي واجهها البدري في تسعينات القرن الماضي. لم يتنازل عن قيمه، ولم يستخدم هذه الضغوط فيما بعد لممارسة دور الضحية كما فعل كثيرون غيره.
أتذكر عندما بثت الحلقة الأخيرة من برنامجه الشهير “الرياضة في أسبوع” كان يجب أن نحاوره، ولا زلت أتذكر جملته المسبقة “عليك يا كرم أن تؤجل أسئلتك المشاكسة، فلم يحن بعد، وقت الإجابات التي تطلبها”.
قَبلَ أبوزيدون دعوتنا في جريدة الجمهورية آنذاك لحوار وكلفنا الزميل إياد البكري أقربنا إليه، ومن دون إطلاق السؤال الأكثر طلبا وقتها عن إيقاف البرنامج والضغوط التي مورست عليه بعد افتتاح تلفزيون الشباب. ونشر الحوار في الجمهورية أشبه برسالة وداع لموعد رياضي استمر ثلاثين عاما مع المشاهدين مساء كل يوم ثلاثاء. كان العراقيون يترقبون فيه حشد الكمانات الساحرة القادمة من موسيقى جواكينو روسيني من أوبرا حلاق إشبيلية.
وعندما كان يجب أن يعود مؤيد البدري إلى المشاهدين، بعد أن سقطت البلاد في لجة الدماء، عاد عبر قناة الشرقية في بداية انطلاقها، لكن الرياضة لم تعد تتحمل أن تبقى في أسبوع وسط ديناميكية البث المباشر. فكتبت حينها على فشل إعادة إحياء الأفكار القديمة. لم ينزعج أبوزيدون كثيرا مني، وقال لو تدري الظروف الصعبة التي كنا نشتغل فيها، من أجل فكرة واحدة، نعيد جمع العراقيين عليها.
وبعد سنوات، عندما أطلقت السؤال المفعم بالحنين “من يعرف مؤيد البدري سيعرف جون واكر موتسون” كان أبوزيدون أكثر من متفاجئ من فكرة المقال الذي دافعت فيه عن مقارنة حسية كنت أشعر بها وحدي، عن تشابه الوجوه بين البدري وموتسون معلق كرة القدم الإنجليزي الشهير، إلى نبرة الصوت وطريقة التعليق، لأجمع بين ابن الأعظمية مؤيد البدري ابن الحاج عبد المجيد التتنجي ومدينة لانكشير الإنجليزية مولد موتسون ابن الوزير السابق.
بقيت المقالة التي مر عليها أكثر من عقد، فاصلة في استذكار مؤيد البدري كلما انفرط عقد مصداقية الأخبار التي تلاحقه، وهو يعيش في كنف ابنته الطبيبة مثل أمها في أسكتلندا. بينما بدت صورة الفنان جواد الشكرجي وهو يطبع قبلة على رأس أبوزيدون فيما يبدو اللاعب الدولي حسين سعيد أقرب أن يضم البدري، رسالة جمعية عن قيمة هذا الرجل الذي توحّد حوله العراقيون منذ أولى صرخاته المدوية “هدف للعراق، منتخبنا الوطني”.
اليوم سيرقد بسلام مؤيد البدري في مقبرة المسلمين بأدنبرة تحنو عليه أدفأ الزهور، وعندما نعبر القنال الإنجليزي صوب باريس سنربت بحنان على قبر عبدالرزاق عبدالواحد. كان خيارهما الموت في المغترب، بينما بلدهما لا يزال بيد المختطفين.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية