جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


المكتبات العربية في لندن.. واحات الثقافة في مدينة الضباب


عبد منعم الاعسم
عشر مكتبات هي أشبه بواحات للثقافة العربية وسط عاصمة الضباب. محتوياتها كتاب مقيم.. وكتاب مهاجر.. وزبائن لا يكفون عن الشكوى والتكاثر
مجازا، عربيا، يقال إنها «مكتبات» فيما هي لدى الإنجليز مخازن - أو وكالات - لبيع الكتب والمجلات ( Book Shop) وقد شاءت المصادفات والمفارقات أن صارت المكتبات العربية (المقيمة) في لندن تتلقى سهام الحسد من زميلاتها “المكتبات” البريطانية.. ففيما الأولى تتعافى وتتناسل وتجني ثمار الانتظار الطويل على قارعة الطريق تضطر الثانية إلى تقليص خدماتها - بسبب الكساد وتراجع رواج وسمعة الكتاب - حتى اضطر صاحب مكتبة إنجليزية كبيرة في شارع أوكسفورد لتحويل جزء من الواجهة إلى مطعم للمأكولات السريعة وعذره أن الميزان، هذه الأيام، يميل إلى تلبية احتياجات البطون بدل احتياجات العقول.
وإذ لا يعترف أصحاب المكتبات العربية الذين التقيناهم بهذه المعادلة فإننا تفهمنا الدواعي التجارية (المحلية) لهذا الموقف، وافترضنا أن الأمر ربما انطوى على رغبة بطرد (الحسد) الذي - حسب أمهاتنا - يقلل الرزق، وتركنا للمشاهدات والمعطيات أن تروي ما لا يرد على اللسان. عشر محطات لا يزيد عدد المكتبات ووكالات بيع الكتب العربية في لندن على عشر ينحصر انتشارها في منطقة ضيقة من وسط لندن حيث الجامعة، والمكاتب التجارية والسفارات العربية ونقاط حركة السياح العرب، وعشرات الآلاف من منازل أبناء الجالية العربية.. وهي: مكتبة الساقي في (ويست بورن جروف). مكتبة الكشكول في (نايت بريج) مكتبة رمضان في (كوينز واي). مكتبة إيمان في (كوينز واي). دار المعرفة في (بيشوب بريج رود). دار الحكمة في (شالستون ستريت). دار التقوى الإسلامية في (ملكمب ستريت). وكالة سام ستور في (أجور رود). ثلاث وكالات لبيع الصحف الإنجليزية والعربية تعرض كتبا عربية للبيع وتقع في (ماربل آرش) و(كينز نكتون) و(ايرلس كورت). على أن الجولة في عالم المكتبات العربية في لندن الذي هو عالم الكتاب العربي المهاجر إلى ما وراء الحدود تصطدم، أولا، بإشكالية المصادر المتنافرة، المتناقضة، للكتاب.. فثمة كتاب مستورد من مسقط رأسه، وثمة آخر جرى طبعه في لندن وينشد السفر إلى البلدان العربية، وثمة ما لا يعرف وطنا له.. وبين هذه جميعا كتب محبذة هنا ومنبوذة هناك.. وبينها ما يسمح بتداوله ونقله وتصديره إلى بلد عربي دون غيره، فيما تستأثر كتب السياسة والسير والجنس بالنصيب الوافر من إجراءات التدقيق والتضييق، إذا ما شحنت إلى عواصم العرب. وتقوم هذه المكتبات، تحت ضغط آليات السوق ومتطلبات تغطية الكلف المتنامية، بإعادة إنتاج أزمة الكتاب العربي، أو تكييفها، بتكريس اختلال التوازن في خارطة التأليف والإنتاج الثقافي، حيث تروج أنواعا من الكتب، وتحض على الاستطراد في تلبية العجالة الاستهلاكية لجمهرة من القراء وسط غياب مطبق لمفردات فكرية وإبداعية طليقة لا غنى عنها في تأمين توازن لراهن النشاط المعرفي العربي. يقول السيد ميراس عزو الذي يدير وكالة لبيع الكتب والمجلات العربية: إنني محكم بالكثير من الشروط التي تمنعني من التعامل مع كتب غير مطلوبة برغم قيمتها الأدبية المهمة.. ليست لديّ مساحات شاغرة، كما ترى، لأعرض عليها عشرة كتب يباع منها واحد كل ثلاثة شهور. وما أدراك أنه لن يباع من هذه الكتب إلا واحد في هذه الفترة ؟ - إنها خبرة سنتين. حتى صرنا نعرف عم يبحث الزبون الذي يدخل مكتبتنا. ولمن تبيعون الكتب؟ من هم زبائنكم؟ - السياح في الغالب، ممن يقضون هنا أياما أو أسابيع حيث يفضلون اقتناء كتب لتزجية الوقت.. كتب لا يحصلون عليها في بلدانهم.. كتب تتناول بالهجاء (وبالسخرية) الرؤساء والزعماء والوجهاء والظواهر المختلفة مما يستجيب لمرارة الناس. “الساقي”.. حذار من الأفخاخ تعد “الساقي” من بين أقدم هذه المكتبات في مجال ترويج الكتاب العربي في بريطانيا وتؤكد بطاقتها الشخصية أنها قضت حتى الآن خمسة عشر عاما في الخدمة وانتقلت من وكالة للبيع إلى دار للنشر والتوزيع والاستيراد. وللسيدة الأديبة “مي غصوب” مديرة الدار رأي آخر بصدد التعامل مع الكتاب العربي يقوم على مقاومة إغراءات الربح السريع.. تقول: أعتقد أن أي مؤسسة لكي تكون جدية ومحترمة، يجب أن تعرف أن ليس هناك ربح وسمعة بين يوم وآخر.. وفي أوربا عشرات المؤسسات احتاجت إلى عشرات السنوات لكي تكون معروفة. وفي عالم المكتبات يرى البعض أنه نجح بمجرد أنه آثار ضجة. إنني مثلا لا أتعامل مع كتب الخرافات أو الأبراج.. إنها ليست شغلتي. وماذا بشأن الرأي الذي يذهب إلى التزام الربحية ووضعها في المقدمة؟ - على المكتبي، في رأيي، أن يقوم بضبط العلاقة بين التجارة والمستوى.. هناك من الزبائن من يلاحظ كثرة الكتب العلمية أو الفنون أو المؤلفات الكلاسيكية على رفوف مكتبتنا ولفترات طويلة، وعندي أن ذلك مهم لكي تصبح المكتبة، كما هي رسالتها، مركزا ثقافيا متكاملا. أحيانا يقع المكتبي في فخ حين لا يعنيه إلا الربح. ولكن ثمة الكثير من الأفخاخ تستدرج المكتبي إليها هنا. منها، الانحياز إلى نوع واحد من المؤلفات، أو فكر معين.. وأقول لك إن هناك كتبا لا أحبذها شخصيا وأراها هابطة أو مزعجة، ولكني أشعر أن من واجبي تيسير الكتاب لمن ينشده، وليس من واجبي إلزام القارئ بقراءة كتاب دون غيره. كما أن البعض يقع في فخ إدارة العمل من خلال الطاولة والتليفون والفاكس فيما ينسى أن شرط النجاح هو المعايشة.. أن يكون المكتبي عتال كتب.. حمال صناديق.. فعملية بيع الكتاب عملية مخاض صعبة.. إنه سلعة، ولكنه ليس سلعة من جهة أخرى.. سلعة من نوع خاص على وجه التحديد. أما الفخ الأكثر وضوحا فيتمثل في الاستغراق بترويج الكتب الدعائية أو الفضائحية مما يميل إليها قراء عابرون وآخرون. ما هي آليات تسعير الكتاب عندكم؟ وما تعليقكم على شكوى العديد من الزبائن إزاء غلاء الكتاب العربي في مكتبات لندن؟ - باختصار شديد، إذا قارنا سعر الكتاب هنا بسعره في أي بلد عربي فسنجده غاليا بعض الشيء.. إنه أمر مفهوم إذا أخذنا في الاعتبار الأجور الهائلة للخدمة التي تيسر الكتاب العربي لمن يطلبه من المقيمين في بريطانيا.. اليوم اضطررت للاتصال مرتين بالقاهرة وبيروت حول كتب طلبنا شحنها.. طبعا سيضاف أجر الاتصال، وهو باهظ، إلى سعر الكتاب.. هذا إذا كان الكتاب مطبوعا في بلد عربي، أما إذا طبع هنا فلا شك أن سعره يحسب على ضوء كلفة الإنتاج المحلية المتزايدة على الدوام. من هم زبائن مكتبتكم؟ من المثقفين العرب.. زبائن من الطبقات العربية الوسطي.. من اللاجئين.. من الإعلاميين.. من الطلاب العرب.. من العاملين في التجارة والسياح.. وهناك زبائن إنجليز من المستشرقين، وفي الفترة الأخيرة لاحظنا إقبال المؤسسات الجامعية ودوائر أبحاث وصحف ومجلات بريطانية تهتم بالمطبوع العربي وتتصل بنا للحصول على المصادر والمؤلفات المختلفة. وماذا بشأن المستقبل؟ بشأن التطلعات؟ - لقد وضعنا الأساس لتيسير المطبوعات العربية والمصادر المختلفة من (وإلى) شتى الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط عن طريق الاتصالات والمتابعة المستمرة لدور النشر في العديد من العواصم، كما خطونا نحو التعامل بالكتب العربية المستعملة والنادرة. ستيفنسن.. وقريش ابن رشد في مكتبة دار التقوى يمكن أن تلتقي زبائن من جنسيات مختلفة وهم يبحثون عن مؤلف إسلامي أو تراثي أو روائي.. كان “بيل ستيفنسن” الأيرلندي يبحث عن كتاب “إيلاف قريش” ولما لم يجده طلب تأمينه على عنوان منزله.. كان يتحدث العربية بإجادة صافية.. قال: أقوم الآن بدراسة الحالة الاقتصادية للجزيرة العربية قبل الإسلام، وهذا الكتاب الذي ألفه فيكتور سحاب يتناول كما علمت دور مكة في ضبط قوافل التجارة الشرقية في السنوات المائة التي سبقت ظهور الإسلام. وأضاف: أنا من ضمن حلقة باحثين جامعيين نقوم بإعادة قراءة تراث الفيلسوف ورائد النزعة العقلية ابن رشد. ولماذا ابن رشد تحديدا؟ - كما هو معروف أن مؤلفات ابن رشد صنفان.. صنف في الفقه الإسلامي والشريعة والشعر والطب، وآخر في التنوير العقلي حيث أزاح الستار عن موضوعات سقراط وأفلاطون التي نسيتها أوربا في القرن الثاني عشر: عصر ابن رشد.. وألفت نظرك إلى أن الصنف الثاني من هذه المؤلفات لم يصل إلى بلادكم العربية إلا مترجما عن اللاتينية، فقد أحرقت مخطوطاته العربية الأولى في عهد دولة الموحدين العربية الشمال إفريقية خلال مرحلة انكفائها في وقت تلقفتها أوربا وترجمتها، بل وحولتها إلى حركة لاستعادة سلطة العقل. كتب محترمة هنا.. مشبوهة هناك أربعة وأربعون نوعا من الكتب العربية (يصل عدد مفرداتها إلى أكثر من 1600) تمتد على رفوف “مكتبة الحكمة” وقد صنفت بطريقة تسهل للزبون الوصول إلي بغيته: القرآن الكريم. التفسير. الحديث النبوي. العقيدة. تراجم. دراسات عن اليهودية. فلسطين. السعودية. الكويت. دراسات عن حرب الخليج. سياسة عامة. مذكرات. قواميس ومعاجم. دواوين شعر. من روائع الأدب العربي. المخابرات والجاسوسية. عالم الحيوان.. وغير ذلك. وإذ لم يتجاوز عمر المكتبة خمس سنوات فقد استطاعت أن تتحول إلى تجربة الإصدارات يقول صاحبها السيد حازم عبدالرزاق إنه أصدر ما يزيد على الثلاثين مطبوعا لمؤلفين وباحثين عرب ويسرها للقراء بأسعار متهاودة، ومنها: دواوين ومؤلفات إسلامية وسياسية وقضايا ملتهبة. وكيف تصدرون كتبكم وإصداراتكم إلى البلدان العربية.. أعني هل ثمة صعوبات في التعامل مع المكتبات؟ - صعوبات ومعوقات كثيرة وتتزايد باستمرار.. إن أجهزة الرقابة في الدول العربية تتعامل مع الكتاب المطبوع في بريطانيا، وفي الخارج عموما، على أنه مشبوه. وهناك كثير من الطلبات على كتب عادية لم نستطع تلبيتها. “الكشكول”.. كتاب لكل اهتمام أما مكتبة “الكشكول” فهي أقدم محطات بيع وتسويق المطبوع العربي في بريطانيا، وهي تعرض الآن ما يزيد على عشرة آلاف نسخة من مختلف الكتب والنشرات، من بينها مئات المطبوعات الإنجليزية المترجمة عن العربية أو المعنية بالشئون العربية. وتتبع المكتبة مؤسسة “رياض الريس للكتب والنشر” التي تصدر (19) من الدوريات العربية في: السياسة والتاريخ، مذكرات، تراث، معمار، أدب، سيرة، السلسلة القصصية، السلسلة الروائية، السلسلة الشعرية، لغات، أطفال.. وغير ذلك. فضلا عن مجلة “ الناقد” الأدبية التي توقفت بعد سنوات من صدورها. وأول ما يطالعك إذا ما دخلت المكتبة العاجة بالزبائن تعليمات صارمة بأن الإدارة غير مسئولة - إذا ما طلبت شحن قائمة من المطبوعات إلى بلدك العربي - عن مصير مشترياتك.. وتقرأ قبل أن تدفع فاتورة الحساب : “نلفت نظر زبائننا الكرام إلى أن الكتاب يخضع في بعض الدول العربية إلى رقابة إعلامية وبريدية، لذلك فإننا لا نتحمل مسئولية ضياع أو مصادرة الكتب المرسلة إلى أي من تلك الدول العربية، وبالتالي فإن إرسال الكتب المطلوبة يتم على مسئولية طالبيها”.. أو “لا نتحمل مسئولية ما تتعرض له الكتب المرسلة بالبريد من تشويه أو عبث”. أنور حسن جاد، لبناني، طالب دراسات عليا في الجيولوجيا، ومهتم بالأدب والاجتماع والدراسات المقارنة، التقيناه وهو يبحث في “الكشكول” عن مصادر حول أثر العنف في النص الأدبي العربي وقد أعياه البحث قبل أن يعثر على كتاب واحد لعبدالمنعم الجداوي بعنوان (الجريمة في الرواية العربية) وهو - حسبه - لا يفي بالغرض المطلوب. وماذا عن أسعار الكتب؟ - كنت سابقا أستعين بأصدقائي في بيروت لتزويدي بالكتب التي يمكن أن تتوافر بأسعار مناسبة.. ولكن تساوت (والحمد لله) أخيرا هنا وهناك وربما تجد كتابا في بيروت أغلى من سعره هنا. أحد وسطاء بيع وترويج الكتب العربية في لندن كشف لنا أنه يحصل على كتب رخيصة جدا من بعض الأسواق العربية حيث يحظى الكتاب بدعم حكومي وتسهيلات تجارية. وماذا عن الشحن؟ - نقوم بالزوغان من الإجراءات التجارية والبريدية والضريبية بتجزئة الشحن، أو بـ “تكييف” هوية البضاعة بما يسهل وصولها إلى لندن بأقل التكلفة. وهل هذه الطريقة هي مصدر أرباحكم؟ - كلا.. هناك مصادر أخرى، فقد نقوم أحيانا بإعادة طبع بعض الكتب العربية “المنسية” أو غير واضحة “الحقوق” ونعيد تسويقها، فتبدو كما لو أنها الكتب الأصلية.. ويهمس “الوسيط” لنا قائلا: لقد راجت طرق إعادة طبع الكتب الثمينة، الغالية، في بعض عواصم الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، ونحن نجد في تلك الكتب مصدرا كبيرا للأرباح.. ولكن يحسن أن نتعامل بحذر مع السوق وقد نضطر إلى البيع عبر “السوق السوداء” بحيث نتجنب عرض البضاعة على الرفوف. وما هي برأيك أسباب غلاء الكتاب العربي في مكتبات لندن؟ - برأيي.. السبب الوحيد هو جشع أصحاب المكتبات العربية.. إنهم يستغلون حاجة الزبائن، وربما ثراء الانتلجنسيا العربية المقيمة هنا وندرة المطبوع وامتياز انعدام الرقابة.. إنك تلاحظ ذلك بالمقارنة مع الكتاب الإنجليزي حيث يقل سعره (وهو بنفس المواصفات) إلى النصف. وحتى الكتاب الإنجليزي الذي يعالج موضوعا عربيا تجد أصحاب المكتبات يضعون له سعرا خياليا، وها هو كتاب (صنعاء مدينة إسلامية) بسعر (300) جنيه إسترليني وها هي كتب ومذكرات قديمة مترجمة يصل سعر النسخة منها إلى ثمانمائة جنيه. جداول صغيرة الجولة في
المكتبات العربية بالعاصمة البريطانية تنفع في رصد حركة الثقافة والجداول المعرفية التي تروي ظمأ الجالية العربية وفئتها المثقفة حيث يمكن قياس ذلك من معطيات البيع التي هي المعيار العياني لأكثر الكتب انتشارا بين الجمهور. تقول الحصيلة: إن أكثر الكتب رواجا وبيعا هذه الأيام هي كتاب الرئيس ريتشارد نيكسون (ما بعد السلام) وكتاب بشير البكر (حرب اليمن) وكتاب محمد جابر الأنصاري (التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام) وكتاب لاري دايموند (مصادر الديمقراطية) وكتاب رءوف مسعد (بيضة النعامة) وكتاب نجوى بركات (حياة وآلام حمد بن سيلانة) . º



المشاركة السابقة : المشاركة التالية