جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


تلميحات وأسئلة.. 7 نصوص تحاول أن تكون قصيرة جداً


سعد هادي

إلى: عبد الجبار عباس
ملهمتي
أخبرتُ صديقي عن ملاك بهيئة امرأة، يجلس أمامي في المقهى كل يوم ويملي عليَّ ما أكتبه من قصائد.
في اليوم التالي امتلأت المقهى برجالٍ لا أعرفهم، جلسوا صامتين، تتطلع أعينهم بقلق إلى الباب وأمام كل منهم ورقة وقلم.
عندما جاءت المرأة ورأت كل أولئك الرجال ارتبكت وبدا اليأس على ملامحها، تجاهلتني برغم أنني لوَّحتُ إليها بيدي، ثم استدارت وخرجت.
منذ ذلك اليوم لم يعد لديَّ ما أكتبه، صرتُ أجلسُ وحيداً، أراقبُ الأشجار خارج المقهى والمارة والسيارات، وأكررُ لغط الآخرين وهمساتهم ودمدماتهم من حولي.
ولكن عليَّ أن أعترف: لم يكن هناك ملاك بهيئة امرأة، ولم أكن شاعراً، أما المقهى الذي كنت أجلس فيه فكان للرجال فقط.
سارق اللحظات
عاش سارق اللحظات طويلاً، ربما أطول من أي كائن على وجه الأرض، لأنه كان يقتنص لحظةً واحدةً من حياة أي شخص يلتقي به، لحظةٌ واحدةٌ لا غير، لحظةٌ يريد الآخر نسيانها أو تجاوزها أو إخفاءها فيلتقطها هو، كان يستمتع بما يقوم به، يجد لذته في خداعه لضحاياه، في عثوره على أساليب مبتكرة لسرقة لحظاتهم.
في صباح أحد الأيام ذهب ليجلس أمام بركة تحيطُ بها الأشجار، تأمَّل الماء لوقتٍ طويلٍ ثم قال لنفسه: هكذا هي الحياة الحقيقية، أشبه بماء البركة، كل قطرةٍ تنتمي إلى قطرة أخرى وتذوب فيها، تنبثق منها ثم تعود إليها، أدرك أنه لم يعش لحظة واحده تخصّه، ما عاشه هو زمنٌ بلا معنى، فضلاتٌ من أزمنة الآخرين.
نهض بحزنٍ وأطلق كلَّ ما اقتنصه من لحظاتٍ لا تنتمي إليه، حلِّقت اللحظات مثل طيور ملونة وتلاشت في الفضاء، بينما عاد هو ليجلس على صخرة ويتأمل الماء بعينيين غائمتين، لا حياة فيهما.
انتظار
سأظلُّ مضطجعاً على هذا السرير الأبيض، لا أدري إلى متى، جسدي متعبٌ وعيناي غائمتان، تتهادى من حولي أشباحُ من أحببت، لكنني لا أستطيع مناداتها ولا التحدث إليها، فقدتُ صوتي منذ أيام، لم يعد بإمكاني أيضاً أن أدوِّن ما أفكِّر به، لن أترك سوى مسودة قصيدة بعنوان «في انتظار العاصفة» تحت وسادتي، لعل أحدهم سيعثرُ عليها، لا يهمني إن كان سيمزقها أم يأخذها كتذكار، إنها تشبه قصيدته الشهيرة «في انتظار البرابرة»، لكنها قصيدتي، تتحدثُ عن عاصفةٍ قادمةٍ، ستقتلع كل ما يحيط بنا من حقائق وأوهام، انتظرناها ونحن خائفون، لكنها لم تأتِ، مرَّت على أطراف مدينتنا وتلاشت، لا حلَّ لدينا بعدها، كأن حياتنا فقدت معانيها.
أرى حين أنظرُ في المرآة المعلقة قرب سريري وجهاً نحيفاً وشاحباً، ينظرُ نحوي بانكسار، إنه وجهه، وجه الشاعر الأخير الذي تقمصت روحه، هكذا تعودتُ منذ بدأت كتابة الشعر، أتقمصُ أرواح الشعراء الكبار وأتخيلُ أنني أعيش ما عاشوه وأكتبُ قصائدَ تشبه قصائدهم، كنتُ أحرص أن أتقمص أرواحَهم في فتوتها وأتمتعُ بلذائذ الشعر والحياة التي تمتعوا بها، لكنني لسببٍ ما تقمصت هذه المرة روح شاعر يعيش أيامه الاخيرة، حين فقد صوته ورقد على سرير المرض ولم يعد بإمكانه أن يكتب شعراً ولا أن يردده لنفسه أو يقرأه لأحدٍ آخر، كل ما سيتبقى هو القصيدة التي كتبتها، ذيلتها بتاريخ مزيف هو التاسع والعشرين من نيسان 1933، تاريخ مغادرته الغرفة التي رقد فيها لسبعة شهور، غرفةٌ صغيرةٌ بالمستشفى اليوناني في الاسكندرية، غادرها ليحلِّق في سماوات بعيدة، بينما سأظلُّ أنا في رقدتي الأبدية، مضطجعٌ على السريرِ الأبيضِ نفسه، لا أحد سيُعنى بي، لا أحد سيتذكّرني، لا يُضيء عالمي الآيل للزوال سوى شمعة وجيزة تكاد تنطفئ.
سيدة الأحلام
ركضتُ خلف المرأة حاملاً القطعة الجلدية التي سقطت من أسفلِ حقيبتها.
قالت حين رأت القطعة في يدي:
- لا تكلِّف نفسك، أنظر، لقد نمت قطعةٌ أخرى بدلاً عن التي سقطت.
نظرتُ إلى أسفل الحقيبة فلم أرَ فراغاً ولا جزءاً ناقصاً فيها.
- ليس هذا هو الشيء الوحيد الغريب في حقيبتي، ما يوجد داخلها هو الأكثر غرابة.
- ماذا يوجد هناك؟
- أحلام، أتجوَّلُ في الشوارع وألتقط ُأحلاماً، أبحثُ عما تركه الناس خلفهم من رؤى، عن خيالاتهم الشاردة.
استطردتْ حين رأت حيرتي:
- تعال لنجلس على هذه المصطبة، أنا متعبةٌ، أتجولُ منذ الصباح، لكنني لم أعثر على أحلامٍ كثيرةٍ، عثرتُ على حلمٍ عادي في حاوية قمامة وآخر عند باب مقهى وعلى حلمٍ غير مفهومٍ في باصٍ ركبته قبل ساعة، إنه يومٌ بائسٌ، ربما لم يعد الناس يحلمون كثيراً أو أنهم يتمسكون بأحلامهم القديمة التي لم تتحقق.
- أيمكنني أن أرى واحداً من تلك الأحلام؟
- بالطبع، ولكن عليك أن تدخل إلى الحقيبة، يمكنك أن تختار ما تشاء من الأحلام وتراها أو تعيشها.
أضافت بعد لحظة:
- لا يمكنني أن أفتح الحقيبة في ضوء النهار، إذا فعلتُ ذلك ستهرب الأحلام ولن يتبقى منها أي شيء.
- كيف يمكنني أن أدخل إذاً؟
- أغمض عينيك للحظات وتخيَّل وأنت صامت أنك أصبحت هناك.
فعلتُ ما قالته، وبعد برهة رأيتُ نفسي أسيرُ في رواقٍ شبه مظلمٍ، رأيتُ الكثير من الأشخاص فيه، كانوا صامتين، لم ينظر أحدهم إليَّ، ولم أعرف أكانوا أشباحاً أم أخيلةً أم كائناتٍ حية.
حين فتحتُ عينيَّ ثانية لم أجد المرأة إلى جانبي ولا حقيبتها، سمعتُ همهماتٍ ووقعَ أقدامٍ وحفيفَ أشجارٍ، لكنني لم أرَ أحداً، كنتُ أجلسُ وحيداً في مكانٍ ما، وسط ظلامٍ دامسٍ.
ملائكة آليون
تصلني باستمرار رسائل من أشخاص لا أعرفهم، أحد ما يلقيها من تحت الباب ثم يذهب بدون أن يترك أثراً، أقرأها حال وصولها فأجدها تروي حكاياتٍ قديمة أو تجيبُ على أسئلةٍ غامضةٍ أو تتحدثُ عن أحوالِ الموتى في عالمهم البعيد. جرّبتُ أن أكتب ردوداً عليها، ولكن لمن أرسلها فهي تصل بلا عناوين، ليست سوى أوراق صفراء مذيلة بتواقيع أناس رحلوا منذ سنين.
ظلّت تتكدسُ من حولي، مزّقتُ بعضها وأحرقتُ البعض الآخر ورميتُ رسائلَ من الشباك، لكن أولئك الأشخاص أعادوا كتابتها وارسالها من جديد. أنا الآن باختصار أغوص في بحرٍ من الرسائل.
بالأمس وبعد شهور من المعاناة استيقظتُ صباحاً فلم أجد سوى رسالة واحدة، فتحتها وقرأت السطور التالية:
“لن تنقطع الرسائل عنك، هناك ورق كثير في العالم الآخر نريد التخلص منه، لم يعد الملائكة يستخدمونه لتسجيل الخطايا ولا الحسنات، لكل منهم الآن جهاز صغير يسجل فيه ما يراه وما يسمعه، لا أحد منهم يحمل سجلاً ولا قلماً، وربما سيتم استخدام ملائكة آليين بدلاً عنهم قريباً، ليس العالم الأرضي وحده هو الذي يتغير بل عالمنا أيضاً، هناك مليارات الصحائف تحيط بنا، الموتى بكل أجيالهم لا ينقطعون عن الكتابة، يكتبون طوال الوقت رسائلَ وأشعاراً وقصصاً ورواياتٍ ومذكراتٍ ويبعثون بها إلى كل الجهات، ولكن أكداس الورق تبقى كما هي بل تتضاعف يومياً، لا أمل في التخلص منها، لن تختفي سريعاً، هذا هو مصيرنا، هذا هو مصير الكائنات في العالمين الأرضي والسماوي، أن نعيش لنقرأ ما يكتبه الآخرون إلى ما لا نهاية”.
هالووين شرقي
نهض مذعوراً حين رآني أهبط السلم وأنا ألوِّح بالسيف الخشبي وأصيح:
يا أبا كحةٍ خُذْ الحذرَ إنّا- قد شربنا بكأسِ موتٍ زلالٍ
رمى سيجارته وركض نحو الحديقة فركضتُ خلفه مستطرداً:
يا أبا كحةٍ قتلتَ قتيلاً- ما سمعنا بمثلهِ في الخوالي
سقط على العشب فرفعتُ السيف ودمدمتُ وأنا أمرره على رقبته:
- سأذبحك يا فاجر.
ازرَّق لونه وخرج زبدٌ من فمه وهمس وهو يرمقني بنظرة لن أنساها:
- لماذا؟ ما الذي فعلته لك؟
خلعتُ اللحية الشقراء المزيفة مرتبكاً وتمتمتُ:
- أنا جارك العراقي أبو يوسف، أردتُ أن أمزح معك.
ثم انحنيتُ، فتحتُ أزرار قميصه وفركتُ صدره بقوة، ولكن بلا جدوى، أغمض عينيه وأسلم الروح.
لم يرَ أحدٌ ما فعلت، لم أُسجن ولم أُتَّهم، لكنني سأعاقب نفسي بارتداء ملابس الهالووين التي استعرتها من جار فنلندي لما تبقى من حياتي، سأعتمرُ أيضاً منشفةً على هيئة عمامة، سأكونُ مهرجاً، هزأة، مجنوناً، سأهيمُ على وجهي في الطرقات، أروي بلا انقطاع كيف خطرت إليَّ تلك الفكرة الحمقاء، سأواصلُ تقمص شخصية «الحارث ابن عباد» حتى الموت، سأهاجم بسيفي الخشبي شبح «الزير سالم»، كما هاجمتُ ذلك الرجل ذا الرأس الكبير الحليق، الذي سميته أبا كحة، لأنه كان يجلس عند باب العمارة صباح كل يوم، يدخِّنُ ويكحُ وينظرُ إلى المارة كأنه لا يراهم، أردتُ مداعبته فأنهيتُ حياته، كانت تشبه حياتي في بؤسها ومرارتها ولا جدواها، لعله يشبهني في حزني ووحدتي، لعله خيالٌ اخترعته، لعله أنا، لعلي قتلتُ نفسي حين قتلته.
جسد العالم
ظلَّ يفكر بإمكانية أن يتسع أي جسد لروحين، مستنداً إلى ما قاله الحلاج في قصيدة له: نحن روحان حللنا بدنا، لعله «أي الحلاج» لم ينطق عن الهوى ولم يسع لابتكار صورة شعرية باللغة وحدها، أو يجترح فكرة مجردة لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع، بل كان على يقين من أن الحلاج اهتدى إلى طريقة ما اجتمع فيها مع روح أخرى، لكنه لم يُشر هل أن الروح الأخرى شاركته في بدنه؟ أم انتقل هو ليشاركها بدنها؟ أم أن روحه وروح الآخر قد حلتا في بدنٍ ثالثٍ، ظلَّ يسألُ حيثما ذهب عن إجابةٍ شافيةٍ، ظلَّ يبحثُ عنها بنفسه كلما جلس وحيداً، ظلَّ يعيد ترديد ما قاله الحلاج، ظلَّ يؤلف صوراً في خياله عن الأرواح والأجساد وما الذي يجمع بينها أو يفرِّقها، حتى تسربت روحه من جسده وحلَّت مع أرواحٍ لا تحصى، تقطن منذ الأزلِ في جسدٍ وحيدٍ، لا بداية له ولا نهاية، هو جسد العالم.
أسبو- فنلندا



المشاركة السابقة : المشاركة التالية