جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


اللاجئون الآثوريون في مخيم بعقوبة..من أرشيفات وزارة الخارجية البريطانية


أعداد المادة: د.جولييت دسبلات (قسم السجلات والبحوث)
ترجمة وتحرير: عبدالسلام صبحي طه

في بداية الحرب العالمية الأولى، حارب الآثوريون* القادمون من بحيرة اورمية ( محافظة اذربيجان غرب في ايران الحالية)، والواقعة قرب الحدود مع بلاد النهرين (العراق الحالي)، مع روسيا القيصرية (المسيحية) ضد العثمانيين (المسلمين) .
في عام 1916، فرّ ما يقرب من ثلاثة آلاف مقاتل آثوري من منطقة جبال هكّاري الواقعة جنوب شرق تركيا يلاحقهم الأتراك والأكراد، ووصلوا إلى منطقة بحيرة اورمية في إيران (وكانت تحت سيطرة جيش القيصر). عندما انسحب الجيش الروسي إثر ثورة البلاشفة عام 1917، واصل الآثوريون مقاومتهم في مستقرهم الجديد.
في تموز من عام 1917، اقترح الحلفاء على الآثوريين في ارومية اختراق الخطوط العثمانية على أن يجري دعمهم بالعتاد والذخائر من قبل الحلفاء، ثم العودة إلى اورمية برفقة ضباط بريطانيين. بمجرد أن غادر معظم المقاتلين اورمية، أنحدر العثمانيون من الشمال وتقدموا باتجاه البحيرة، وهرب أولئك الذين تخلفوا في الجنوب، طالبين الحماية خلف الخطوط البريطانية. قتل العثمانيون عددا كبيرا منهم وقضي آخرين جوعًا قبل أن يتمكن البريطانيون من إنقاذهم (الوثيقة (AIR 20/508.
إثر ذلك، أقامت سلطات الاحتلال البريطاني في بلاد النهرين، معسكرًا للاجئين الآثوريين قرب مدينة بعقوبة على نهر ديالى، شمال شرق بغداد. كان البعوض والذباب منتشرًا بكثرة في كل مكان، وجرى إيواء الماشية بالقرب من موقع إمدادات المياه المؤقت (وعندما اعترض المسؤول الطبي قيل له إنه لا يوجد موقع آخر ممكن)، انتشرت أمراض الزحار والحمى. مع مرور الوقت، أخذت الأمور بالتحسن. كان العلاج الطبي فعالًا إلى حد ما، وكانت الحصص الغذائية مماثلة تقريبًا للتي يجري تقديمها إلى أسرى الحرب الأتراك، فتحسنت الحالة الصحية للاجئين، وانخفضت معدلات الوفيات بشكل كبير (الوثيقة (WO 95/5238/7 .
صفوف من الخيام لإيواء اللاجئين في مخيم بعقوبة على ضفاف نهر ديالى. الوثيقة CN 5/2/397
ومع ذلك، ظلت الظروف صعبة. خلال صيف عام 1919، كان الجو حارًّا جدًا. فقد تجاوزت درجات الحرارة داخل الخيام 50 مئوية، واستمرت مضخات المياه في التعطل واضطر الناس إلى الحصول على المياه من القناة المجاورة ، مما أدى إلى تفشي مرض الزحار (الوثيقة .(WO 95/5238/8
مخطط بياني يبين درجات الحرارة في بعقوبة لشهر تموز من عام 1919، رقم الوثيقة WO 95/5238/8
بحلول نهاية عام 1919 ، كان هناك حوالي ثلاثون ألف آثوري في بعقوبة. كانت قضية تمويل خطط الاستيطان المؤقت إحدى القضايا الرئيسة للسلطات البريطانية.
في 23 تموز من عام 1920، صرّح هوبرت يونغ، من وزارة الخارجية البريطانية: «لا نود الدخول في سجالات بلا طائل حول هذا الموضوع»( الوثيقة (FO 371/5126.
يضم الأرشيف الوطني البريطاني سلسلة من المذكرات لمسؤولي الحكومة البريطانية آنذاك، كاللورد كرزون وزير الدولة للشؤون الخارجية، وونستون تشرشل وزير الدولة لشؤون الحرب، وإدوين مونتاجو وزير الدولة لشؤون الهند، وأوستن تشامبرلين وزير الخزانة. وهذه المذكرات توضح بما لا يقبل الشك أنهم قد أمضوا الكثير من الوقت في الاختلاف على كل شيء.
بحلول تشرين الثاني من عام 1919، بلغت الكلفة اليومية لإدامة معسكر اللجوء في بعقوبة 6500 جنيه إسترليني. وقد تحمل مكتب الحرب كامل التكاليف، مع دعم إضافي من ميزانية الجيش. كان مكتب الحرب مُصِرًّا على أن المسؤولية يجب أن تقع على عاتق الإدارة المدنية في بلاد النهرين، وقد ردت الإدارة المدنية آنذاك، بشكل متعجرف نوعًا ما، بأن هؤلاء اللاجئين هم نتيجة حملة عسكرية، ومن المنطقي أن تكون السلطات العسكرية مسؤولة عنها.
في تشرين الثاني من عام 1919 ، اقترح وزير الخزانة أن تتحمل وزارة الخارجية المسؤلية، وينبغي ترتيب الأمور إما عن طريق تنظيم إعادة اللاجئين الآثوريين إلى أوطانهم (تركيا وإيران) أو عن طريق تأمين مستوطنات محلية ثابتة لهم في بلاد النهرين. وقد علقت وزارة الخارجية بعد أيام قليل ، إثر ذلك :
«فيما يتعلق بالاقتراح بأن وزارة الخارجية يجب أن تكون مسؤولة ماليًّا عن تكاليف المعسكر في بعقوبة، فمن وجهة نظر وزارة الخارجية، القضية عرضة للتحديات التي لا يمكن التغلب عليها، فليس لوزارة الخارجية أدنى خبرة بإدارة هكذا معسكرات، ولا يتوفر لديها كادر مؤهل للقيام بمثل هذه المهمة (الوثيقة (CAB 24/93/96، وخلصوا إلى القول “إن على مكتب الحرب تحمل التكاليف”. احتج مكتب الحرب بالقول إنه لم يملك أي قول بالتعقيدات الدبلوماسية التي تسببت لاحقًا بالأعمال العسكرية، وبعدها تحمل هذه النفقات، والمكتب لا يتمكن حتى من اتخاذ الخطوات اللازمة لتقليل التكاليف بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإعادة اللاجئين الآثوريين إلى أوطانهم.
مذكرة من وزير الدولة للشؤون الخارجية، ٢٤ نوفمبر ١٩١٩.رقم الوثيقة CAB 24/93/96
كان تشرشل منزعجًا بشكل خاص لأنه كان يضّخم النفقات العسكرية بشكل مبالغ به، وبالتالي أعطى انطباعًا خاطئًا عن التكلفة الفعلية للحملة العسكرية في بلاد النهرين، بمرور الوقت أصبحت ملاحظاته ونبرته أقل دبلوماسية.
في السابع من حزيران عام 1920، أورد تشرشل الملاحظة التالية: “أين نحن الآن من هذه القضية؟ هل جرى إنهاء متعلقات إعادة اللاجئين إلى أوطانهم؟ متى سننفض أيدينا منهم؟ ما هي الخطوات التي علينا اتخاذها للأسراع بترحيلهم؟
في السادس والعشرين من شهر تشرين الثاني، كتب ملاحظة مقتضبة، ورد فيها: “لابد من الشروع بتنشيط حملة بالضد من دفع بنس واحد فوق تقديرات الميزانية الحالية للجيش بعد السنة المالية الحالية”(الوثيقة WO 32/5231).
ملاحظات ونستون تشرشل، 7 حزيران و 26 تشرين الثاني 1920. رقم الوثيقة WO 32/5231
في 12 كانون الثاني من عام 1921، أبلغ مكتب الحرب المفوض المدني البريطاني في بغداد أن الجيش سيتوقف عن الدفع اعتبارًا من 31 آذار وأن عليهم إيجاد منفذ آخر. اتخذ وزير الدولة لشؤون الهند وجهة نظر مختلفة في التعامل مع الامر، وكتب في 16 تشرين الثاني 1920:
«قد يكون من المناسب تذكير مجلس الوزراء بأن إيواء هؤلاء اللاجئين ومن ثم التخلص منهم، هو كالتنازل عن كلمة شرف، من المستحيل على حكومة جلالته التنصل منها»، (الوثيقة (CAB 24/115/1.
كانت مسألة عودة اللاجئين الآثوريين ذات أهمية قصوى ، ولكنها معقدة للغاية. فعلى الأرض كانت هناك مجموعتان منفصلتان من الآثوريين: بعضهم جاء من جبال هكاري في تركيا (آثوريو التلال أو الجبليون)، والآخرون من منطقة سهل أرومية في أيران .
وقد طُرح مقترح إعادة الأروميين إلى ايران عبر همدان في البداية، ومن بعدهم الجبليون إلى هكاري عبر الموصل. احتج البطريرك الآثوري على الفور، كون المقترح سيقضي على الوحدة الوطنية، لذلك تقرر دمجهم جميعًا معًا.
في نيسان من عام 1920، أبرق آرنولد ويلسون، المفوض المدني البريطاني في بغداد، مقترحات لإعادة الآثوريين إلى منطقة تقع ما بين بلاد النهرين وأيران، حيث اعتقدوا أنهم يستطيعون حماية أنفسهم دون مزيد من المساعدة من بريطانيا. وذكر: «أن الآثوريين كانوا يطلبون فقط أسلحة للدفاع عن أنفسهم وإعادة تنظيم أنفسهم مرة أخرى لتشكيل مجتمع مستقل»، (الوثيقة (CAB 24/108/72.
في منتصف آيار 1920 ، نقل السفير الأيراني مذكرة شديدة اللهجة من حكومته. ورد فيها:
«عودة مثل هؤلاء الأشخاص المضطربين المليئين بالعداء تجاه الأكراد وغيرهم من سكان تلك المقاطعة، المعادين بالأصل للنساطرة (الآثوريين) لن يؤدي إلا إلى تكرار المشاهد الدموية التي حصلت في السنوات القليلة الماضية (رقم الوثيقة FO 371/5125).
وأشار أيضًا إلى أن العديد من هؤلاء الأثوريين كانوا في الواقع من الرعايا الأتراك الذين فروا إلى إيران فقط خلال الحرب. لذلك رفضت ايران تحمل أي مسؤولية. وسرعان ما اتخذ القرار بعدم إعادتهم إلى الاراضي الإيرانية .
رسالة الحكومة الأيرانية، مايس 1920. رقم الوثيقة FO 371/5125
بحلول تشرين الثاني من العام 1920، تمركز الآثوريون في ولاية الموصل وتفاقمت صعوبات العودة إلى الوطن بسبب أندلاع ثورة العشرين في العراق. حاولوا الهروب، لكن كان عليهم أن يشقوا طريقهم بصعوبة بالغة بمرور الوقت، فأصبح من الواضح أن خطة الإعادة إلى الوطن قد فشلت.
طالب القادة الآثوريون، ممثلين بــ (السيدة سورما من اورمية والجنرال آغا بطرس من بلاد النهرين)، بمنحهم حكمًا ذاتـيًّا. فقبلوا أن يكونوا جزءًا من العراق الوليد، بشرط بسط مظلة الحماية البريطانية المباشرة عليهم، وفي عام 1923 أخذوا مطالبهم إلى مؤتمر لوزان ( رقم الوثيقة (CO 1073/169.
خريطة توضح مقترح الأقليم الآثوري المستقل والتي قدمها القادة الآثوريون في مؤتمر لوزان 1923.رقم الوثيقة CO 1073/169
لم يتحقق حلم الأقليم الآثوري المتمتع بالحكم الذاتي، وجرى تفريق الآثوريين وتوزيعهم على عدة مجموعات صغيرة في العراق. وقد واصلوا سعيهم لإقامة أقليمهم على الرغم من استقلال الدولة العراقية عام 1932، وقد قدموا التماسًا إلى عصبة الأمم للحصول على الحكم الذاتي والحماية وضمان حرية الهجرة إلى خارج العراق في حالة حدوث عنف ضدهم، وباءت محاولاتهم بالفشل، ويبدو انهم اندمجوا مع بقية سكان العراق واصبحوا جزءًا منه، وشاركوهم افراحهم واتراحهم. حيث يحسب لهم موقفهم تشكيل قوة من مقاتليهم للمشاركة في حرب تحرير فلسطين عام 1948 ، وايضا مشاركتهم في حرب الثماني سنوات بين العراق وايران الى جانب مواطنيهم من العراقيين.

نصب تذكاري في بعقوبة عام 1920. رقم الوثيقة: FO 371/5176



المشاركة السابقة : المشاركة التالية