جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


صورة الجسد وتحولاته .. معاينة لتحولات الجسد في رسومات «كريم سعدون»


حيدر عودة
واحدة من المشاغل الكثيرة والتحديات المعقدة التي يتوجب على الفنان التشكيلي المعاصر مواجهتها، تكمن في أن يقدم للجمهور صورة غير مألوفة للواقع أو رؤية مختلفة للوقائع، أو تعليقا عبقريا لما تعودوا سماعه أو رؤيته من حولهم.
لذلك يجدر بالفنان أن يفكر دائما في ابتكار لغة خاصة به، تكون مختلفة عن أقرانه من الفنانين وتصوراتهم للعالم والأشياء المحيطة.. لنتخيل تلك المهمة، غير اليسيرة، التي على الفنان القيام بها، لكي يكون «عمله الفني» مؤثرا وفاعلا وربما خالدا. وفي ذات الوقت، غالبا ما يواجه تلك التحديات لوحده، مع  لوحته وأدواته القليلة؛ كأن العالم كله، يستحيل لمجرد خطوط متشابكة، وألوان مندلقة على قطعة قماش بالكاد تثبت لخفتها. لكن العمل الفني ليس ما يُرى من جبل الجليد العائم فوق سطح البحر حسب، بل هو الجزء المخفي في العمق أيضا. وهنا يتمثل «العمل الفني» وجوده وقيمته الإبداعية في الفن كمفهوم متعدد القراءات والمدلولات المتحركة خارج حدود الجزء المنظور منه. كما ان العمل الفني، إلى جانب قيمته الجمالية وتفرده كقطعة فريدة؛ بات يُرى بعين أخرى تغوص نحو المخفي وتخرجه من عزلته أو إهماله إلى معترك الواقع، لكي يعيد ترتيب الوقائع الحياتية ويهز المسلمات الفكرية أو الفنية، أو ليكشف عن تفسيرات مختلفة للعالم وللوجود الإنساني ومشاكله المتنوعة والمعقدة في آن.

في إحدى المناسبات كتب الفنان والناقد «عادل كامل»: (( كريم سعدون لا يقفز فوق محنة الرسم المعاصر في العراق، منذ جيل الرواد في منتصف القرن الماضي، وأحلامه، هي الأخرى، لا تقفز فوق مكوناتها أو شروطها . إنه قد يخفي دينامية ما، داخل أقنعة الرسم، ولكنه كلما توغل في التستر، يزداد وضوحاً . فالسر، كلما اجتهدنا في إخفائه، فضحناه. فكريم، بحساسية أولية، يشتغل برؤية قابلة للقياس، وفي الوقت نفسه، لا يغفل المناطق الأبعد. انه يرسم لكي يصبح رساماً ، أي يشتغل بالرسم)).
أجدني قريبا إلى حد ما، من توصيف «كامل» لحالة الرسام نفسه، المنشغلِ بالرسم كفعل إبداعي وكوجودٍ شخصي للفنان، وعملِ توازان بين الغنائية الواضحة في مواضيعه، وبين فعل الرسم الإبداعي نفسه كموضوع لا ينفصل عنه. لذلك نرى علاقته المباشرة بالرسم من خلال معالجاته للسطح التصيري وخلق كثافة في الألوان واستخدامه لمواد وخامات تنسجم مع رؤية العمل وحسيتها الخاصة. وكما يبدو هو أقرب للرسم منه لفكرة مفهوم الفن كيفما يكون، والحفاظ على قدر أكبر من قيمته الجمالية والحسية. وفي معاينة قريبة من شخوص لوحاته الساكنين، نراهم رُسِموا بخطوط نحيلة مختزلة تحاكي رسومات الأطفال، عاجزين عن الحركة، ينطون من كتل الألوان أو يختفون في متاهات الخطوط وعتمتها، كأنهم ظلال جنود مفزوعين من هول المعارك، يبحثون بلا دليل عن مصائرهم المجهولة مرة، ويحلقون بشكل أفقي  حول أماكن فقدانهم مرة أخرى.
ظل «كريم سعدون» لوقت طويل يراقب ويعاين ويؤرشف-رسما- الجسد الإنساني، كموضوع ملهم وكنص لا يكتمل، فعلامته متغيرة الدلالة ونظامه السيميائي متفردا بذاته. جسد حالم بموت سرمدي نادر.. هذا الجسد، الذي يتحول معه الفنان إلى ذات بديلة، تأملُ من عالم اللوحة حياة أخرى وتنشد وجودا بعيد المنال، يتنقل وإياه من عالم لآخر ومن حالة لثانية ومن خيال لخيال، يستعيد معه أمكنة بعيدة وذكريات مؤلمة وأخرى عزيزة وسط عوالم تظهر مرة وتعود تختفي مرة ثانية، وحالات نفسية تضيق فيها الأمكنة وتتلاشى دهشة الطفولة وبراءتها. الجسد في رسوماته يتمثل ذاته ويتبادل معه وجود الفنان نفسه. فنرى تحولات الجسد المرسوم هي أيضا تحولات جسد الفنان وتبدلات هيئته وذاته في وجود قلق ينشد مكانا لا يبدو موجودا إلا في عالم اللوحة. وعادة ما يعمد لإخفاء الجسد البشري تحت طبقات الألوان، ويُغيِّب تفاصيله من خلال الخطوط والعلامات، كأن هذا –الجسد- يتعذَّب من خلال عملية الحذف وإعادة رسمه مرة إثر مرة، لتقترب صورته من فكرة الحياة والموت ثم انبعاثه مجددا، كأني به يعيد تمثيل مشهد موت الجسد كواحد من الطقوس اليومية، التي تحدث يوميا، وتنتشر على شاشات الأخبار في كل مكان وفي الأحاديث الجانبية وخطب السياسيين وغيرهم، بل تحول مشهد إعادة –تمثيل- الموت «مجازا» إلى حالة تلازم يومياتنا من دون تأثر أو إهتمام!!. وكريم سعدون هنا كمن يؤبن عالمنا برسمه للجسد معذبا، يتكرر موته يوميا، ثم يعاد تمثيله من دون حدوث حالة -تطهر- للأخرين «المشاهدين» مثلما كانت تحدثه المآسي المسرحية الإغريقية قديما، حيث كان -التطهر- هو الغاية التي تنشدها عروض المآسي وقتذاك. وعلى اتساع عالمنا اليوم وتوسع شاشات عروضه ويومياته الألكترونية، وقد بات الجمهور لا يدرك الأشياء إلا كونها –قصة- تمر بأقل عدد من الثواني فقط!.  لم تعد صورة الجسد معذبا تحرك شيئا من مشاعرنا، ولا موته حتى، بل ربما سيتحول إلى طقس للتذكير بحياة تتبدى من دون معنى. فهذا الجسد، كما يبدو، هو «البطل المأساوي» الذي سوف يُخلد بقوة التأويل ومؤولوه.
يلجأ «كريم سعدون» أحيانا لتكنيك التكرار في محاولة للبحث عن جمالياته أو التأكيد على ثيمة معينة ودراستها بوضعيات متعددة، والكشف عن نقاط تأثيراتها وتحولاتها. فنراه يضع شخوصه في أكثر من موقف وحالة، معززا ذلك بإضافة مفردة أو أكثر، مثل: (كرسي، دراجة، أجزاء إكسسورات صغيرة غير محددة، وغيرها) كأنه بذلك يعمد لوضعنا-نحن الجمهور والمتلقين- أمام مشهد درامي أو سينمائي، نتابع من خلال لوحاته حالات شخوصه وتحولات أجسادهم. ثمة تكرار واضح، كما أسلفت، لبعض الأشكال لتبدو كأنها لقطات متتابعة لمشهد واحد. لكنها تحولات تفصل بينها أزمنة ليست قصيرة، وأحداث غير عابرة. بل هي لحظات فاصلة بين تواريخ شخصية وأخرى جماعية، شكلت منعطفات مهمة في حياة الفرد والمجتمع عموما. ولو تمعنا قليلا في لوحاته خلال السنوات الخمس الأخيرة أو أكثر قليلا، نلاحظ أنه يكرر من شكل «الرجل المُقْعَد»، كأنه حالة مقتطعة من روتين الحياة اليومية، أو تعبير عن حالة عجز  يمر بها الإنسان في أوقات معينة. أو ربما هي حالة مرَّ بها الفنان نفسه أثناء إقامته في «السويد» بسبب طبيعة الطقس البارد وموسم هطول الثلوج الطويل، الذي لم يعتد عليه فنانو الشرق. لكنها ليست كذلك عندما يلتقطها الفنان ليتفحص معناها الخفي وتأثيرها العميق في النفس، وينتشلها من إحباطها ويرفعها نحو أمل ملوّن يحيط بفضاء أمكنة شخوصه، لكي يعيش المتلقي التفاصيل الخاصة بحياتهم ويتمعن في مفردات يومياتهم المهملة وظلال ذكرياتهم ووجودهم القلق. 
غالبا ما تحمل ثيماته؛ إضافة إلى شخصيات تعيش عزلة مكانية أو أزمة نفسية، إشكالية في طريقة التعبير والتقديم، لذلك هو لا يكف عن تجريب خامات متنوعة يرسم عليها أو يطوعها للرسم فتتغير وظيفتها وتتعدد مدلولاتها ويختلف تأثيرها. وفي أحيان أخرى يزج بأكثر من شخص في اللوحة، تتطاير فيها أجسادهم الخفيفة وتفقد توازنها، وتاخذها رياح الوجود في مهب الغياب، كأنه يريد أن يخفف عنهم ألم العزلة والوحدة، فيلجأ لإستخدام الألوان الباردة أحيانا والحارة أو الداكنة أحيان أخرى، لكن هذه الثيمة قد تبدو، من وجهة نظر أخرى،  تأكيد على عزلتهم أكثر من نفيها، وإنشطار لذات مأزومة وروح منكسرة، تواجه صورتها المنعكسة في مرآة الذات وجها لوجه. هذا الشعور تجاه أشكال شخوصه يشبه، إلى حد قريب، وجود (حيوان أو طير) يشارك حياة شخص وحيد، وهو ليس أكثر من عزاء لغياب اجتماعي موجع ووحدة قاسية تعيشها المجتمعات الأوربية عموما. وفي مكان ليس ببعيد عنها، يعيش أيضا الإنسان العربي تلك الحالات ويشترك في أزمة الوجود عينها، لكن ليس بسبب برودة الطقس أو وفرة ثلوجه، بل لسبب آخر يكمن في طبيعة نُظمنا الأخلاقية والسياسية، التي ساهمت في خراب مجتمعاتنا، وإنهاء معالم حداثتها المبكرة وتعطيل منظومة الأمل فيها وانتهاك تقاليدها الثقافية والإجتماعية وأُفول أحلامها المتكرر.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية