جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


في تأويل الحكاية :حكايةُ حفرُ زَمزَم


محمد حبيب مدخـل
ينفتح النص السردي العربي القديم على مستويات متعددة من القراءة والتأويل ، سواء تعلق الأمر ببنائه الشكلي ، ام في البحث في دلالاته ومقاصده ، فهو فضلا عن كونه نصا
»  :  مكتمل الحكائية على مستوى الشكل وتضافر المكونات القصصية ، نجده زاخرا بالدلالات والمعاني التي تجعل منه حقلا خصبا يغري بالاستنطاق والقراءة والتحليل ، وليس أدل على ذلك من وفرة وضخامة وتنوع الدراسات التحليلية التي رافقت كتاب ( ألف ليلة وليلة ) منذ ظهور طبعته الاولى حتى الوقت الحاضر ، بوصفه نصا سرديا يتأسس على محكيات تخيلية تقوم شهرزاد بروايتها في مجلس شهريار درءا للموت من ناحية ، ولتحقيق «قيمة اعتبارية» من ناحية أخرى ، تتلخص في تغيير وجهة نظر الملك تجاه المرأة . الأمر الذي يعطي صورة مشرقة لهذا النص ، ويفتح الافق امام دراسات جديدة لنصوص اخرى من التراث العربي . وهو ما تحاول هذه القراءة الوصول اليه من خلال الوقوف على نص سردي من التراث العربي ، والسعي الى قراءته واستنطاقه برؤية حديثة ، متوجهةً في البدء الوقوف على تشكلات بنائه وتمظهر عناصره القصصية ، ثم محاولة اكتناه ابعاده الدلالية ومقاصده التي يرمي اليها . والنص المختار للتحليل هو حكاية ( حفر زمزم وماجرى من الخلف فيها) ضمن كتاب السيرة النبوية لابن هشام . قصدية العنوان يتعين العنوان في النص بوصفه علامة لسانية تحيل الى مضمونه ، بحسب لوي هوك ، ويحدد جيرار جينيت للعنوان اربع وظائف يرتبها على النحو الآتي : الوظيفة التعينية ، التي تعين اسم النص وتعرف به القراء ، ثم الوظيفة الوصفية ، ويقصد بها الوظيفة التي يقول العنوان عن طريقها شيئا عن النص (الموضوعاتية) ، ثم الوظيفة الإيحائية التي يراد بها قدرة العنوان على الإيحاء والإحالة والتأويل ، ثم الوظيفة الاغرائية التي تهدف الى جذب القارئ الى النص . وفي النص الذي امامنا يحقق العنوان لوظائفه وجودها الفعلي المتكامل ، فهو : * يعين اسما للنص ويعرف به ، و : * يقول شيئا عن المتن ( حفر بئر زمزم وماجرى من خلاف عليها ) ، و : * يوحي بأن ثمة أحداثا تتشكل منها واقعة ( حفر زمزم ) ، و : * يجذب اليه القارئ بوصف بئر زمزم مَعلَما إسلاميا ، والتعرف على تاريخه أمر يدخل ضمن مجموعة معارف يحرص كل مسلم على التزود منها . والعنوان وفقا لهذا التحليل ، يرتبط ارتباطا وثيقا بالنص ، بل يكاد أن يكون تكثيفا للمتن ، فيما يأتي المتن تفصيلا للعنوان ، فكل ما يَعدّ به العنوان سيقوم المتن بالإيفاء به . إن عنوانا كهذا الذي يضعه ابن إسحاق مؤشرا ايقونيا لإيجاز تفصيلات الحكاية تمهيدا لمباشرة المتن في الإبلاغ وتشكيل عناصر السرد لابد أن يضع ما سيقوم الراوي بتفصيله ضمن نطاق ما يعرف بالمقدس ، حيث التجاور الوثيق بين بئر زمزم وبيت الله الحرام من جهة ، وحيث ارتباط المكان رمزيا بـ « إسماعيل « عليه السلام الذي « أنبطه الله ماء زمزم لما أراد من عمارة بيته وسقاية الحجيج « من جهة ثانية . ثَراء الحكاية يتأسس مستهل الحكاية على الحوار ، بحسب رواية الإمام علي بن ابي طالب (ع) ، التي يعتمدها ابن اسحاق منطلقا لبدء الحكي : ( قال عبد المطلب : إني لنائم في الحجر اذ اتاني آت فقال : احفر طِيبة. قال : قلت : وما طيبة؟ قال : ثم ذهب عني . فلما كان الغد رجعت الى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال : احفر بَرّةَ . قال : قلت : ومابرة ؟ قال : ثم ذهب عني ، فلما كان الغد رجعت الى مضجعي فنمت فيه . فجاءني فقال : احفر المضنونة . قال : فقلت : و ما المضنونة ؟. قال : ثم ذهب عني . فلما كان الغد رجعت الى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال : احفر زمزم ، قال : قلت : ومازمزم؟ قال : لاتَنزِف ابدا ولاتُذمّ ، تَسقي الحجيج الأعظم ، وهي بين الفرث والدم ... ) . ووظيفة الحوار هنا تعريفية كما يتضح ، فهي تعرف بالمكان اولا وبمنزلة الشخصية الحكائية بعد ذلك . لكن اللافت في هذا الحوار هو التسميات المختلفة للمكان ، فهو طِيبة ، وبرّة ، والمضنونة ، وزمزم ، وهو تعدد لايخلو من دلالة ، مادام الامر متعلقا ببيت الله وسقاية الحجيج ، فطيبة لانها للطيبين ، وبرة لانها فاضت على الابرار ، والمضنونة للضن بها على غير المؤمنين ، واخيرا زمزم المكان المعروف بقدسيته . اما الشخصية فهو عبد المطلب جد الرسول ( ص ) الذي يروى انه رأى سلسلة خرجت من ظهره فتحولت الى شجرة كبيرة ، في إشارة الى مبعث الرسول والى منزلة ذريته عليهم السلام من بعده. وهو مستهل يضعنا منذ البدء امام حكاية توحي ان ثمة تلازما بين ما افتتحت به من رؤية ايمانية وماسيسهم في تشكيلها من احداث ورؤى وفضاءات . بعد هذا الاستهلال الحواري تبدأ احداث الحكاية بالتشكل ، فيذكر ابن اسحاق انه لما دُلَّ عبد المطلب على موضع زمزم ، اخذ معوله بصحبة ابنه الحارث فحفر فيها ، فلما أدرك حاجته منها ، طالبته قريش بإشراكها فيها ، فلما أبى ذلك خاصمته عند كاهنة بني سعد ، وكانت في اشراف الشام ، فبينما هم في طريقهم الى اشراف الشام ،» والارض إذ ذاك مفاوز»، فَنِيَ ماءُ عبد المطلب واصحابه ، فظمئوا حتى قاربوا الهلاك ، فاستسقوا قبائل قريش ، فأبوا عليهم ، وقالوا : إنا بمفازة ونخشى على انفسنا مثل ما اصابكم ، فلما رأى ذلك عبد المطلب ، اشار عليهم ان يحفر كل رجل حفرة لنفسه ، فإذا مات واروه فيها ... والنص الآتي يضع خاتمة لهذه الرحلة : ( ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا ، ثم ان عبد المطلب قال لاصحابه والله ان القاءنا بايدينا هكذا للموت ، لا نضرب في الارض ولانبتغي لانفسنا : لَعَجْز ، فعسى الله ان يرزقنا ماءً ببعض البلاد ، ارْتحِلوا ، فارتحَلوا . حتى اذا فرغوا، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون اليهم ماهم فاعلون ، تقدم عبد المطلب الى راحلته فركبها ، فلما انبعثت به ، انفجرت من تحت خفها عينُ ماء عذب ، فكبّر عبد المطلب وكبّر اصحابه ، ثم نزل فشرب وشرب اصحابه واستقوا حتى ملئوا اسقيتهم ، ثم دعا القبائل من قريش ، فقال : هَُلُُمّ الى الماء ، فقد سقانا الله ، فاشربوا واستقُوا ، فجاءوا فشربوا واستَقَوا ، ثم قالوا : قد والله قُضي لك علينا ياعبد المطلب ، والله لانخاصمك في زمزم ابدا ، ان الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم ، فارجع الى سقايتك راشدا ، فرجع ورجعوا معه ، ولم يصلوا الى الكاهنة ، وخلوا بينه وبينها ) . يخلو هذا المقطع من الوصف ، باستثناء جملة ( والارض اذ ذاك مفاوز ) التي ترد اعتراضية في سياق السرد المتتابع الذي يطغى على الحكاية ويشكل مفاصلها ، لتعطي صورة عن طريق الرحلة ، وتمهّد للحدث القادم المتمثل بنضوب ماء اصحاب عبد المطلب ، لكن اللافت هو انتقال الحكاية من السرد الواقعي في جزئها الاول الى السرد العجائبي الذي يجسد احداثا غير قابلة للتفسير ، تشكّل « مفارقة عنيفة للواقع « ، فكيف نبرر هذا الانتقال ؟. يرتبط هذا الانتقال ارتباطا وثيقا بالمستهل السردي او الرؤيا التي خُصَّ بها عبد المطلب ، وبخلافه على حفر زمزم مع قريش ، لتأكيد دلالتين ، الأولى : هي ان تخصيص هذه الرؤيا بعبد المطلب لم يكن عفويا ، انما جاء لتثبيت منزلته بين قومه بوصفه الجد الاول للرسول ، ولكونه كذلك لابد أن تنطوي افعاله على ماهو خارق لتجعله جديرا بهذه القرابة من الرسول ، والثانية : لتأكيد احقيته ببئر زمزم وسقاية الحجيج دون سواه ، وهو ماتؤكده خاتمة الحكاية: ( فرجع ورجعوا معه ، ... وخلوا بينه وبينها ) . وترسم الحكاية لعبد المطلب صورة مغايرة لخصومه من قريش ، فبينما هم يحاولون اغتصاب حقه في زمزم ، رغم توقيف الامر عليه بوحي يأتيه في المنام ، يرتضي هو مشورتهم الى الاختصام عند كاهنة بني سعد ، وبينما يضنّون هم على قومه بالماء ، يبادر هو الى سقايتهم . فعبد المطلب الذي سيصبح جدا للرسول فيما بعد ، لابد أن ترتسم له في الذاكرة التاريخية صورةٌ مشرقة ، حتى لو اقتضى ذلك إعمال المتخيل في بلورة ملامح هذه الصورة ، وهو تقليد لا تخلو منه معظم الحكايات في التراث العربي ، فلكي يشكل مبعث الرسول علامة مضيئة في التاريخ العربي ، لابدّ له من ماضٍ ينطلق منه ، وقد حفل هذا الماضي بالكثير من الشخصيات التي تكاد ان تكون معظم اعمالها واقوالها بمثابة التأسيس الاول لفكرة الاسلام من ناحية ، ومبعث الرسول من ناحية اخرى . وقد ظل الراوي بعيدا عن التدخل في الحكي ، او التعليق عليه ، فهو يورد الحكاية كما سمعها او كما وصلت اليه ، بوصفها تندرج في دائرة المقدس العجائبي ، الذي لا يمكن معه إيجاد تفسير لخطاب التعجيب الذي تنبني عليه الحكاية من جهة ، و لا يمكن التشكيك في وقوعه من جهة ثانية ، ما حتّم على الراوي أن يلتزم الموضوعية والحياد وهو يسرد وقائع الحكاية، فليس من شأنه إعادة ترتيب الوقائع ، وبناء حكاية جديدة وفق رؤيته هو ، بقدر عنايته بإيصال المضمون البليغ للحكاية ، التي هي اقرب ما تكون الى حكاية «عبد المطلب» منها الى حكاية «حفر زمزم» وما جرى من خلاف على ملكيتها . هذا ما تنهض الحكايةُ بقوله ، لكنها من ناحية اخرى ، قادرةٌ على مراوغة القراءة ، وقَولِ أشياء اُخر ...º



المشاركة السابقة : المشاركة التالية