جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


المصور الفوتوغرافي احمد منصور..تخليق علاقات (عناصر الصورة) بزاوية الالتقاط


خالد خضير الصالحي

ان التجربة الفوتوغرافية للمصور المصري احمد منصور، ترتكز في الدرجة الأساس في البحث عن زاوية التقاط استثنائية فقط، فهو قادر على تحقيق درجة مهمة من ذلك، بل هو يبحث عن زاوية التقاط تخلّق المشهد تخليقا حينما تجمع تلك الزاوية شتات العناصر المادية المكونة للصورة، فكان يفعل ذات التشاكل الصوري الناتج عن جمع عناصر لا يمكن جمعها منطقيا او زمانيا او مكانيا، وهي التقنية ذاتها التي كان يستخدمها ابرز رسامي السوريالية:
سلفادور دالي، وماكس ارنست، ورينيه ماغريت، الا انه لم يكن ليحتاج الى ترتيب عناصر المشهد يدويا على مسرح الحدث؛ انما كان يختار زاوية التلصص الأمثل التي تجمع عناصر الصورة بترتيب (خلاق)، او ربما بترتيب صادم يخلق اكبر قدر من الادهاش، والانزياح في الصورة مما يفجر شاعريتها الى حدوده القصوى..

ان المصور احمد منصور يعامل زاوية اللقطة باعتبارها نمطا من (الوضع الأمثل) الذي ترتكز عليه هندسة الصورة ومستوياتها البنائية، وتوزيع عناصرها المادية، وكثيرا ما كان يختار ثقبا ليصنع منه مدخلا للجمع مع مستوى ادنى او مع (خطوط خلفية) في الصورة، كما في الصور الني يظهر فيها شخص يظهر من بعيد عبر ثقب الة الإيقاع (الطبلة)، او الطفل القافز الى النهر منظورا له عبر احدى حلقات سلسلة ملقاة على الشاطئ، او ان تتخذ اللقطة مكانا مرتفعا عن مستوى العناصر مما يجعل الصورة تجمع عدة مستويات ارتفاعية: مستوى الجسر الذي يمر عليه قطار قادم بينما يجلس تحت المصور، على ضفة النهر صيادو سمك، بينما يظهر ماء النهر كمستوى اوطأ للمستويات المتراكبة للصورة، كما ان زاوية الالتقاط أحيانا بدت لنا وكأنها صارت الية مماثلة للوضع الأمثل في الرسم في اهم الحضارات.
مرة كتبت الشاعرة سمرقند الجابري: “ان هناك فرقا كبيرا بين الفنان الذي يصنع الجمال، والناقد الذي يخرب علينا روعة ما نراه، اجد النقد، مهما كان دقيقا او متبحرا، يخرب الاحساس الذي يتركه العمل الفني فينا”، واجد في تصريحها هذا نمطا من الاعتراف بفاعلية النقد الذي (يخرب) قناعاتنا، وبالتالي استجاباتنا الجمالية، او يفقدنا تلذذنا بطزاجة الصورة، وربما كان احد أسباب ذلك هو تفكيك اسرار العمل و(خلطته السرية)، او (قانونَ تأليفه) او (قاعدة لعبه) كما يؤكد جاك ديريدا في كتابه (صيدلية افلاطون)؛ “لا يكون نصٌ نصا انْ لم يخْفِ على النظرة الاولى، وعلى القادم الاول، قانونَ تأليفه وقاعدة لعبه. ثم ان نصا ليظل يمعن في الخفاء ابدا. وليس يعني هذا أنّ قاعدته وقانونه يحتميان في امتناع السر المطوي، بل انهما، وببساطة، لا يسلمان ابدا نفسيهما في الحاضر لأي شيء مما تمكن دعوته بكامل الدقة إدراكا”، بمعنى ان فك شفرة التركيبة الداخلية يضعف جمالية الأثر الفني، وهو ما حدث لي تحديدا حينما اكتشفت الية تركيبه لصورة الوجه الصغيرة، الذي يظهر في الخطوط الخلفية عبر ثقب.
ان تفكيك النقد للآليات التقنية للرسم السريالي باعتباره عملية تشاكل صوري أفقد الكثير من هذه الاعمال طزاجتها، مما يجعل المعرفة بأسرار العمل الفني وتركيبته السرية عائقا امام التلقي الانطباعي للعمل الفني، وبذلك يمكن القول ان هذا الراي له درجة من المصداقية، فمثلا ان الجمع بين زاويتي النظر الامامية والجانبية للوجه الإنساني التي قدمها احمد منصور لم تكن الا استهلاكا لالية مستهلكة بالأساس، وهو ما يفهم منه فقدان الصورة طزاجتها في التلقي نتيجة معرفة اسرارها التركيبية.
كثيرا ما نجد ان الوجه الإنساني تتم ازاحته بعيدا فلا يكون مركزا للحدث، بل قد يحتل مكانا اكسسواريا داخل بنية الصورة (صورة والدته التي تحمل بكفها النبات الصغير الذي اقتلع من التربة لتتم زراعته في مكان مستقل اخر)، لذلك فإننا قلما نجد اعمال بورتريه لسبب بسيط وهي ان الانسان فيها سيكون مركز (الكون) الفوتوغرافي، بينما يعتبر احمد منصور الحياة الإنسانية بكل عناصرها مركزا كونيا للوجود.
صور الفوتوغرافي احمد منصور سلسلة من الصور للضباب فكانت فرصة لتوكيد مادية الصورة الفوتوغرافية و(ملمسيتها)، وحيث يتراجع الموضوع والانسان الى الخطوط الخلفية.
نحن نعتقد ان (سريلة) الصورة الفوتوغرافية لها حدودها الوسطية المقبولة تماما كما ان للصورة الشعرية (قوانينها) الوسطية الـ(مقبولة). 
ان اهم مؤهلات المصور الفوتوغرافية تتوفر في نتاج المصور احمد منصور، الإحساس بحميمية الأمكنة المصرية، وقدرته على اقتناص اللحظة الحاسمة كل مرة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية