جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


حسناً، هذا هو العالم يا صغيري


وليم سارويان
ترجمة :عباس المفرجي
كنت ارغب في سماع الموسيقى، لكن السائق كان يريد متابعة المباراة، سألني إن كنت أمانع في ذلك، أخبرته بأني لا أمانع أبداً. أظن إن فريق موتردام خسر المباراة وفاز فريق نيفي. كان الأمر مزعجاً، كان يفترض أن يفوز نوتردام وبسهولة. الأمر سيان، لم أعبأ بمن فاز أو خسر. لم أستمع حتى للجزء الذي يتضمن الفوز أو الخسارة في اللعبة. لقد استمعت فقط إلى أداء عادي لكلا الخصمين، لا أحد منهما وصل إلى ما يريد، على الرغم من إصابة الظهير المساعد.
علمت ان فريق نيفي كسب المباراة ثلاثة للاشيء، كما أظن. كان بالأحرى أمر سار أن نعرف كيف انتهت اللعبة، لكنه لم يكن بالأمر المدهش.
سوف لا أذهل لو علمت ان فريق نيفي كسب المباراة بنتيجة ستمئة واثنتي عشر مقابل خمسمئة وسبع وتسعون، ولا أعتقد اني سأكون مدهوشاً لو ان نوتردام كسب بنتيجة واحد وعشرين للاشيء.
سوف لا أفاجأ لو ان نيفي، خوفاً من الهزيمة، نزل بفريق جديد مدجج بالأسلحة الرشاشة، وحصد فريق نوتردام، بما فيهم لاعبو الاحتياط والمدرب ومساعده وعدد من الجمهور البريء، محققاً نتيجة فوز بواحد وستين مقابل صفر.
سوف لا أصدم لو أن مشجعي أحد جانبي الملعب التقوا مشجعي الجانب الآخر في وسط الملعب وتقاتلوا بالأيدي.
أغنية (العالم كله لي هذه الليلة) كانت أفضل بقليل من الأداء العادي. في هذه الأغنية الحب هو الذي يكسب اثنين مقابل لا شيء. إنه أمر سار، لكنه غير مدهش. عرفت أن الحب سيفوز قبل نهاية الأغنية، قبل أن تبدأ، قبل أن تكتب. الحب فاز، ذات مرة، في أغنية أخرى ثلاثة ملايين للاشيء: (لا أستطيع أن أمنحك سوى الحب، يا حبيبتي).
نفس الأمر حدث مع روزفلت أيضاً. فقد عرفت ان روزفلت سيفوز هو الآخر. نيفي، الحب، روزفلت هم على الدوام رهان رابح. اعتقدت بأني سأبعث إلى هيرست. برقية لاسلكية، لكني لم أعرف مكانه. كانت البرقية ستتضمن كلمتين: ها ها. وكانت ستكلفني من ستين سنتاً إلى دولارين، لكني لم أرسلها. كثير من الأغنياء في سان فرانسيسكو كانوا غاضبين مني لأني قلت لهم بأن مستر لاندون لا يملك فرصة للفوز كما أملك أنا. قالوا إذا كان الأمر كذلك فوداعاً للديمقراطية. قلت حسناً، وداعاً. قبل عشرين عاماً، حين كنت في الثامنة من العمر، أحسب أني كنت سأرتاع لو سمعت وعيداً مثل وداعاً للديمقراطية.
نزلت من سيارة الأجرة، اشتريت جريدة واتجهت نحو مقهى براون دربي للغداء. كان العنوان الرئيس في الجريدة(المتمردون يقتربون من مدريد)، لكن لا تظن للحظة بأني كنت مندهشاً. أخذت الجريدة واخترت طاولة للجلوس اليها. حين قدم المخرج وجلس إلى الطاولة قلت له، الفاشست يقتربون من مدريد.
طلبنا الغداء. أنا اخترت لحماً بارداً، واختار المخرج لحماً بارداً. كان غداء طيباً، وجرؤت على القول إن مباراة نيفي- نوتردام كانت مباراة جيدة. الانتخابات كانت رائعة.
مستر لاندون أبرق إلى مستر روزفلت قائلاً: الأمة قالت كلمتها.
لم أعرف أبداً ما الذي قاله مستر هيرست. بغز بير قال شيئاً ما عن ماين. لو عاد صقر NRA **، قال، فان ماين سيغدو غليظاً. ها ها.
ما الذي يشكو منه ماين؟ في فريسكو علقوا لافتة قبل الانتخابات كتب عليها: تذكر أسبانيا وصوت لماين. لقد نسوا.
يبدو اننا سنشهد أوروبا فاشية صلبة، قلت للمخرج، لم يأبه. ربما أنا أيضاً لم آبه. لن أراهن بفلس سواء ستكون هناك أوروبا فاشية صلبة أم لا.
قدمت فتاة صغيرة نحو المخرج، حاملة مجموعة من الأوراق، وطلبت منه أن يوقع لها أسمه على ورقة بيضاء.
كانت الفتاة الصغيرة ترتعش. بلا شعور مددت يدي إلى قلمي. كنت سأفرح لو طلب مني أحد ما أن أوقع له أسمي سبع عشرة مرة. على أي حال هي لم تطلب مني ذلك. كثير من الناس الذين هم تحت الثانية عشر لا يعرفونني، وأولئك الذين فوق الثانية عشر، في حال لو عرفوني، نادراً ما يكلفون أنفسهم طلب توقيعي على قطعة بيضاء من الورق.
ضحك المخرج وقال للصغيرة، من أنا؟
لا أعرف، قالت الصبية، أنا أعرف انك شخص ما.
يا الهي، أنا أيضاً شخص ما.كان يمكنها أن ترتاب بشخصي أنا أيضاً. أعتقد ان أسمها كان أليس.
وقع لها المخرج اسمه بتواضع، شكرته الصبية، ودون أن تتوقف لتلقي نظرة على الورقة عادت إلى الطاولة التي تجلس اليها أمها وخالتها اللتان رحبتا بها بفخر بعد الانجاز الذي حققته. سألني المخرج، ماذا تفعل؟
متى؟ قلت.
إذا كان يقصد طوال الوقت، فقد تمكن مني.
حين، تعمل، قال.
أعمل على فيلم حول طبيب شاب، قلت.
هل هو جيد؟ قال.
حسن، قلت، هو طبيب شاب. تقع فتاة غنية بحبه. هو يحب ممرضة، لكنه لا يدرك أنه يحبها.
هل هذه هي القصة كلها؟ قال المخرج.
ليس بالضبط، قلت. هناك بضعة أفكار ثانوية وتعقيدات.
مثل ماذا؟ قال المخرج.
حسن، هناك طفل أعجوبة، قلت. عبقري، بارع في عزف الكمان رغم أنه لم يتجاوز الثامنة بعد. حسن، هذا الصبي، مايكل بارتوك، معاق في ذراعه الأيمن. لا، في ذراعه الأيسر. لقد أنفقنا يومين لنقرر أي الذراعين هو المعاق. اخترنا الذراع الأيسر. الطبيب الشرير، هو أكبر جراح في أمريكا ترك طفلاً على طاولة العمليات ليذهب إلى مريض غني من لونغ آيلاند. حالة ذراع
الصبي تزداد سوءاً، ويبدو كأنه سيكون عاجزاً للأبد عن العزف. تصاب أمه بالجنون فتطلق الرصاص على الطبيب الشاب، بطلنا.
لماذا؟ قال المخرج.
لا أعرف، قلت، لقد فكرت بالأمر طويلاً، ليلاً ونهاراً، لكني لم أتوصل أبداً إلى جواب.
قد أطلقت عليه الرصاص، هذا كل ما في الأمر. قصة مثيرة، والأم مصوبة رائعة، مع هذا فهو لم يمت، لأنه يحب الممرضة. يبدأ بالتحسن والممرضة تأتي وتزيل المحرار من فمه وتقبله.
يا سلام، قال المخرج، هل أنت الذي ابتكر القصة؟
لا، قلت، لكني لن أفاجأ لو ابتكرت قصة مثلها.
حسن، إلى أين وصلت بهذا الشيء؟ قال المخرج. ما الذي تفعله؟
أحاول أن أبث الحياة في الحوار، قلت.
حقاً، قال المخرج، كيف؟
لا أعرف كيف، قلت.
تناولنا طعامنا بصمت لفترة. سارت ممثلتان شهيرتان مع ممثلين شهيرين بين صفوف الكراسي. ساروا بين صفوف الكراسي تماماً كما يفعل ممثلتان شهيرتان وممثلان شهيران.
هذه المدينة بغيضة، قلت. مع هذا فهي، بطريقة ما، أكثر الأمكنة سحرا في العالم.
من المستحيل لكاتب أن يكتب عن هذه المدينة أو عن ناس هذه المدينة، قال المخرج.
لا أعتقد أنه أمر مستحيل. أنه ليس أمراً سهلاً، فمن الصعوبة الكتابة عن أية مدينة أو أي ناس. خصوصاً، قلت، لو كنت لا تجيد الكتابة.
لا، قال المخرج، أي كاتب يمكنه الكتابة عن سان فرانسيسكو، لكن لا أحد في هذا العالم يمكنه أن يكتب عن هوليوود وناس هوليوود. كل الممثلين والممثلات هنا مزيفون.
أنا اعتقد أن كل امرئ في العالم هو، جزئياً، مزيف وما من شخص في هذا العالم مزيف كلياً، وتلك هي مهمة الكاتب، أن يحدد المقدار الذي يكون فيه شخص ما مزيفاً والمقدار الذي يكون فيه حقيقياً، ويصيغ شيئاً ما من هذه العملية بطريقة وبأخرى. واعتقد أيضاَ إن الناس الأكثر زيفاً في العالم هم في الغالب الأكثر حقيقية، وهم الناس الأكثر مأساوية بأصالة.
اعتدت ان اشعر بالغضب، لكني لم أعد كذلك لأني لا أعرف على من أكون غاضباً. من اليسير أن تكون غاضباً على أناس لم تلقهم أبداً مثل هيرست وهتلر وموسوليني. ولا يمكنني الغضب على أولئك الذين أعرفهم، لأني أعرفهم. يا إلهي، إنهم أناس لا بأس بهم، حتى لو كانوا جرذاناً. حتى وهم جرذان فإنهم ليسوا كذلك دائماً. أحياناً لم يكونوا حتى فئران بيوت.
على أي حال، قال المخرج، كل شيء هنا مزيف، وما من كاتب أتى، في يوم، إلى هذا المكان وكتب عنه أي شيء ذا قيمة. خذ مثلاً الناس الذين أتوا إلى هذه المدينة من أوهايو، قال. الفتيات اللائي فزن بمسابقات الجمال. حتى وهن مزيفات، حتى وأن كان كل ما يفعلنه مأساوياً . هن مزيفات لأنهن حين يعانين، كما يفعلن، فإنهن يعانين لأنهن يردن أن يصبحن ممثلات. كل شيء يريده الجميع هنا لا يستحق المعاناة من أجله.
لم أوافقه، لكني لم أقل شيئاً لأني أعرف بأن الأمر يحتاج إلى شرح طويل كي أبين له كيف انه لا يمكن لأي شيء أن يكون مزيفاً حينما يعاني المرء من أجله. إنه أمر لا يحتاج إلى الحذاقة لمعرفته، لكنه يتعذر علي الشرح.
هل يعجبك ما كتبته؟ قال المخرج.
إنه ممتع جداً، قلت. إنه لا يعد كتابة بالضبط، لكنه مختلف وممتع.
هذا الطبيب، قال المخرج، هل هو شخصية طيبة؟
ليس هو بالشخصية إطلاقاً، قلت. إنه أمام الكاميرا شخص بمعطف ابيض. الكل سيصدق انه طبيب لأنهم يريدون أن يصدقوا ذلك.
حسن، هل يقول شيئاً يستحق سماعه؟ قال المخرج.
يقول بضع عبارات هنا وهناك، قلت.
حسن، قال المخرج، ماذا يقول الطبيب الشاب؟
في الواقع، قلت، يتبادل التحايا مع كثير من الناس ويودع الكثيرين في الفيلم.
هل يقول شيئاً خاصاً؟ قال المخرج. ألا يتفوه بشيء مما كتبته؟
أجل، قلت. الفيلم يبدأ مع هذا الطبيب الشاب وهو يحمل طفلاً حديث الولادة من رجليه ويصفعه على ظهره باعثاً فيه الحياة. يخاطبه الطبيب الشاب، حسن يا صغيري هذا هو العالم، خذ إذاً شهيقاً وزفيراً وكن معنا لبرهة. سوف لا يكونوا طيبين معك هناك في الخارج، لأنه ما من احد طيب معهم، لكن لا تكره أحداً. ليس هناك من هو جدير بالكره. ستواجه كثيراً من الضغوط. ولمرات عديدة. هذه هي الفكرة. فهو يخبر الطفل عن العالم وما تخبئه له الحياة، وهكذا تبدأ القصة.
هذا لطيف جداً،قال.
إنه لا شيء، قلت.
خطاب لطيف، قال المخرج.
هكذا هو الأمر، قلت. الطبيب الشاب خبر الحياة قليلاً، لهذا يقول للطفل بأن الحياة مقرفة، لكنها الشيء الوحيد الذي نملك، ولعل الطفل سيعتادها وستعجبه. يقول الطبيب الشاب، هذه هي الدنيا، ليست بالجيدة ولا بالرديئة، لكن أغلبنا يحبها بجنون.
هذا جيد جداً، قال المخرج.
هو يعني ما يقول، قلت، فهو يعرف معنى أن تكون الحياة مقرفة ورائعة في الوقت نفسه، وهو لا يزال شاباً بما يكفي كي يتساءل عما سيواجه الطفل في الحياة. وهو بالطبع لا يحتمل الانتظار، لهذا يخبر الطفل بما سيحدث له. ستتأسى وسيلتاع قلبك آلاف المرات قبل أن تبلغ العشرين، يقول هذا أو شيء من هذا القبيل، لكن بدلاً من التباكي، ستتعلم كيف تقرف من الحياة...
وهلم جرا. إنه شيء مقرف، قلت.
كلا، قال المخرج، إنه رائع.
ليس حقاً، قلت. الطبيب الشاب شخص طيب وسهل القياد، وكان عليه ان يتكلم حين جلب الطفل إلى الحياة. في جزء من نفسه يشعر بالسعادة حول هذا الأمر، وبالتعاسة في الجزء الآخر. يصغي إلى الطفل كيف يزعق وهذا يدفعه للضحك. لا أعرف من أنت، يقول للوليد، أو ماذا ستكون عليه، لكن مهما كنت، ومهما فعلت، بالله عليك لا تؤذ أحداً، ولا تدع أحداً يؤذيك. كما ترى، قلت، إنه شيء غير قابل للفهم اذا يؤذيك الآخرون عليك أن تؤذيهم. ليس هناك من سبيل آخر. 
كلام جميل، قال المخرج.
لم أشأ أن أكتب هذه القصة، قلت. لقد فرضوها علي. وأنا بأشد الحاجة إلى عمل. علي سداد ديون كثيرة، إنه عمل مجز، فأنا أكسب أجراً في أسبوع أكثر مما يكسبه كثير من الناس في هذا البلد في ثلاثة أشهر أو أربعة. علي دفع كثير من الديون.
حسن يا صغيري هذا هو العالم، قال المخرج.
هذا صحيح، قلت.
إنه افتتاح ممتاز للفيلم، قال.
المتمردون قريبون من مدريد، قلت.
هذا هو العالم، قال المخرج. هذا رائع.
هل نذهب؟ قلت.
هيا بنا، قال المخرج.
تركنا مقهى براون دربي واتجهنا بالسيارة إلى منزل المخرج في برفلي هلز. غيرنا ملابسنا وذهبنا إلى ملعب كرة المضرب ولعبنا ثلاثة أشواط من كرة المضرب.
في كل مرة يقوم بها المخرج بضربة موفقة للكرة يصيح، حسن يا صغيري هذا هو العالم.
كما قلت سابقاً، مع هذا فإنها لن تكون مفاجأة لو أنهم تركوا مقاعدهم و اتجهوا إلى وسط الملعب وشرعوا بقتل بعضهم البعض. تباً لهم، إنهم مفعمون بالحيوية ومصابون بالملل وليسوا فائقي الذكاء: ما الذي تبقى أيضاً ليفعلوه.
هناك كثير من الناس، والفاشيون أيضاً هم ناس فحسب، إذن إلى الجحيم بكل هذا. يظنون أنفسهم على حق وباستطاعتهم الموت في سبيل ما يؤمنون به، إذن ما فائدة أن تصاب بالدهشة لأي شيء؟  

إشارات
* هو وليم راندولف هيرست الناشر الصحفي، وهو الشخصية التي استوحاها أورسن ولز في فيلمه (المواطن كين).
** مختصر عبارة (الجمعية القومية للسلاح).



المشاركة السابقة : المشاركة التالية