جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


آرل، 19 آذار 1889


ستار كاووش

تَيّو العزيز

يا للطمأنينة التي مَنَحَتْني إياها رسالتك الأخيرة. ها أنت تهدئ روحي بهذا الأهتمام والعطف الأخوي نحوي، وهذا ما يحتم عليَّ أنهاء حالة الصمت التي طال أمدها. أكتب لك هذه الكلمات، أنا أخيك فنسنت الذي تعرفه، وليس كشخص مجنون كما يدَّعون! وخلاصة الكلام الذي أريدك أن تعرفه مني شخصياً، هي أن عدداً كبيراً من أهالي آرل (عددهم ثمانين شخصاً)،
قاموا بتقديم عريضة تحمل تواقيعهم جميعاً، يطالبون فيها العمدة (أظن أن اسمه السيد تارديو) أن يتخذ الاجراءات بحبسي، لأنهم يرون أني لا أستحق أو لا يمكنني أن أكون طليقاً مثل باقي الناس، لذا أعطى رئيس الشرطة أمراً بالتحفظ عليَّ وسجني للمرة الثانية. وها أنا أقضي عدة أيام سجيناً بزنزانة فردية مقفلة مع حراسة مشددة! كل ذلك دون إثبات لأي شيء يدينني! أشياء كثيرة تعتمر الآن في صدري يا أخي، وبامكاني قول الكثير حول ذلك، لكني فقط أحاول أن لا أغضب، بل أحاول الاعتذار لنفسي عن كل هذا. مع ذلك، ربما أطلب منك في وقت قادم أن تحررني من هذه القيود التي تبعدني عن الرسم، وأنا بكل الأحوال، متأكد بأن ليس لديهم شيء ضدي ولا يملكون ما يدينني، لأني لم أفعل لهم أي شيء، وكل وقتي أقضيه مع الرسم. عليَّ أن أحافظ على رباطة جأشي وأمسك عواطفي، لأن غضبي أو انطلاق عاطفتي سيمنحهم حجة للعودة لافتراءاتهم ويعودون لنعتي مجدداً بالمجنون، وهذا ما يزيد حالتي سوءًا. عموماً، أن لم تصلك مني رسالة أو أية أخبار خلال شهراً واحداً، فعليك وقتها أن تتصرف، لكن بما أني اكتب لك الآن فتريث وانتظر. عليَّ في كل الإحوال أن اتماسك أكثر وان احافظ على هدوئي، حتى لا تنتكس روحي وتتفاقم حالتي، وايضاً كي لا امنحهم ذريعة للتمادي معي أكثر في هذا الأمر. لا أريد بالتأكيد أن أقحمك في هذه القضية، ولنمنح المسألة بعض الوقت ونرى. ما يحزنني ويزيد بؤسي هو اجتماع مجموعة كبيرة من الناس المنحطين واتحادهم ضد رجل وحيد وأعزل، وفوق كل ذلك أن هذا الأعزل مريض. لا أعرف أية قيم يحملها هؤلاء الأوغاد!! وهذا يوضح لك الصورة بما يكفي، لتعرف حجم الاهانة التي أتعرض لها هنا. لكن مع ذلك اطلب منك أن لا تتدخل في الأمر الآن، كي لا تسيء الأمور أكثر. وبدوري أرجو أن استعيد خلال الايام القادمة بعض الهدوء الذي يساعدني في تجاوز المحنة، وأروض نفسي كي امنحها أفق جديد، عليَّ ان أكون أكثر صبراً. وبالنسبة لك، أعرفُ انك محاط بمشاكلك أيضاً، فلنؤجل حديثنا عن وضعي الى ما بعد زواجك القريب. سأبقى هنا محاولاً تهدئة نفسي، وأرى أن العمدة ورئيس الشرطة لديهما جانباً إيجابياً نوعاً ما في شخصيتيهما، لذا ربما يمكنني التعامل معهما لتسوية هذا الأمر. اتمنى فقط ان يفتحوا قيدي لأعود للرسم وحياتي الطبيعية، عندها سيصبح وضعي أفضل بكثير. لقد اخبرتهم أن أوضاعي المادية هي التي تمنعني من الانتقال الى مكان آخر كما يطمح الأهالي، وما يحزنني حقاً هي الأشهر الثلاثة التي لم أرسم فيها شيئاً، وهذا كله بسبب مضايقات الناس هنا، وفوق ذلك لا أجد ما اسلي به نفسي وسط كل هذا، حتى التدخين منعوني منه، رغم أن المحتجزين الآخرين مسموح لهم بذلك، هل هناك إذلال أكثر مما يحدث؟ هكذا أقضي وقتي وسط هذه الكماشة وليس لدي ما أقوم به سوى تذكر الأشخاص الذين أحبهم ليل نهار، بالمناسبة كيف حال أمنا وأختنا؟
لا أعرف لماذا حين أفكر في كل ما يجري فأنا أفضل الموت على أن أكون في هذه الحالة وهذا الموقف. يبدو لي أن الدرس الكبير والوحيد الذي تمنحه الحياة لنا، هو أن نعاني دون تبرم أو شكوى. عليَّ أن أعود للرسم في أسرع وقت ممكن، لكن ماذا لو ضاع المرسم وتبددت الأدوات والأثاث، بينما اقضي وقتي في هذا الحجز اللعين، ولا نقود عندي لتوفير اشياء بديلة عن ذلك؟ وكما تعرف لا يمكنني العيش في فندق، فكي ارسم لوحات جديدة، يتطلب الأمر ان يكون لي مكاني الخاص. على هؤلاء الجبناء أن يعاملوني في المستقبل بود واحترام، وإلا سأقف ضدهم، وان فقدت المرسم وادواتي واللوحات فعليهم تعويض ما ضاع بسبب غبائهم وكذبهم.  عليهم أن يعاملوني بمحبة ولطف أكثر، حتى لو جاء يوم أُصابُ فيه بالجنون فعلاً (وهذا يمكن ان يحدث، رغم أنه احتمال بعيد الآن)، فعليهم ايضاً أن يعاملوني برأفة ويمنحوني حريتي كي اكمل اللوحات التي في رأسي. ولو كانوا قد تعاطفوا معي منذ البداية ولم يتنمروا عليَّ ويسفهوني بسبب شخصيتي المختلفة، لكنت تجاوزت كل شيء يحدث وعدت للرسم. لكم مع من تتحدث؟ وهؤلاء الرعاع يزيدون حالتي سوءً.
اخي العزيز، ربما علينا أن نتجاوز ذلك بالسخرية والبحث عن ما يهديء المزاج والنفس، لنتذكر العظماء وكيف كانت حيواتهم، ولنمضي في طريق الرسم كالرجال دون تردد أو تباطؤ حتى لو أدى هذا الطريق الى حتفنا الأكيد. فالناس في أيامنا ينظرون الى الفنانين مع الأسف كأباريق مهشمة لا سبيل لإصلاحها. وددت أن أرسل لك بعض لوحاتي، لكن البيت مغلق بقفل كبير مع حراسة مشددة من الشرطة مع بعض الحراس المختصين بحراسة المجانين. لكني، مع كل ما يحدث، أرى أن الأمور ستسير بشكل جيد واتحرر من كل هذا، فقط الأمر يحتاج لبعض الوقت، وربما سَتُحَل الامور تلقائياً. كذلك أرجو ان تخبر سينياك* ان لا يتدخل اكثر في الأمر الى أن أكتب اليه ثانية، وإلا سيكون كمن يضع يده في خلية دبابير. سأقرأ رسالتك للسيد راي*، هو ليس مذنباً فيما حدث لأنه كان مريضاً وقتها، عموماً اعتقد بأنه سيكتب اليك ايضاً بشكل شخصي. احاول التركيز الآن وأتذكر بشكل مبهم ووغير واضح بأنهم طلبوا مني التوقيع لأجل استلام رسالة مسجلة منك، لا اعرف لماذا ترددتُ بالتوقيع ولم أرد فعل ذلك، لكنهم أحاطوني بضوضائهم وضغوطهم لأوقع في النهاية... ولا اتذكر ما حصل بعدها. أطلب منك أن تشرح وضعي لبرنار* وتخبرة بظروفي الصعبة التي أخرتني بالرد على رسالته، صافحه بشدة نيابة عني واسأله ان يطلب النصيحة من غوغان، لعل هذا الأخير يجد نوعاً من الحل. كنت أفضل عدم الكتابة اليك حول كل هذا، لأني لا أريد ازعاجك، كذلك خشيتُ أن يؤثر ذلك على استمرار عملنا، الذي يجب أن يستمر مع كل الظروف. كنت أتوقع أن يأتي السيد راي، فأتحدث معه قبل إرسال هذه الرسالة، لكن رغم إخباري الجميع برغبتي بلقائه، فهو لم يأت مع الأسف.
لا اعرف لماذا أخشى أحياناً لو بأني أصبحتُ طليقاً خارج هذا المكان فربما لن أستطيع تمالك نفسي إن قام أحدهم بتوجيه إهانة لي أو تجاوز حدوده معي، عندها ستكون ردود أفعالي مع هؤلاء، ذريعة اخرى ضدي. انتظر الآن الالتماس الذي أرسلته الى العمدة، لقد كتبت له بأني على استعداد أن أرمي نفسي في النهر لو كان هذا الأمر سيريح هؤلاء الأوغاد ويدعونني وشأني، لكن محاولاتهم المتعسفة هي التي دعتني الى جرح نفسي في نهاية الأمر. لذا عليَّ ان اكون اكثر شجاعة في مواجهة ذلك، رغم ان شجاعتي تخذلني في بعض الأحيان. أتمنى أن تصلك رسالتي هذه وانت بأحسن حال. وكما قلت لك لنمضي في هذا الطريق ولا نخشى شيئاً، فأنا هاديء الآن مهما حاولوا القيام بأي شيء. ستزيد سعادتي إن كتبت لي قريباً، ولا احتاج في هذا الوقت اكثر من ذلك. وان كنت صبوراً معي فهذا سيجعلني اكثر قوة وسأتجاوز أية انتكاسة قادمة قد يسببها لي الناس هنا... الناس الذين اجتهدت دائماً على أن أكون جميلاً وطيباً وعطوفاً معهم، لذا تحطمت روحي لأنهم خذلوني بهذا الشكل. سأكتب لك قريباً بالتأكيد، فلا تقلق عليًّ، وربما من الأفضل ان ننظر الى الأمر كونه حجر صحي، وسأعود لحياتي من جديد... أتمنى ذلك؟
اصافحك بحرارة، ولا تنسَ تحياتي الى خطيبتك، كذلك سلامي لأمي وأختي العزيزتين.

هوامش المترجم:
* جورج سينياك: رسام فرنسي (١٨٦٣-١٩٣٥) ينتمي للمدرسة التنقيطية. وكان من اصدقاء فنسنت فان خوخ وجورج سوراه، وهذا الأخير هو الذي ابتكر الاسلوب التنقيطي في الرسم، لكن وفاته في مطلع شبابه جعل سينياك يكمل الطريق في هذا الاتجاه الجميل وأنتج أعمالاً تعتبر من الروائع. كذلك ألف كتاباً عن صديقه العظيم سوراه.
* * أيميل برنار: رسام فرنسي (١٨٦٨-١٩٤٤) اظهر موهبة عظيمة من مطلع شبابه حيث درس الرسم، لكنه طُرِدَ من الاكاديمية لخروجه عن التقاليد وميوله للرسم الحديث. كان من أقرب أصدقاء فنسنت فان خوخ وغوغان وتولوز لوتريك. ورغم ان غوغان كان يكبره بعشرين عاماً لكنه تأثر به وبأفكاره وأعماله التي بشرت بالمدرسة الرمزية، ببساطتها وطريقة رسمها والافكار التي تحملها.  وقد كانت هناك مراسلات وصلت الى عشرين رسالة تقريباً بين برنار وفان خوخ.
* * فيليكس راي: طبيب يعمل في مدينة آرل جنوب فرنسا، وقد ساعد فنسنت كثيراً وكان يهتم بعلاجه، وتكونت نوع من الصداقة بين الرجلين، وهو ايضاً ذات الطبيب الذي عالج فنسنت بعد أن قطع هذا الأخير أذنه، وأوصله بعض الاشخاص للعيادة وهو مغطى بدمائه. رسم فنسنت بورتريت رائع للدكتور راي، الذي اعترف لاحقاً بأن البورتريت لم يعجبه، في حين ذهبت أُم الدكتور أبعد من ذلك وهي تضع البورتريت في قن الدجاج كي تسد به احد الثقوب الكبيرة. بعد وفاة فينسنت، ذهب جامع اللوحات كاموين الى المزرعة التي يعيش فيها الطبيب واشترى منه البورتريت. والآن يعتبر هذا البورتريت من أهم مقتنيات متحف بوشكين في مدينة موسكو. الجدير بالذكر أن الدكتور راي صحبة ساعي البريد جوزيف رولين قد ساعدا فينسنت كثيراً عند انتقاله من آرل -بسبب تعسف الأهالي- الى سانت ريمي القريبة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية