جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


أقنعة عماد عاشور الرمزية


ناجح المعموري
لم يكن الفنان عماد عاشور فناناً ثابتاً في إختيار الوحدات البنائية لأعماله الفنية ، مثله مثل غيره من الفنانين وهم كُثر ، بحيث إرتضوا التحول إلى أنموذج خطي ، وينجح المتلقي لحظة رؤيته أحد اعماله الوصول إلى عائديتها بشكل سريع ، هذا دائماً ما يتمظهر في التجارب التشكيلية العراقية ، وهي تمتاز بكثرتها وعمقها البنائي ،
لذا دائما ما تكون التحققات التشكيلية واضحة ومعرفة العائدية . لكن عماد عاشور اختار الأقنعة فضاءً . وأستطيع الإشارة الى الحضارات الأمّ عرفت نماذج الاقنعة فضاء فنياً ورمزياً ، واللوذ بالقناع عودة لإيقاظ الذاكرة الثقافية والفنية التي عرفتها الحضارة الانسانية . وأستطيع الإشارة الى أن الحضارات الأم عرفت نماذج الاقنعة في عتباتها الثقافية الاولى وأعني بها لحظة الاعتماد على السحريات والشعائر والطقوس لأن القناع رمز جوهري في مثل تلك المراحل وذهب الفرد المشتغل على الإله أو الرموز الدالة عليه ودائماً ما تكون المرأة أو الكاهنة حاضرة قناعاً وأيضاً يبرز دوراً واضحاً للألهة الأمّ، حيث كانت معمولة من الطين ، ومن المناسب التذكير بأن حضارة سومر عرفت الأقنعة أشكالاً فنية وبالإمكان التعرّف عليها في الكتب الخاصة بتلك المرحلة ومازالت ، اتذكر حتى هذه اللحظة قناع الشيطان خمبابا الذي عرفناه في ملحمة جلجامش.
ولأهمية الأقنعة حضرت في فضاءات خارجية ، السهول ، الجبال، الأشجار وكان الأفراد يجسدون قناعتهم الدينية برسوم محفورة على جذوع الاشجار وسطوح الجبال وأيضاً لابد من تأكيد استمرار حضور القناع بفعاليات القبائل الافريقية التي تميزت عن غيرها فنياً بالأقنعة.
حركة عماد عاشور وسط فضائه الفني هادئة لكنها في بدايتها اعتنت برموز هو ابتكرها وجعلها قابلة بالانفتاح الدلالي وشيئا فشيئاً اتضح للمتابع بأن تشكلات تجربة فنية جديدة ، ابتدأت بزحف وحدات رمزية افضت لاحقاً لتشكلات الاقنعة، وظل عاشور معتمداً على تطويرات الاقنعة اعتماداً على الحجوم واختيار الألوان وخلال فترة ليست قصيرة ، صارت الأقنعة فضاءً خاصاً للفنان عماد عاشور ولابد من الإشارة الى أن الاقنعة هي سمة تجربته ، لكنها اقنعة ليست متماثلة ، بل متباينة ، متغايرة ، وتبدت عليها زخارف لونية مارست نوعا من خلق التباين بين الحاجبين والعينين ، بالإضافة الى الأنف والشفتين والمثير في هذه التجربة التي تضمنها معرض عماد عاشور الجديد هو المهارة في اختيار الحجوم الخاصة بالأقنعة والملفت للانتباه قصدية الفنان لابتكار رموز جديدة للأقنعة وهي ذات دلالات جمالية ومثال ذلك الأقنعة ذات الأنوف الطويلة والتي تلاعب بلونها عماد عاشور بحيث تحولت الانوف الى رموز وهذا يؤثر على المتلقي في محاولاته التأويلية الى إشارة جوهرية لها علاقة بالوظيفة التي تنطوي عليها الاقنعة ، وهي وظيفة جنسية وتمركزت هذه الخاصية على وجوه مكسوة بخطوط خيطية ومثل هذه الاقنعة هي كسرت النمط واقترحت التنوع وأكثر التنوعات دلالة في خلخلتها للوحدة القناعية هي وضوح الجندر واعني به المذكر عبر قصة شعر الرأس ، كما لاحظت بأن بعض الأقنعة أومأت لجندر خنثي، عبر توظيفات التلوين او الخطوط السوداء والتلاعب بمساحة الوجه واتساع العينين وضخامة الانف مع بروز ملامح الليونة والمرونة.
هيمنت الأقنعة على المتلقي وعمقت فرصة الفحص واقتراح الرأي والتأويل، لان الفنان عماد عاشور زاول نوعاً من مهارة التلاعب الفني واختار مساحة التلوين وترسيخ ذلك وتوزيع بعض الرموز ، مثل النقاط ويحدد هو عددها من أجل خلق الرمز والافضاء الى المرموزات ودائما ما كانت الايروتيكية مثل تنقيطات المثلث العاني أو الأنف الأبيض الصاعد والنازل وكأنها وحدات للرمز الشائع في النحت الشرقي للوظائف الجنسية.
حضور الأقنعة في التجارب الفنية العراقية ليست جديدة بل قديمة ومتميزة وتحضر ذاكرة المتلقي تخطيطات الفنان اسماعيل خياط ونزار يحيى.
ولابد من التذكير بتجربة فريدة بنوعها وهي تجربة الفنان الكبير إسماعيل فتاح الترك كانت تأثيراته هي نوع من التماهي الفني لان الفنان مهما كانت تجربته ذات تاريخ وعمق ان تمكنت من مقاومة التماهي مثلما حصل بين عماد عاشور وإسماعيل فتاح الترك.
لا نستطيع ونحن نلاحق هذه التجربة أن نتعامل معها بمعزل عن تاريخ المرأة في الشرق الادنى القديم المرأة لها حضور كبير متعي وقد اشار فرويد لها عبر التاريخ حاول حل لغز طبيعة الأنوثة ...
يقود رأي فرويد المتلقي الى ضرورات المرور نحو تاريخ المرأة وما ابتكرته الفنون من تنوعات كاشفة عن نظامها واساطيرها التي امتد اليها عماد عاشور وتمكن من بلورة حضور الجسد الانثوي المختزل عبر الرأس.
ما يعنيه رمزياً ومعروف بأن رأس الرجل مغاير عن رأس المرأة بمعنى يتباين التأويل بإختلاف الجندر وكلاهما المذكر والمؤنث يكونان ثنائية الاتصال الادخالي الذي يحضر ونحن نلاحق وجوه اقنعة عماد عاشور الذي تطرف كثيراً في تلاوين لها وجعل منها علامات تشير لخزان ذاكرة ومرويات الشفاهة اليقظة والممتدة عبر التاريخ والزمن بوصفها جزءاً نابضاً من الموروثات التي تتداولها الجماعات بوصفها موروثاً .
مادمنا قد تحدثنا عن الكامن الجنسي في اقنعة الانثى فلابد من توسيع فضاء هذا الكامن على الرغم من الوجه وحواسه معاً ولها دلالات واضحة وأثناء توظيفها جنسياً وكلما كان الجسد الانثوي اكثر مرونة يكون الوجه / القناع أعمق استجابة للثنائية بين الطرفين / الجندر وحتماً التركيز على الاشكال تستحضر معلومات الذاكرة عن الميثولوجيا التي لعبت فيها المرأة عبر تاريخ طويل دور القداسة ، فالخصوبة الملونة في اقنعة عماد عاشور هي رموز انبعاثية ، حتى وإن لم يكن لونها أخضر لأن تجربة الفنان عاشور وحريته وتوفر له ما يسمح بتعدد الألوان وهي تجارب معروفة بالفن العالمي، ومع كل هذه الملاحظات اقول بأن الاقنعة تفضي وتذكرنا بعديد من الهات الشرق اللاتي مازلن حاضرات حتى هذه اللحظة من اجل تجميل الحياة وادامة حيوتها عبر حضورها وفي هذه الفعالية يعاود الجندر/ النوع – المذكر /المؤنث التجاور التخيلي مرة اخرى واخرى ويتم اختيار طاقة الجسد الانثوي.
وما يمنحه من تبريكات الجسد المذكر .. إنها سرديات عماد عاشور التي روتها لنا الأقنعة.. والتغذية على الموروث الشرقي الخاص بجسد الأنثى كاملاً لأن الجزء يفضي بنا للكل وهو قادر –القناع- على انتاج سرديات أخرى تفتح فضاء جنسياً لأن جسد الأنثى مبتكر لأنواع الاتصالات الثنائية وهي كثيرة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية