جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


خطاب الصورة في "شتاء العائلة"*


حميد حسن جعفر1
في ـ شتاء العائلة ـ الرواية الصادرة في طبعتها الأولى في بغداد عام 2002 والمكتوبة في عام 1993 والحائزة على جائزة المبدعين الشباب في مجال الرواية في دبي / الإمارات العربية المتحدة في عام 2001 ، في هذه الرواية الممتلكة لعدد من التواريخ، يشتغل الروائي على سرد الصورة الثابتة في اللحظة الآنية، والمتحركة في الفضاء الماضي.
عبر ذاكرة تمتلك القوة على المناورة، وعلى توفير نصٍ تصويري يعتمد المعاينة والتحديق. نص عيني. [إن جان جاك روسو يجعل التحديق ــ الذي هو المعاينة اساسَ اجتماعية الانسان وقيام المجتمع المدني] عن كتاب دليل الناقد الأدبي لـ (د ميجان الرويلي و د سعد البازعي ص94.
حيث تبدأ الحياة الفاعلة وحراكها من قوة الحياة المعطلة وجمودها أي أن الروائي كثيراً ما يبحث عن المتحول في الثابت، أو المتحرك في الساكن أي البحث عن الحاضر الحي في الماضي الجامد.
وهذه واحدة من أهم التقنيات الكتابية في العائلة في شتائها الأخير.
إذ يعمل القاص على خلق حالة تداخل ما بين حقول الزمن ــ الأزمنة ما بين حقل الصورة الفوتوغرافية، إذ تتجمد حركة الماضي مع حقل الحياة المتحركة في لحظتها المتمتعة بالحياة.
انه يعمل على اكتشاف الماضي في الحاضر واكتشاف المتحرك في الساكن عبر عملية تقترب مما يمكن أن يسمى تناص الحيوات / المعيشة / داخل البيت. مع الحياة الساكنة / القبور. كل هذا من أجل وضع اليد على ملامح قد نجدها عندما نعاين أنفسنا في المرايا. أو عندما نحاول أن نحرك الجدار / الزجاج أملاً في الحصول على تحديق أكثر واقعيةً أو خيالاً أي اننا نبحث عن الجذور المنتمية للماضي. في الصفحة (95) من كتاب دليل الناقد الأدبي يقول سارتر متابعاً ــ جان جاك روسو ــ ليجعل التحديق [جزءاً أساسياً في تحديد الذات الوجودية لأن وجودنا الاغترابي يعتمد على الكيفية التي ينظر بها الآخر الينا. وبدون هذا التحديق لن نكسب هويتنا].
إن ــ علي بدر ــ يتحدث بصورة موازية لما يحس به سليمان الذي كان "يتذكر الأيام التي أهملت في ذاكرته" ص99
وعلى الرغم من أن السارد العليم / الكلي هو واحد من المقربين لأكثر أفراد الأسرة هيمنة على الواقع، إلا انه يقف بعيداً عن التأثير على الأحداث. على الرغم من السلطة الممنوحة له في أحقية الانتقاء اشخاصاً واحداثاً وأزمنة لأن وقوفه هذا متأت من كونه راوياً  لا يعتمد المشاركة الفعلية المكشوفة. بل يعتمد على ما تركه الماضي خلفه من صور لـ "سلاسل من أسلاف وأجداد وآباء وأحفاد" استطاع عبرها أن يمتلك عنصر الحكي الماضي الخامل. والذي استطاع أن يقر ويتمركز "عبر عدسة الكاميرا" على الورق بعيداً عن التغييرات.
هذا الثبات ــ ثبات الصورة استطاع الراوي أن يطلق عليه لحظة المضارعة ليتمكن من إعادة دورة الحياة للأفراد والكائنات بدءاً من الأشجار والغربان واللقلق والطقس والكلاب السلوقية وجب الزنبق وليس انتهاءً بالأثاث والستائر والطنافس والرجلين السودانيين والرجل الأذربيجاني وما تفرزه بغداد التي كانت نائمة حينها على حافة المقامرة.
انه واقع الصورة المتحركة لاحقاً، المحاذي للواقع المتحرك المضطرب. واقع خامل يكاد ينطفئ بين يدي العتمة. فاذا به يشتعل / يتأجج فجأةً بفعل الحياة التي يصنعها الغريب بجسده المفتول العضلات. بأناقة فتوته الفاتنة ومغامراته القادرة على خرق السكونية والعبث بالمتخثر / المتجلط من سوائل الحياة.
"2"
في "حضور الغائب" المفتتح أو القسم الأول من النص الروائي الممتد على بياض الصفحات العشرين الأولى. يكون فيه السارد فاعلاً. حيث يتحول الماضي الذي يكون على هيأة ذكريات الى فعل مغامر يحاول أن يضع المتكلم وسط حالة تشبه السكر. يفقد السكون وسطها انطفاءاته ويتحول الاسترجاع الى فعل لذة. يغطي على فعل الحاضر بتوقعات المستقبل. انها [رائحة الذكريات الشبيهة برائحة فاكهة مخمرة] ص9 هذا الفعل يشكل الطرف الأول من معادلة تعم حياة الشخصية المتحدثة. الواقفة وسط الفصل فيما بشكل [ماض موحش ينبعث من كل مكان] ص9 الطرف الآخر من تلك المعادلة.
انه التداخل ما بين ذاكرة فتية مازالت بكامل قيافتها. وصورة بالأبيض والأسود لشابة هي عمته. والاثنتان الذاكرة والصورة تنتميان الى الماضي. حيث [كانت الكلاب اليابانية البيض تتخلق حول أقدامنا. تحيل فضاء السهرة الى شيء شبيه بالأحلام] ص20
*
الروائي ـ علي بدر ـ يدفع بالسارد الى أن يتلاعب بالمتلقي عبر تعددية الأزمنة / أزمنة الحدث والكلام الحديث. وعبر تعددية الأشخاص.
فما ان يستقبل القارئ حديث السارد الواقف وسط كومة الذكريات حتى يباغت "عند موت ـ عبده ـ إحدى وصيفات القصر" إن السارد يقول معترفاً انه كان واقفاً الى جانب جدته وصديقه "اسعد". هذه الشخصية التي سيتخلى عنا السارد الروائي كما يتخلى عن سواها.
ما ان ينتهي من هكذا فضاء حتى يقول "دخلنا ـ أنا وزوجتي ـ بهدوء الصالة الدائرية" ص14 اذاً هناك أكثر من وجود. أكثر من حضور أكثر من كائن بشري. كل هذا من اجل أن يجد القارئ نفسه واقفاً وسط القصر. وسط الأحداث. يسمع ويرى ويستقبل. من أجل أن تدخل العمة مملكتها. ورغم وجودها. إلا ان السارد يجسُ ومصغ تماماً بأن صوتها "الذي يشكل حضوراً فاعلاً" يشكل فضاء مختلفاً عن الآخرين "فأجابتني بصوتها البعيد القادم من مكان قصي" ص16 صوتها المتهدج الذي يأتيني بشكل أليف من مكان بعيد ص16.
اذاً هناك جسد / كيان قريب. وهناك فضاء صوتي بعيد. هناك حدث مأساوي ـ موت ابنة الأخ. في الفصل الثاني "الهروب اخر يوم من الشهر ص 33 ـ 195.
وهناك حالة حزن تجتاح العمة ـ حالة الوهم ـ وهم اكتشاف الحب الذي يجتاح الشخصية الرئيسة. ـ العمة ـ حالة تقف خارج الانسان من أجل خلق حالة توازن يعمل القاص على خلق حالة ايهام. كحالة رد فعل فالماضي هو كل الحياة. ومن أجل أن تستمر حالة الوهم على الكائن البشري أن يستمر بعملية إنتاجية.
فالذاكرة لم تكن لدى العمة سوى مختبر لانتاج حياة جديدة تعتمد على الساكن القار في الماضي. [أحياناً وأنا أصغي لصوت طائر المقو، أتذكر كل شيء. استعيد كل التفاصيل الحميمة بحسرة كبيرة أتخيل انني أحيا الحياة مرة أخرى. وأغير التفاصيل بصورة أفضل لأجد نفسي معها. "مع ابنة أخيها التي ستموت ضمن حالة انتحارية بسبب هروب الغريب. الهروب المصحوب بمخلفات تنتمي الى الفواجع"
ومعه هو "مع الغريب الذي استطاع عبر عملية الغواية أن يخترق السكونية ويخلق حالة طموح لخريف امرأة ولربيع صبية. والذي يجب أن يظل غريباً لأن الحياة الساكنة لا يحركها إلا المختلف / إلا المغاير."
لأن غيابهما هو الذي أورثني كل هذه التعاسة" ص91
في محاولة منها لخلق المتغير. فالسارد يقول: "الأشياء المتشابهة لا تخلق جديداً" ص21.
[وأنا أتأمل في ظلي أدرك جيداً ان كل ما كان لابد ان يكون" ص19
"3"
الصورة رغم انتمائها للماضي الا انها ـ بين يدي الراوي ـ تتحول انتماءاتها الى الحاضر رغم ان السارد الآني مازال يعاين "كانت صورتي محنطة باطار برونزي على الجدار الشاهق." ص21
فالسارد لا يمتلك ذاكرة. أي انه يقف على الحياد. هكذا أراد له الروائي ان يكون. فهو غير قادر على ان يعود الى ماضيه الخاص. رغم وجوده في الصورة مع عمته "كما لو كنت أتفحص ظلي في العتمة" ص21
هذا التفحص ينتمي الى العمى والذي [يشير الى نوعين من الفوضى وغياب التمييز والمعرفة.. والعشوائية وغياب الانتظام والاتساق] ص292 دليل الناقد الأدبي إذ ان العتمة / انعدام التذكر هي السائدة. ولتتحول الذاكرة الفردية للسارد الى عتمة دائمة قادرة على إلغاء الآخر. عبر عدم رؤيته وتحديد أبعاده.
إن المتلقي لابد له من ان يحاكم ما يستقبل حتى وان كان بعد حين. فالتداخل ما بين الواقع والوهم أو ما بين الملموس وما وراءه. هو الحاصل إذ أن "كل شيء كان ينتمي الى "الخيال لا الى الغرابة" ص20
اذ ان امتحان القارئ حالة يمارسها الكاتب لالغاء وتيرة الرتابة. وان السارد يمتلك حرية التنقل زمانياً كما قد امتلكها مكانياً. وما عليه ـ القارئ ـ الا ان يتسلح باليقظة. اذ ان ما تتم قراءته في الصفحات العشرين الأولى من "حضور الغائب" لا تشكل حالة سبق لما تليها من كتابات بل انها تنتمي لما بعد الحدث. أي انها تنتمي الى ما تبقى من الذاكرة. من شظايا الأفعال التي مارستها شخصيات النص، الغريب وزوجته الفتاة وعمتها. الجميع يقف تحت سلطة الماضي وإن تحرك في فضاء الحاضر ، للماضي سلطة رهيبة على القاص. أو هكذا يجد القارئ ما يدور في فضاء القص. اذ ان المتلقي سيجد نفسه وسط كمية هائلة من استخدامات للفعل "كان وتخريجاته" لقد كان لهذا الفعل استخدامات فسيحة. هذا الفعل الذي كان معلمو قواعد اللغة العربية أو مدرسوها يسمونه الفعل الناقص أو كان وأخواتها.
هذا الاستخدام الذي فاق تصورات القارئ. إذ تم استخدام هذه الصيغة ومشتقاتها وفي صفحات الرواية المكتوبة / المحبرة. وليس البيضاء تم استخدامها أكثر من [598] مرة. وبمعدل ما يقارب الثلاث مرات للصفحة الواحدة. ولم تنجُ من هكذا سلطة سوى ثلاث عشرة صفحة فقط.
هذه النسبة العالية لابد لها من أن تخلف انساقاً قادرة على القمع من جهة، قمع الحاضر ـ وعلى صناعة ماض بصيغة المستقبل قادر على صناعة الحراك من جهة أخرى.
ولذلك كان للماضي الذي هو على شكل صورة بالأبيض والأسود، سلطة الخلق [لا أحد يروي سوى هذه الصور الفوتوغرافية المتأملة من بعيد] ص21 فالصورة تطلق شخصياتها بعيداً عن الأقنعة. بعيداً عن وضع المتفرج / القارئ في فضاء المساءلة والاستجواب. أو فضاء الامتحانات الصعبة. إلا أن الراوي وهذا ما أوجبه المؤلف لا يدع للقارئ حالة كشف جاهزة. بل يضعه وسط فضاء من الاستفسار. ومحاولة توظيف المعرفة. واستبطان الذاكرة من أجل الوصول الى الشخصيات المتماهية خلف الضمائر.
إن فن البحث عن كنه الصورة هو أحد مقتنيات الكاتب. والتي على القارئ أن يعمل على امتلاكها [كنا نتطلع الى المدن الصامتة والأشياء تتوالد فيها بشكل أخاذ] ص21
فعملية استحضار الحركة داخل مضمار الصورة / السكون هي محاولة من قبل القاص لخلق شخص راو يقف بمحاذاته ليبتعد هو شخصياً عن كاميرا المتابع / المتلقي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية