جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


يهرفون الشعر


محمد درويش علي
كثيرة هي دواوين الشعر التي تصدر هذه الأيام ، وكثيرة هي القصائد التي ترفض في الصحف والمجلات ، وكثيرون هم الشعراء ، ولاأحد منهم يأخذ بنصيحة سديدة وكأن شعره هو اكتمال وليس تجربة بسيطة أو أقل من ذلك ! والمشكلة ان قسماً من هؤلاء يحمل قصائده وهي مكتوبة في جيبه ويقرأها اينما يحل أو في المكان الذي لايعارض فيه ، بل يقال له : الله نصك جميل،  وهو يرد بهدوء وخجل : أشكرك . ثم يقوم بعدها بتعداد مناقبه الشعرية ، وكأن تجربته توازي تجربة الجواهري أو السياب أو غيرهما .
والشعر عند هؤلاء إما تهويم، أو تغزل سطحي بعين إمرأة، أو أحد أطرافها ، بعبارة مستهلكة ، وينسى هؤلاء ان مايسمونه شعراً ماهو الاّ خواطر بإمكان أي واحد يقرأ ويكتب أن يأتي بمثلها ، وهذا كله يمضي ،وبعد حين يطالب بالحقوق من هوية اتحاد الأدباء بالسفر لحضور المهرجانات ، ويتسرب أحدهم تحت ضغط طلباته ويحضر مهرجاناً ما ، وحينما يصعد المنصة وهو يمثل الشعراء كونه أحد المدعوين يقول مخاطباً الجمهور : سأقرأ عليكم ( قصيدتان ) ضارباً كل قوانين اللغة عرض الحائط ، ويتناسى اللغط والضحك عليه !
والمصيبة الأكبر التي تأتيك من هؤلاء هي انهم يتبوأون الأماكن الأمامية في كل ندوة ، ويشاركون في أي حديث يتحدث به الضيف المتحدث حتى لوكان عن المريخ والذرة والكواكب السيارة والواقفة، المهم هو ان يتحدث ، فلو نفترض انه قرأ قصيدة، أي الضيف، يكون التعقيب كالآتي : من القصائد الجميلة التي  استمعت اليها وأهنئ الشاعر على ذلك ، متناسياً ان للنقد قواعده مثلما للشعر قوانينه ، والأدهى حينما يراك ساكتاً يتخيل انه أفضل منك ويطلب ان يقرأ قبلك لو حصلت فرصة للقراءة ،وقبلك في كل شيء ، ويحاول ان يغالطك في كل ماتقول ،  ويطالبك بأن تكتب عنه ، واذا لم تفعل ذلك فيعد ذلك مسألة شخصية ويعتبرك تريد النيل من شعريته وهو أفضل منك في كل المقاييس .
هذا هو حال هذا القسم الذي ابتلي الشعر بهم ، حتى جعلوا بعض المتابعين للشعر يقولون لايوجد شعر الآن ، ويأخذ الشعر الحقيقي بجريرة هؤلاء المتشاعرين المتسكعين في طرقات الشعر وفي طرقات الأدب لينالوا حظوة التعرف بهم ، وشرف الكلام معهم حتى يقوى عودهم الذي لن يقوى ويتحدثوا عن ذكرياتهم معهم ، وهي لاعلاقة لها بالشعر والأدب والفكر ، وانما كيف سلم عليه وجلس في المقهى التي يجلس فيها .
ان الشعر الحقيقي لايحتاج الى دعاية ولا الجلوس في المواقع الأمامية ولا الدخول في أي حديث كيفما اتفق ، ولا التعالي على الذين لهم السبق في الكتابة ، لأنه احساس صحيح قد يأتي وقد لايأتي وكما قال الشاعر العربي محمود درويش : القصيدة داعرة تأتي في أحرج الأوقات وتكتب في أسوأ الورق !



المشاركة السابقة : المشاركة التالية