جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


في ظل إشكاليات التناقض بين الذات والواقع


« ربع جرام ـ مترو ـ أحلام وقمامة القاهرة .. « وأسماء أخرى عديدة لـ « روايات « مصرية جديدة انتشر الحديث عنها في البيئة الثقافية المصرية ، واحتلت اهتماماً واسعاً من قبل وسائل الإعلام ، حتى فاقت شهرتها شهرة روايات نجيب محفوظ صاحب نوبل ؛  فبعد أكثر من مائة عام من العطاء الممتد ، استطاعت خلالها الرواية المصرية أن تحتل مكانها اللائق بين الأجناس الأدبية ، وأن تتسلل آلياتها الفنية والإبداعية إلى كشف الملامح الخفية لحياة أبطالها متدثرة بسياج من القواعد الكلاسيكية المتينة ، تشهد هذه الرواية الآن تحولات جذرية على التقاليد والأعراف الروائية المألوفة ، بفعل ثقافة التناقض ، وآليات المزج والتعبير ، التي يتبعها جيل ثائر على واقعه وأحلامه من « الروائيين « المصريين الجدد ، وهو ما أثار الكثير من النقاد والإبداعيين ، وفي خضم الصعوبات الجمة التي كانت تواجه الكتاب المحترفين في كتابة الرواية بشروط مهنية وحرفية ، أصبحت الرواية الآن ـ لدى شريحة كبيرة من مدعي احتراف الكتابة الروائية ـ أسهل الأجناس الأدبية التي تكتب وتنشر وتوزع وتباع وتطبع أكثر من طبعة في فترة وجيزة .. هل تتجه الرواية المصرية نحو الهبوط ؟ أم أن هذه الموجة الجديدة من الروايات مجرد زوبعة في فنجان ؟ وما ملامح الاتجاهات الجديدة في كتابة الرواية من وجهة نظر النقاد ؟ هذا ما حاولنا أن نضعه على مائدة الحوار مع الخبراء والمختصين بفن الرواية والكتابة والنقد الأدبي ..
انفجار الرواية
بداية يرى الدكتور صلاح فضل ـ أستاذ النقد الأدبي ـ أننا نعيش في فترة أطلق عليها فترة انفجار الرواية العربية المعاصرة ؛ بمعنى أنها قد اقتحمت البيئات العربية التي لم يكن لها عهد بها من قبل فتفجرت في الشمال الإفريقي وفي منطقة الخليج إلى جوار العواصم التي نبتت فيها على مهل منذ بداية القرن العشرين في الشام والعراق ومصر وهذا الانتشار الجغرافي صحبه أيضاً نوع من المشاركة المكثفة لأجيال عديدة للرجال والنساء معاً وصاحبت كل ذلك حركة تجريبية قوية في ممارسة الكتابة بأشكال إبداعية تتجاوز الأنماط التقليدية للكتابة الروائية التي استقرت في العقود الأخيرة من القرن العشرين خاصة في مصر والشام ، ونتيجة لذلك نجد أن الرواية تبرهن الآن أنها جنس بلا حدود يبتلع أنماطاً كثيرة من الأنماط السردية على شكل حكي سردي وتعدد أصوات والتلاعب بالأزمنة والانتقال المكاني والتجريب التاريخي ، وكل أشكال الكتابة تقريباً يمكن أن تغطى بغلاف سردي فتشكل رواية ، وهو ما ينطبق عليه المثل العربي القائل "كل الصيد في جوف الفرا" !!
تيار الجرأة
ويضيف د. صلاح فضل إنه من الصعب أن نحصي أو نحصر أشكال الإبداع الروائي الآن ؛ لأ مفاجآتنا ستكون يومية ، ومن الصعب أيضاً أن نحدد التقنيات الفنية التي يتبعها الروائيون لأن باب الاجتهاد أصبح مفتوحاً على مصراعيه لكل جديد ، ورغم حق هؤلاء الروائيين الجدد في خوض هذا النوع من الروايات ، إلا أن ما استقر في الضمير الأدبي من ناحية ، وما يظفر باهتمام النقاد ويعد إضافة حقيقية للإبداع الروائي من ناحية أخرى يظل فقط محصوراً في التجارب الناضجة التي تدخل بعمق في جسد الرواية وتضيف أنماطاً جديدة وتفتح آفاقاً واسعة أمام المبدعين ، والحقيقة أنه يصعب على أي ناقد أن يقرأ أي نص ويقول هذا ليس رواية لأنه لا يستطيع أن يحكم سلفاً على وجود حدود للرواية بشكل حاسم والتي تصل للمنطقة التي يكتنفها هذا النص ، ولكن في نفس الوقت فإن الناقد غير مقتنع بهذا الشكل من الرواية ولا يمثل له النموذج الذي يرتضيه ولكن بالنسبة للقارئ العادي فهو يقف مذهولاً أمام تيار من الجرأة المتهورة لشباب الروائيين الآن ؛ إذ أنهم يتخطون الحواجز الأخلاقية والدينية والأعراف والتقاليد ، يقفزون عليها كي يثبتوا حقهم المشروع في رفع سقف الحرية بلا حدود ، وعندما  يمسكها أي قارئ متمرس فإنه لا يستطيع أن يدنيها لأنه يعرف أن ما يدور في الضمير الجماعي هو ما يتوافق مع الناس في جملته أنه يمثل إضافة حقيقية ولا يجرح الأعراف والتقاليد ولا يخرج عنها إلا بالقدر الذي يرونه يحررهم من التابوهات .
حشد روائي
ويؤكد الكاتب الروائي فؤاد قنديل أن الساحة الروائية المصرية الآن تحتشد بأشكال عديدة من الكتابة الروائية والاتجاهات القديمة والجديدة ؛ ففيها الرواية التاريخية والواقعية بدرجاتها المختلفة الرومانسية إلى النقدية إلى السحرية بالإضافة إلى روايات الخيال أي الفانتازيا والرمزية ... الخ اتجاهات جديدة متعددة أيضاً تحاول ألا تهتم بالقضايا الكلية كالموت والحياة والمصير والثورات والحرية ومشكلات الأمة على المستوى السياسي والتاريخي لأنها روايات هي في معظمها تعبر عن ذوات أصحابها وبعضها يتناول الواقع ، ولكن من خلال أنه لا يرغب في نقده او تصويره ولكن من خلال ذاته ، فضلاً عن أن هناك كتابات لم تحدد اتجاهاتها بحجة أن الكاتب لا يعرف ابتداءً ما سيكتب وإنما هي فكرة طرأت على باله وهو يكتبها دون إعداد ولتكن ما تكون ، لتخرج على أي نحو كأنها فضفضة ، ومثله كثير من الألوان الروائية بدرجاتها المختلفة .. ويضيف فؤاد قنديل قائلاً : ولكننا نحن القدامى نتوجس من هذا النوع من الكتابة خيفة ؛ لأنها بلا هوية ولا ملامح محددة ، بالإضافة إلى تخليه عن الاهتمام باللغة عامداً متعمداً أو الكتابة بالعامية أو بلغة الصحافة البسيطة وهذا ما يؤدي إلى أن يتحول الجمهور على أيدي هؤلاء الروائيين الجدد إلى فاقد للذائقة الأدبية بدلاً من الارتقاء به فهم يريدون التعبير بحرية كاملة دون التقيد بموضوع ولا بناء ولا لغة فتتحول الرواية إلى شيء "تيك أواى" رغم أن الرواية نص أدبي لا يجب أن تفقد أدبيتها ؛ فليس معنى أن الروائي يريد أن يحكي أننا نغفر له أي شيء يكتبه فهي ليست حدوتة بل رؤية ولغة وشخصيات وعالم جميل وصياغة محكمة وحبكة وأساليب سردية ونص مشع وفكر وتأمل ، ولكن للأسف كل هذا أو معظمه غير موجود في كثير من الروايات المصرية الجديدة للشباب ومع ذلك تنتشر سريعاً وتحقق مبيعات وتوزيعاً واسعاً بسبب الدعاية لها وإقبال الجمهور البسيط عليها وهو جمهور أيضاً يشبه نوعية هؤلاء الكتاب وأغلبهم من الكسالى الخاملين . ويشير فؤاد قنديل إلى أن السر في انتشار هذه الموجة من الروايات هو أنها لا ترهق الرأس ولا تحفز على تأملها بعد الانتهاء من قراءتها ، وغالباً ما يتعامل القارئ معها كالسيجارة التي يشربها سريعاً ليحرقها ويتخلص منها . 
أسباب متفرقة
وعن أسباب تلك الموجة من الكتابات الجديدة في عالم الرواية يقول فؤاد قنديل إن أهم هذه الأسباب الفراغ والبطالة والكبت في بعض الأحيان بالإضافة لسبب آخر خطير هو تراجع الانتماء للقيم بما فيها قيمة الوطن والتحلل منها ما يؤدي للابتعاد عن القيم والعمل بطريقة أنه لا يتبع أحد ولا ينتمي إلا لنفسه ورغبته وبالتالي يفعل ما يريد ، وقد حدث وشجع بعض الناشرين على النشر لهؤلاء الشباب وكانت تجربة وجدوها رائجة وقاموا بتوزيع هذه الروايات لدى البسطاء وأنصاف المتعلمين وهم أيضاً جزء من واقع فراغ الكتاب حتى فوجئنا بكثرة التوزيع ، بل إننا أصبحنا نرى فئة من أصحاب القيم تقبل على مثل هذه الروايات لتعرف السر في نجاحها بهذا الشكل وبالتالي يمكن أن يؤثر ذلك سلبياً على القاعدة التي تقرأ لكبار الكتاب ، وهناك سبب رئيسي آخر هو تراجع اهتمام النقاد برصد المنجز الأدبي أو المطبوعات التي تصدر كل يوم فالنقاد كانوا دائماً ومنذ العهد اليوناني وحتى العرب كانوا يقومون على حراسة الحركة الثقافية وفرز المطبوع لتمييز الغث من السمين وتشجيع المبادرات الجديدة وتوجيه من يفتقدون للتجربة وكل هذا لم يعد موجوداً الآن وحتى الصحافة سحبت ما كانت تقدمه من منابر النقد للنقاد وبالتالي أين يكتب هؤلاء النقاد بينما تحولت المنابر الثقافية الشفهية في أغلبها إلى مديح ومجاملات وحتى النقاد الذين يجدون فرصتهم في الكتابة مثل د. جابر عصفور أو د. صلاح فضل فهم مقلون وكثيراً ما ينشغلون بالقضايا العامة على حساب القضايا الأدبية وبالإضافة لمحدودية المنابر فإن أساتذة النقد الأكاديميين مشغولون بالكليات والتدريس والشؤون الإدارية ولا يمارسون دورهم ويبقى الأمل في الخروج من هذه الظاهرة السلبية في إتاحة الفرصة للنقاد ليقوموا بدورهم فهم يحملون مفتاح الحل في أيديهم ويجب أن تعود منابر النقد من جديد لأنهم العين الحارسة التي تخلصنا من أي عمل رديء وأنا متفائل لأني متأكد أن النقاد سيخرجون للعب دورهم ولن يصمتوا طويلاً وكل ذلك لابد وأن يصحبه شعور قومي خاص ببناء الضمير المصري الذي يعد الأدب جزءاً أساسياً منه ولو انهار تعرض هذا الضمير للخطر .
بين العربية والمصرية
ومن ناحية أخرى يرى الكاتب والأديب جمال الغيطاني أن الروائيين الشبان في حاجة ماسة إلى التوازن بين القديم والجديد بشكل لا يزيل الخصوصية والهوية الروائية ، إضافة إلى الحرص على التفاعل مع الآخر ، وأن السبب في وجود نماذج مهتزة ومطموسة الملامح من الروايات المصرية الجديدة يعود إلى إهمال رعاية المواهب بشكل حضاري ومنظم ، وإلى عدم وجود حركة نقدية ، كما أن غياب المقاييس عن المشهد الثقافي المصري أدى إلى نوع من الفوضى وانتشار حياة ثقافية زاخرة بالصفقات والفساد تبيع المديح لأصحاب الأعمال التافهة ، ورغم ذلك يرى الغيطاني أن الجديد لا يمكن بأية حال تجاهله أو استبعاده ، وإنما يجب مواكبته بحركة نقدية واعية تعيد المقاييس الروائية إلى مسارها الناضج ، خاصة وان الرواية العربية عموماً تمر بمرحلة من أفضل مراحلها تلك التي واتتها أن تحتل المكان البديل للشعر الذي كان ديوان العرب الأول فأصبحت هي الفن البديل. وهي أكثر الأشكال جماهيرية في عالمنا العربي . 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية