جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


يتيم سومر


عبد الستار البيضاني
في صيف العام 1994، اخبرني الصديق الشاعر حميد قاسم ان المطرب رياض احمد، يود دعوة الشاعر حسب الشيخ جعفر الى بيته، وانه - أي رياض دعانا ايضا حميد وانا. كان حميد قلقا من ان لايلبي حسب الدعوة، وانه اعطى رياض كلمة باقناعه، فقد كان يرغب بان يغني بحضوره.
بعد ايام قليلة التقيت الشاعر حسب الشيخ جعفر مصادفة، واخبرني بحماس اننا في يوم الجمعة المقبل مدعوين في بيت رياض احمد  دعوة غداء وغناء، قلت له يوم الجمعة عندي دوام في جريدة العراق، فقد اعتدت على دفع الصفحات الثقافية لاسبوع كامل في ذلك اليوم ، حيث كنت اتولى مسؤولية القسم الثقافي فيها. قال بابتسامة نادرة:( ولايهمك ننتظرك للثنتين، شنو قابل ماتخلص؟..اني راح اجيك للجريدة وبعدين ياخذنا حميد لبيت رياض لانه يندله)..واكد على ضرورة ان لانفوت الفرصة، لسماع غناء عماري اصلي كما وصفه حسب.
وفعلا في اليوم الثاني التقيت حميد في مجلة الف باء واكد لي انه رتب الموعد هكذا  مع رياض احمد، ولانه قريب منه فقد كان يمتلك تصورا عن الكيفة التي ستكون عليها الجلسة وماذا يتخللها، وهو اعرف منا  بكرم رياض ومستوى غنائه عندما يشتهي ان يغني!.. وانه سينتظرنا في الصالحية لنذهب من هناك الى بيت رياض.
بالتأكيد ان مثل هذه الجلسة فرصة كبيرة لسماع رياض احمد، لكنني في الحقيقة كنت اجد الفرصة الكبيرة، في ان ارى كيف سينزع حسب الشيخ جعفر، الصمت المتكلس على وجهه، صمت يشع بالحزن الذي ينادي اني هنا احرس حزن السومريين وكأنه آخر ايتامهم. لكنه لكم يشأ ذلك، ولم انزعج عندما هاتفني من دكان خياط صديق له معتذرا عن المجيء لظرف طاريء،ولم انتظر منه اي تبرير، فقد حدث هذا معي عندما اردت ابدأ حياتي الصحفية في مجلة (الف باء)، باجراء حوار صحفي معه لتكون بدايتي قوية، وقد فرح في حينها الاستاذ كامل الشرقي رئيس التحرير حيث اكدت له اني استطيع اقناعه بالحوار،وكذلك الزميلة القاصة ميسلون هادي التي كانت قد تسلمت القسم الثقافي توا، وكلاهما عدا الموضوع ضربة صحفية للمجلة،إذ ان حسب يعتذر عن اجراء اي حوار صحفي معه، ولانتذكر اننا قرانا له حتى مجرد تصريح، واتذكر انني لم ابذل جهدا كبيرا لاقناعه،  لذلك طلبت ميسلون ان ترافقني، في اجراء الحوار، وذهبنا الى الموعد في حديقة اتحاد الادباء العراقيين بعد ظهر احد الايام، وفعلا وجدناه ينتظرنا، وقمنا بتصويره، وتحدثنا كثيرا قبل التصوير لكننا لم نسجل اي شيء، حيث قال لتكن البداية بعد التصوير!..التقاطنا الصور له كان رسالة اطمئنان لنا، لذلك لم نقلق عندما غير رايه، بان يكون اجراء الحوار في يوم آخر، ونكتفي الآن بالصور..لطن هذا اليوم لم يأت ابداـ واكتفت المجلة باضافة صور خاصة بها لحسب الشيخ جعفر لم تملكه صحف اخرى. شخصيا كنت اقدر تغيير رايه، وهو تقدير ناجم عن تحصن حسب بالصمت حفاظا على نفسه بعد ان تحول المشهد الشعري انذاك برمته الى مشهد تعبوي للحرب، والمديح الشخصي لصدام حسين، وربما كان لايريد ان يقع في احراجات اسئلة، عن رايه بالحرب وادب الحرب، او (القائد الضرورة) قد تأتي من صحفي لايفهم موقفه جيدا، فعذرته ولم ازعل منه. 

*  * *
حسب الشيخ جعفر المولود في ميسان عام 1942، لغز اسثنائي في حياته من بين جميع الشعراء العراقيين وربما العرب!. وتكمن استثنائيته في انه الشاعر الوحيد الذي يتحدث بصمته.. صمته الذي كان يقول لنا وللآخرين اكثر ماتقوله الدراسات والقصائد المنبرية والضجيج الاعلامي المسلط على سواه من الشعراء، فقد كان الكثير من مجايليه الذين تحفل بهم الصحف يوميا وتصدر عنهم الكثير من الكتب والدراسات الجامعية وتقام لهم الأماسي الاحتفالية والبرامج التلفازية يزحفون من اجل الوصول الى ظله؛ اتذكر انه في العام 1984 عندما عاود الأتحاد العام للأدباء العراقيين نشاطاته الثقافية بعد توقفه منذ نهاية السبعينيات،  ببرنامج موسع تحت اسم (ملتقى الادب العراقي المعاصر) وكنت عضوا في لجنته التحضيرية عن القصة، اضطرت اللجنة التحضيرية الى تقسيم شعراء الستينيات الذين ينتمي لهم جعفر تحقيبيا على جلستين لكثرة عددهم، وبعد طبع البرنامج اخبرنا الدكتور محسن الموسوي رئيس اللجنة التحضيرية بضرورة تغيير البرنامج وإعادة طبعه لأن الكثير من الشعراء المعروفين يريدون القراءة في الجلسة التي يقرأ فيها حسب، ولم يقتنعوا بتبريرنا، اننا وضعناهم في جلسة اخرى لكي نوزع الشعراء  المهمين على الجلستين!.
لا أتذكر انني رايته على شاشة التلفزيون إلا في العام 2008 عندما تمكنت قناة الحرية من تسجيل برنامج معه مقابل مبلغ من المال يعد كبيرا بالنسبة لسواه، واتذكر ان ادارة القناة كانت سعيدة بذلك وعملت إعلانات مبكرة وكثيرة قبل عرض البرنامج. عندما كنا ندخل نادي الادباء نعرف اين يجلس حسب الذي لاينقطع عنه إلا في يوم الجمعة، فله مكانه الخاص في الغالب يجلس فيه وحده، ويقلب الكراسي التي حوله اشارة الى انه لايريد ان يجلس اي شخص معه، وحدث ان حاول اكثر من شخص يجلس معه لكنه منعهم بايماءة معهودة من يده ولم يكلف نفسه حتى الكلام. الغريب انه مع هذا الزهد والصمت والتجاهل النقدي والاعلامي له من قبل العراقيين إلا انه كان اكثر الشعراء حضورا في احاديث الوسط الثقافي،وكان الجميع يفهم ان صمته نوع من الاحتجاج برغم استمراره في الترجمة والنشر( ترجم الكثير من الاعمال عن اللغة الروسية كونه درس في معهد غوركي وحاصل على شهادة الماجستير من المعهد عام 1965)، وبالرغم من انني اعتقد بعدم وجود اي توجيهات رسمية تجاهه، إلا ان البعض كان يتحفظ في تناوله،لاعتقاد هذا البعض ان هذا التناول قد يزعج السلطة او ادباء السلطة،بسبب انتمائه اليساري المعروف، او بسبب تحفظه في الكتابة للحرب ولصدام حسين، غلا في قصائد معدودة جدا قيل انه كتبها بضغط اجتماعي من احد الشعراء،او كما لمح لي شخصيا او فهمت ذلك، من ان تلك القصائد التي لاتتعدى اصابع اليد الواحدة، هي مبرر لكي يطالبون له ببيت من رئيس النظام، لكن لم تجر الامور كما خُطط لها!..  وقد تاكد هذا الموقف- واعني تحفظ الإعلام والنقاد عليه، بعد فوزه بجائزة السلام السوفيتية في العام 1983، حيث لم ياخذ هذا المنجز للثقافة العراقية اي اهتمام من الإعلام العراقي، في حين حضيت مناسبات اقل منها شأنا باهتمام إعلامي كبير. وكانت جرأة كبيرة من الشاعر الدكتور علي جعفر العلاق عندما قدم دراسة مهمة  عنه في احدى جلسات اتحاد الادباء العراقيين عندما اثبت فيها، ان الشاعر حسب الشيخ جعفر هو رائد التدوير في القصيدة العربية الحديثة، وان الشاعر عبد الوهاب البياتي اخذها منه، وهذا ما ستذكره لجنة جائزة السلطان عويس في ديباجة منحه الجائزة لدوره 2002- 2003 : (وقد أسهم حسب الشيخ جعفر في قيام حركة الشعر العربي الجديد وفي إثرائه، فقد طور القصيدة المدورة العربية بطريقة جعلتها امتداداً للشعر العربي في عصوره السابقة، كما أعطتها جدة متميزة في النص المعاصر.).
منح جائزة سلطان العويس لحسب والتي منحت لكبار الشعراء العرب مثل الجواهري وفدوى طوقان ومحمود درويش ونزار قباني والبردوني، كانت محل سعادة كبيرة لنا نحن محبي حسب،جاءت لتعمق السؤال الدائم؛ لماذا دائما ياتي تقييم هذا الشاعر من الخارج اكثر من الداخل اي من بلده؟..وهذا الشيء ايضا اشار اليه الدكتور علي العلاق عندما عبر عن ابتهاجه بصدور كتاب للناقد المغربي عيسى ابو حماله بمجلدين عن تجربة حسب الشيخ جعفر بعنوان (أيتام سومر) وهو محصلة دراسة شاملة في بلد أُتهم نقاده بالتعالي وعدم الكتابة عن الآخرين بسهولة.  اما نحن القريبين من حسب فقد كان فرحنا بالجائزة ماديا اكثر مما هو معنوي، وذلك لمعرفتنا بظروف عيشه في البيت الذي يستأجره في مدينة الثورة الطافح بالمياه دائما، حيث مكنه مبلغ الجائزة من شراء بيت جديد في حي أور.
*    *    *
الزهد بالاعلام والصمت الذي فرضه حسب الشيخ جعفر على نفسه، جعلني اعتقد انه غير معروف لدى عامة الناس ومسؤولي الدولة، مثلما هو شان شعراء المنابر والمناسبات الذين تعج بهم انذاك وسائل الاعلام بانواعها الثلاث، لكن ثمة مفاجأة اعادت لي الامل بان الاعلام لايمكن ان يتفوق على الابداع مهما كان معزولا، ففي العام 1993 واثناء دعوة غداء اقامها المرحوم كامل ساجت محافظ ميسان للادباء المشاركين بملتقى ميسان الإبداعي، وكانت مائدة الطعام باذخة بالخراف الكاملة والاسماك الكبيرة في وقت عزهم علينا اثناء الحصار، وصادف انني اثناء الاكل عانيت من تشنج في فكيّ، ولم استطع اكل اللحم، وكان بجانبي الكاتب عبدالجبار ناصر وسألني مابك؟.. اجبته انني تذكرت اطفالي وتمنيت ان ياكلوا مثل هذا اللحم!.. فقال انا ايضا تذكرت اطفالي وشعرت ان شيب راسي ازداد!. ويبدو ان المحافظ قد انتبه لتوقفنا عن الاكل، فاقترب مني وابدى اسفه لانه لم يهيء لنا الشيء الذي يليق بنا فاجبته بالعكس، انه كرم كبير منك، فاجابني ( لالا هذا قليل ..لم يعلمني احد ان حسب الشيخ جعفر سياتي معكم، لكنت زينت العمارة كلها لمقدمه)..استغربت ان قائدا عسكريا معروفا والمسؤول الاول في محافظ كانت تعد ساخنة امنيا، يبدي هذا الاهتمام بحسب بينما لم يقل هذا الكلام عن شعراء معروفين ايضا معنا سوى بمنجزهم او بظهورهم الدائم بالتلفزيون مثل عبد الرزاق عبد الواحد ورعد بندر. وقد تكرر الامر في عمان – حسب رواية الشاعر هادي الحسيني، عندما علم امين عمان بوجود حسب الشيخ جعفر اخلا سنوات التسعينيات في عمان، وانه يسكن في غرفة ضيقة ورطبه زاره في غرفته وبكى، وهذا شيء نادر الحدوث.
في الملتقى نفسه وذات ليلة التقيت حسب الشيخ جعفر في احد ممرات سكننا المشترك في دار استراحة نفط ميسان فاوقفني، وهمس في اذني (الليلة لاتنام)، ابتسمت مستغربا،واردف، (نريد نسهر بس اني وياك وخضير..بغرفة خضير) ويقصد هنا المترجم خضير اللامي، وفعلا استطعنا التخفي عن الآخرين وبدات سهرتنا بعد الساعة الثانية عشرة حيث نام اغلب الادباء، واستمرت حتى الفجر، وكانت هذه المرة الاولى والاخيرة التي ياخذ فيها حسب زمام الحديث، ويتكلم اكثر من جلاسه بحيوية وصراحة بمواضيع سياسية خطيرة وغير معهودة، ولأول مرة اسمعه يتكلم بصراحة وقسوة حد الشتيمة للنظام، واتذكر جملة قالها بمرارة ( لماذا هذا القرد ياكل لحم البط والغزال، وان راتبي كله لايوفر لي كيلو بطاطا واحد)، وكان يشير بوصف القرد الى عزت الدوري الذي ظهرت صورته اثناء الحديث على شاشة التلفاز. كما تكلم عن اشياء مهمة جدا، منها محاولات اخراجه من العراق بطلب رؤساء عرب،وتوسط شعراء معروفين اتمنى ان يكتبها اويتحدث عنها مادام على قيد الحياة.
تقلبت الحياة سريعا؛..زمجرة دبابات الاحتلال الامريكي التي اسقطت الدكتاتورية، ودوي انفجارات العبوات الناسفة والسيارات المفخخة، واصوات رصاص اسلحة الغدر والاغتيال ملأت، وتملأ الشوارع برعبها واسئلتها،وفوضى الحياة الثقافية... لكن مازال صمت حسب الشيخ جعفريحتفظ بعلو صوته، وحراجة اسئلته!....يحدث هذا والإعلام بانتشاره وتطوره صار علامة الحياة الفارقة بعد العام 2003؟!.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية