جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


هنري لارتج .. مصور الحقبة الجميلة


فاضل عباس هادي
من الصعب بمكان الكتابة عن جاك هنري لارتج Lartigue . ومنذ الصباح وأنا أفكر بكتابة الجملة الأولى. وها هو الليل ينتصف وأنا ألف وأدور حول نفسي، أتصنع الانشغال بأشياء أخرى لا علاقة لها بالموضوع.
قلت في نفسي أن البحر يرى ولا يكتب عنه وان الفضاء أوسع من أن يحصر بين السطور.
إننا أمام مصور عجيب حقا. نتاجه يمتد على مدى تسعة عقود تقريبا. نعم تسعة عقود لأن لارتج بدأ علاقته بالكاميرا منذ نعومة أظفاره.
وبالتحديد في السنة الرابعة من العمر، وبقي على علاقته مع العين الثالثة حتى مات عن عمر مديد بلغ الثانية بعد التسعين.
انه مصور سعيد، ومن سعادته استمد العمر الطويل. مجلة «فوتو » الفرنسية المرموقة عنونت مقالاً لها عنه: «الرجل الذي جعل الكاميرا تبتسم » ولاختيار العنوان ما يبرره تماما.
لقد أقصى لارتج الألم من اهتماماته واعماله من دون أن يستثني الدعوة إلى الفرح، والى الحياة والانفتاح لا بل إلى التحليق. ولا يمكن أن نكتب عن لارتج بصيغة الماضي، وان كان أهم مصور سجل بذكاء وعبقرية تاريخ حقبة خصبة وسعيدة في حياة الأمة الفرنسية، «الحقبة الجميلة » التي تمتد من نهاية القرن التاسع عشر إلى بداية العقد الثالث من القرن العشرين. تلك كانت سنوات الأمل والإبداع، بداية عصر الطيران، وبداية العصر الحديث.
ولم تسم عبثا بـ «الحقبة الجميلة » لأنها كانت حقا جميلة. ولا يمكن أن نكتب عن لارتج بصيغة الماضي لأنه نسيج وحده ولا أتباع له. انه فريد حقا في تاريخ التصوير وتصنيفه مستحيل ثم انه كان يرفض أن يتمدرس أو يتحذلق أو يلجأ إلى التقنية والحرفية. حسبه أن يسجل ما يرى من المدهشات اليومية وما أكثرها لمن حافظت نفسه، بكيمياء غامضة، على روح الاندهاش والتعجب أمام أعجوبة الحياة والحركة والألوان والعطور والأضواء.
كان لارتج ملتحما بحركة الحياة حوله. أداته الكاميرا، وبها استعان على تسجيل العالم لحظة الصيرورة والتكون. وبعد نصف قرن من التقاط صور أثارت انتباهه، أصبح لها )الصور( دلالة اجتماعية وتاريخية. الا أن لارتج العجيب لم يكن يفكر بالمستقبل، كان يتعامل مع الحدث ضمن علاقة الحدث العضوية به. كان يريد أن يصيد اللحظات الجميلة وهي تتشكل أمامه، يريد أن يقبض عليها وهي حارة، ودافئة ومضمخة بالعطور.
يقول الكاتب الأمريكي جون شاركوفسكي: «من السهل أن تثير صورة قديمة اهتمامنا، أما الصورة الجديدة فتتطلب من المشاهد حاسة حادة تتجاوز الاعتيادي الذي اصبح عديم الحدة من فرط الاعتياد ». ويضيف أن الزمن
يعمل لصالح الصور الجيدة، وما كان عاديا سيبدو بعد خمسين سنة ذكرى عذبة وموشحه بشعور الحنين إلى الماضي. إلا أن أعمال جاك هنري لارتج هي اكثر من تسجيل لفترة غابرة. انها ملاحظات عبقري، ومشاهدات شاعرية الإحساس ومسجلة بشكل شاعري ورقيق.
ولم يكن لارتج يعتبر نفسه من الهواة، والتصوير بالنسبة إليه كان تعبيرا عن نفسه. كان عالم المدهشات بالنسبة إليه أهم من أن يهمل. وعلاقته به كانت اعمق من أن تخضع للتفسيرات النظرية والمدرسية والفلسفية. بل انه رفض أن يقام له معرض خاص بأعماله، وأول معرض أقيم له كان في متحف الفن الحديث في نيويورك، وذلك في صيف العام 1963 ، أي بعد ستة عقود من الإنجازات الخرافية المذهلة.
ولد لارتج في الثالث عشر من يونيو )حزيران( من العام 1894 في ضاحية قريبة من باريس لعائلة برجوازية جميع أفرادها من المتحمسين للتصوير الفوتوغرافي والفنون والعلوم. وبعد أربع سنوات من ولادته انتقلت العائلة إلى باريس. وفي السادسة من العمر بدأ لارتج الصغير يكتب مذكراته التي يدون فيها بالنص والرسوم الضوئية مشاهداته اليومية وفي العام 1902 بدأ يركز بشكل ملحوظ على الصور التي يلتقطها بنفسه ويحتفظ فيها في ألبومات خاصة. وفي العام 1915 دخل لارتج أكاديمية جوليان للفنون الجميلة وبعدها بدأ يرسم ويعرض لوحاته الزيتية والمائية في صالات العرض إلى جانب الرسامين الآخرين. وكان يلتقط الصور باستمرار وبعضها صير إلى نشره في الصحف والمجلات. إلا أنه استمر في الإصرار على عدم نشر صورة في معرض خاص بها، كما أسلفنا. حتى العام 1963 ، وبعدها كرت السبحة فصدر له «صور ج.ه. لارتج » في العام 1966 وهو خاص بصور الحقبة الجميلة، ثم في العام « :1970 مذكرات العصر » مع مقدمة للمصور
الأمريكي الكبير ريشارد أفيدون ثم في العام « 1973 بورتفوليو لارتج » وهو مختارات من الصور الموقعة وقد صدرت في طبعة محدودة ) 50 نسخة فقط( مع تقديم للكاتبة الكوسموبوليتانية اناييس نين. ثم «لارتج والنساء » في العام 1973 و «لارتج والسيارات » في العام 1974 وقد استمرت الكتب تصدر عنه تباعا، و «ألبوم لارتج » الذي صدر في سويسرا في العام 1976 .
قلنا إن لارتج فنان لا يمكن تصنيفه ولا اتباع له، عاش في عصر جميل واختار تسجيل الجميل والدراجات الهوائية المجنحة، المحاولات الأولى لاقتحام السحب، الجميلات وهن يرفلن بالدمقس والحرير ويعتمرن القبعات الفنطازية المريشة الملونة، الناس في لهوهم البريء على الشواطئ، سباقات السيارات والخيول، والطائرات الورقية، المتنزهون والمتنزهات في غابة بولونيا الباريسية الشهيرة.
أما تسجيل الألم والجانب التراجيدي فقد تركه لمن هم أكثر «جدية » منه. مع لارتج ندخل، من دون بروتوكول، إلى أنشودة الحياة وسيمفونيتها الناشطة.ندخل إلى الحياة في جانبها المشرق والضاحك، يأسرنا، يزف لنا البشرى، ويذكرنا على الدوام بالحياة في تجلياتها الأجمل والأكثر إشراقا.
أما من يصر بيننا على الظلامية والكآبة فليبحث عنها في مكان بعيدا عن مملكة لارتج.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية