جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » حوار


الروائي عبدالله صخي: سرد الحكايات أسرني مبكراً والسياسة في كتابتي كشف الجانب البطولي لدى الناس


حاوره: عواد ناصر
تمكن الروائي عبدالله صخي من ترك أثره بنجاح على أوراق السرد العراقي، وبعد صبر طويل فاجأ قراءه بروايتين جميلتين هما (خلف السدة) و (دروب الفقدان) عن دار المدى – والروايتان تغطيان زماناً ومكاناً تجاهلهما أغلب كتاب الرواية العراقية، للأسف، وقد حظيتا بمتابعات نقدية عديدة أشادت بالمنجز الإبداعي لهذا الكاتب الموهوب.
هنا حوار مع صخي يتناول مجمل تجربته الروائية والقصصية وما يتفرع عنها أو يتقاطع معها قراءة وكتابة.

نشأت (خلف السدة – في أكواخ ما أطلق عليه "العاصمة" في خمسينات القرن الماضي) في بيئة تكاد تفتقد حتى لمدرسة واحدة.. كيف بدأت علاقتك بالكتّاب/ الكتب حيث لا أحد يقرأ حتى الجريدة؟
- لم تبدأ علاقتي بالكتاب في منطقة خلف السدة إنما بدأت فعليا بعد انتقالنا إلى مدينة الثورة أوائل الستينات من القرن المنصرم. نعم، لا توجد مدرسة ابتدائية في خلف السدة (العاصمة). أما مدرستي فكانت بعيدة في آخر منطقة (الميزرة)، النصف الثاني من خلف السدة، قرب معامل الطابوق. كان الذهاب إليها معاناة يومية خاصة في الشتاء. ذات يوم سألنا المعلم: من يرغب بقراءة قصة يرفع يده. فرفعت يدي مع آخرين. سجل المعلم أسماءنا. كنا ستة، بيننا بنتان. كانت المدرسة مختلطة. بعد انتهاء الدرس قادنا إلى غرفة المعلمين. لم تكن هناك أية مكتبة بل خزانة صغيرة مزججة تقفل بمسمار. أخرج منها مجموعة كتب وراح يوزعها علينا بشكل عشوائي. كان من نصيبي قصة "الأميرة والثعبان". في الليل قرأتها على ضوء خافت رجراج ينبعث من فانوس قديم قبل أن تطفئه أمي وتمتلئ الغرفة الطينية برائحة احتراق فتيلته المتآكلة. "الأميرة والثعبان" هي القصة الوحيدة التي قرأتها خلف السدة ليس لأن كتب الأطفال ليست متوفرة في المدرسة، لقد وعد المعلم بجلب المزيد، إنما لعدم وجود متسع لتلك الكتب في طفولتي المهددة بالبؤس اليومي، لعدم وجود طفولة في طفولتي باستعارة تعبير انطوان تشيخوف.


في ما بعد كيف اهتديت إلى القراءة، ثم الكتابة؟
- كان لي صديق في محلتنا، شقيقه نائب عريف يخدم في وحدة خارج بغداد (قبل حرب عام 67). في إحدى إجازاته تعرفت عليه. كان يتكلم كحكيم وكانت عيناه تتوقدان ذكاء. حدثنا بطلاقة العارف عن العقاد وطه حسين وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ والجواهري والزهاوي. وقبل أن أغادر أعارني رواية "لقيطة" لمحمد عبد الحليم عبد الله. وحين أعدتها إليه أعطاني سلسلة من الكتب أذكر منها شجرة اللبلاب، ماجدولين، تحت ظلال الزيزفون، دعاء الكروان، وهؤلاء علموني. كنت في المرحلة المتوسطة من الدراسة وقد بدأت تشغلني حكايات جديدة، ليست كتلك الحكايات الخرافية التي كنا نستعذبها في الطفولة، بل حكايات واقعية تحدث في الجوار والشارع والمقهى والمدرسة. عصر يوم جمعة عثرت على فتى بائع للكتب المستعملة قرب محل جقماقجي لتسجيل الاسطوانات في شارع الرشيد (الآن لم يعد ذلك المحل الزاهي سوى أطلال). لم انتبه للفتى، كنت منشغلا بتصفح الكتب الكثيرة المفروشة على الرصيف والمعلقة على جدار الشارع حائرا في الاختيار. تقدم مني، سلّم علي وحيّاني باسمي وقال إننا التقينا في (الميزرة) فهو يسكن قريبا من بيت خالتي. تذكرته على الفور. القى نظرة سريعة على الرصيف والتقط رواية اسمها "بائعة الخبز" وقال وهو يعرضها علي: "لا تشتريها، أقراها ورجعّها وانطيك غيرها". رحت أمر عليه أيام الجمع والعطلات فأخذت منه روايات عمال البحر، وأحدب نوتردام، الزنبقة السوداء وكوخ العم توم والآمال الكبيرة وغيرها. لن أنسى تلك الخدمة الجليلة التي وفرها لي ذلك الكتبي الصغير الذي تضوع منه رائحة الورق.
عندما كنت أحبو في الطريق إلى التأليف كتبت محاولة قصصية، حكاية عن جندي، وأعطيتها إلى مدرس اللغة العربية في ثانوية قتيبة الأستاذ خليل بنيان كي يفحصها لي. وإذ أثنى على ما كتبت أوصاني بالقراءة الجادة، القراءة بلا انقطاع. بعد أيام جاء أستاذ خليل وقال بلغة فصحى اشتهر بها: "يا عبد الله لا تكتب قبل أن تقرأ هذا الكتاب"، ووضعه أمامي على الرحلة. كان مجموعة قصصية ليوسف إدريس عنوانها "النداهة". انبهرت بها، بعمقها وأدائها، (في تلك الفترة لم أكن مطلعا على القصة العراقية). واستجابة لنصيحة استاذي قررت ألا أكتب حتى تنضج أدواتي الفنية فانصرفت لقراءة المزيد من كتب صديقي البائع الصغير. وسنة إثر أخرى غدت القراءة مسؤولية معرفية طامحة يزيد في أوارها التنافس مع أصدقاء يشاركونني اهتماماتي الأدبية. مرة ذهبت إلى المكتبة المركزية بقصد استعارة بعض الكتب فرفضوا لأني لست من طلاب جامعة بغداد. هناك، بين جدران الكتب والمخطوطات، لمحت شخصا أعرفه. تذكرني بسهولة. كان زميلا لي في المدرسة الابتدائية. أكد أنه لا يحق لي سوى المطالعة داخل المكتبة لأني من طلاب الجامعة المستنصرية، لكنه وجد حلا مذهلا هو أن يستعير الكتب التي أريدها باسمه. وبدأ يعطيني كل خمسة كتب دفعة واحدة مع التوصية بالحفاظ عليها من التلف أو الضياع لأنه سيدفع غرامة على ذلك. إني اتذكر، بكل الحب والاحترام، أولئك الذين ساعدوني على الطيران بأجنحة غضة.

هناك كتاب وفنانون كثيرون ولدوا ونشأوا في عوائل معدمة، لكن فقر العراقيين لا يمكن مقارنته بفقر أولئك، كيف يتأتى لشاب فقير تدبير مستلزمات الثقافة (شراء الكتب والأقلام ومشاهدة السينما والمسرح وحضور المعارض التشكيلية والاستماع إلى الموسيقى ... بالتالي الثقافة برمتها ترف في مجتمع منهوب وتعيس ومهمش وعرضة للإرهاب منذ تأسيس الدولة العراقية؟
- الاهتمام بالثقافة كان لمواجهة كل ذلك التعسف والظلم، لمواجهة الفقر والبؤس الذي يعاني منه بلد يعوم فوق بحيرة من النفط، ويعد (افتراضا) من البلدان الغنية في العالم. يا للهول! أين تتسرب تلك المليارات، تلك الأرقام الكونية المخيفة؟ (في زيارتي الأخيرة لبغداد، الشهر الرابع من هذا العام الحالي، مررت بمدرسة ابتدائية متهالكة آيلة للسقوط، نوافذها مفتوحة بموازاة رؤوس المارة في سوق شعبي. المدرسة تعمل على أساس الدوام الثلاثي ويتكدس في كل صف منها ستون طالبا)! مثل هذه البيئة التعليمية موجودة في بلادنا منذ سنوات طويلة. نعم، كما قلتَ إن الكتب والمجلات والأقلام والدفاتر مستلزمات معرفية كان الحصول عليها شبه مستحيل، إن لم يكن مستحيلا فعلا لدى بعض الأسر المعدمة. لكن الرغبة، التصميم، الكفاح عوامل كانت تدفع أولئك الفتية، الذين سوف يصبحون ممثلين وكتابا وشعراء وموسيقيين، إلى التعليم أولا من أجل الحصول على وظيفة تمكنهم من الذهاب إلى المسرح والسينما، ومن شراء الكتب والصحف والمجلات.

إذا كانت الثقافة الشفهية والفطرية منبعاً للفن، كيف تفسر اختيارك للقصة القصيرة، ثم الرواية؟
- تلك الثقافة الفطرية المتداولة انتجت الحكاية في طورها البدائي الذي تحول، بعد قرون من الروي والقول، إلى الحكاية بشكلها الفني والجمالي التي يصفها التجنيس النقدي بالقصة القصيرة. فهي حكاية لها سمات وشروط تقنية حديثة. لقد شغفت بتلك الحكاية، بمضمونها وبنيتها ودلالاتها الأخلاقية، وبالسير في حقل الخيال الفسيح الذي تشيده رغم أنها في الختام تتركني في حيرة. لسنوات طويلة ظلت الحكاية بالنسبة لي كالأم الجأ إليها في لحظات الشوق والسأم والخوف حتى انقضى النصف الأول من الستينات عندما انفض مجلس الحكاية وتفرق الفتية، رواد الكلام، وعاد الجنود من ثكناتهم بإجازات ليعقدوا مجالسهم الليلية ليرووا لنا حكايات جديدة في الظلام قرب سرادق المآتم أو تحت الضوء الشحيح لأعمدة الكهرباء. تلك الحكايات ستجد صداها في عدد من القصص التي نشرتها في الصحف العراقية أواسط السبعينات. وفي إطار بحثي عن الحكاية التي أنشدها عثرت على نماذجها الحديثة، النموذج الموباساني ثم التشيخوفي، بعدها سحرني ذلك النموذج في صيغته العراقية من خلال قصاصي الخمسينات عبد الملك نوري (العاملة والجرذي والربيع)، غائب طعمة فرمان (عمي عبّرني)، فؤاد التكرلي (العيون الخضر)، ثم محمد خضير (حكاية الموقد)، فهد الأسدي (يأجوج ومأجوج)، جليل القيسي (أنا لمن وضد من). هذه النماذج نأت عن السرد التقليدي التأسيسي في الثلاثينات والأربعينات الذي اتسم بالشعارات والتقرير والخطاب الوعظي المباشر الريادي كما هو لدى محمود أحمد السيد، جعفر الخليلي، ذو النون أيوب، أنور شاؤول إدمون صبري. لقد شيدت القصة الخمسينية والستينية معمارا فنيا مبتكرا دفعني إلى الاهتداء بأضوائه المشعة الملهمة. تلك كانت لحظة التحول، التي قادتني إليها فنارات أولئك المعلمين الكبار، لحظة البداية، لحظة القصة القصيرة الحديثة التي يعتبرها ميشال بوتور أحد المقومات الأساسية لإدراك الحقيقة.

هل يفسر ذلك ذهابك إلى السرد فيما أغلب أبناء جيلك ذهبوا إلى الشعر؟
- بقيت قريباً من الحكاية البدائية حتى النصف الثاني من الستينات. كنت أشعر أني بطل تلك الحكاية الملغزة التي حين اسمعها تصغي حواسي كلها وتهزني رعشة الخائف وأسافر عبر خيال متوثب سرعان ما يعيدني إلى الحقيقة، (الخيال يخلق الحقيقة/ فاغنر). هكذا طوقتني الحكاية متجاوزة الشعر الذي لم يكن بعيدا عني. كان يسحرني لفترة وجيزة فيما تظل الحكاية راسخة في وجداني للحد الذي أحس إني كاتبها. كانت الحكاية تأخذ أشكالا مختلفة: مجيء طالب جديد منقول، حريق في بيت مجاور، شجار في مقهى، معركة بين قبيلتين، الذهاب إلى السينما، أمنية اقتناء دراجة هوائية. حينما تدرجت في المدرسة المتوسطة والثانوية، وفي كتب النصوص الأدبية المقررة في المنهاج التعليمي أخذت انتزع الحكاية من الشعر وأتمتع بحوادثها وأضيف إليها من خيالي فمعلقة أمرؤ القيس تتوفر على عدد من الحكايات. منذ بداية حياتي عشت في وسط شعبي تراجيدي موشوم بالأنباء الحزينة التي تشكل في مجملها سيرة الألم فلم استطع مغادرة مناخات المجتمع المأساوية التي يعتبرها أرسطو جوهر القص (القصص يجب أن تبنى على شكل مأساة/ فن الشعر).

ألا ترى أن القصة القصيرة فن مظلوم عربياً، حيث الجميع يريدون أن يصبحوا شعراء أو مطربين؟
- فن مظلوم نعم، ليس في المنطقة العربية فقط إنما في الغرب أيضا، الأمر الذي دفع الصحفي البريطاني سيباستيان شكسبير إلى التساؤل حول السر المحيّر وراء خلو لائحة الكتب الأكثر مبيعا في المملكة المتحدة من أية مجموعة قصصية. القصة القصيرة تمر بمرحلة ركود غريبة، وبعض النقاد والقراء بدأوا ينظرون إليها باعتبارها رافدا ثانويا للأدب، فيما الرواية تتصدر واجهات المكتبات. يقول سيباستيان في مقال نشره في صحيفة (إيفيننغ ستاندر) بعنوان "فلتحيا القصة القصيرة" إن الكاتب جيمس بالارد (مؤلف رواية امبراطورية الشمس) اشتكى، قبل وفاته، من تراجع دور النشر عن الاهتمام بهذا النوع من الأدب. وناشد الصحفي القراء قائلا "إذا لم يكن لديكم الوقت والصبر لقراءة (الحرب والسلام) لتولستوي فاقرأوا بورخيس. إن قصصه تعكس سحر الحياة". ربما أهمل الناس القصة القصيرة لأنها فن بالغ الحساسية دقيق وصعب ويحتاج إلى مهارات سردية خاصة فلجأوا إلى الغناء أو الشعر. وأحسب أن من يريدون أن يصبحوا مطربين هم أكثر من الذين يريدون أن يصبحوا شعراء أو قصاصين، ربما لأن الأغنية تدر ربحا وشهرة بينما الشعر والقصة لا يدران سوى الشقاء.

تكاد أعمالك أن تكون مخترقة بـ (السياسة) لكنك عالجتها بمكر إبداعي يخفيها لكي يظهرها، هل ترى أن السياسة (لوثة) لا بد منها في أدبنا؟
- لا، ليس بالضرورة أن تخترق السياسة كل الأعمال الأدبية. الأمر يعتمد على التجربة الشخصية. هناك كتاب، عراقيون وعرب، اهتموا بما يطلق عليه أدب السجون مثلا لأنهم تعرضوا إلى الاعتقال والتعذيب أو كانوا قريبين من آخرين تعرضوا لتلك التراجيديا فتمثلوها ونقلوها (شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف). فاضل العزواي عالج قضية الاعتقالات التعسفية والحياة داخل السجن في روايته "القلعة الخامسة"، فيما اهتم غائب طعمة فرمان بالموظف البسيط الذي لم يعد لديه سوى الأحلام والهذيان في غروب حياته بروايته "آلام السيد معروف". وعرض فؤاد التكرلي جانبا من السياسة في الستينات مرورا بانقلاب الثامن من شباط في "الرجع البعيد". وهناك من تناول الحرب وأثرها على الحياة اليومية. إذن التجربة هي العامل الأساسي في توجه الكاتب واختياره لمادته في تنوعها الهائل، بمقدور الرواية استيعاب مظاهر الحياة التي لا تحصى طالما بقي موضوع الأدب، من وجهة نظر جان بول سارتر، هو الإنسان في العالم. بخصوص روايتيْ "خلف السدة"، و "دروب الفقدان" كادت السياسة أن تكون بطلا إضافيا فقد حاولت أن اتتبع أثرها الدموي على الناس، وأن اكشف الجانب البطولي لهم في مواجهة الآلام الناجمة عنها في ظل نظام دكتاتوري.

مثل كثيرين منا تعددت منافيك وتشعبت بك "دروب الفقدان"، ماذا منحك المنفى وماذا سلب منك؟
- غالبا ما أتذكر ما قاله لي الكاتب والإعلامي إبراهيم الحريري بعد نحو عام من بدء التسرب القسري خارج العراق: "المنفى إما أن يبنيك أو يهدمك". كأن تحذير الحريري أراد أن يقول إن الأمر بيدك، يمكنك تفادي الهلاك. كلما أتذكر تلك الوصية الثمينة أفكر بالوسائل التي تبقيني على قيد الحياة. اعترف أن المنفى كاد يفتك بي أكثر من مرة حينما بدأت أشعر بعمق ان العراق ينأى يوما بعد يوم، ولا أمل بالعودة يلوح في الأفق. كنت يائسا، افتش عن نافذة طليقة تطل على صفاء إنساني يمنحني هدأة الموتى. وادركت أن المنفى سوف يسلبني بعضا من حياتي وربما إنسانيتي لكن عليّ أن أقاومه، لا أريده أن يقوضني. الكاتب الباكستاني سلمان رشدي في مقال له بعنوان "أوطان خيالية" يطرح الأمر على النحو التالي: "اشتقاقيا يعود مصدر كلمة (ترجمة) إلى اللاتينية "ترادوسيره" والتي تعني (نُقِلَ إلى حيّز أبعد). لقد نُقلنا نحن إلى مكان أبعد من مكان ولادتنا، إذن نحن كائنات مُترجَمةْ، وما هو متفق عليه هو أننا سنفقد شيئا ما في الترجمة". ويضيف رشدي: "ولكنني أتمسك بالفكرة القائلة بأننا نستطيع أن نربح شيئا أيضا". أما الكاتب البولندي ستيفان ثيمرسون فيعتقد أن "الكاتب لا يمكن أن يكون في المنفى. ما المنفى إلا وهم. الكاتب أينما حل فهو في وطنه" (نقل هذا الرأي هاتف الجنابي في مقال بعنوان مقدمة في المنفى والمهجر). ولكي أربح شيئا وأظل في وطني رحت أشيّد وطناً خاصاً بي، وطناً لي وحدي بحجم الكف، أقصد بحجم القلب، أرسم منازله وأشجاره وأنهاره وأكواخه ومواطنيه ثم أهدمه لأبنيه مجددا. من هنا ولدت رواية "خلف السدة" التي عالجت فيها مكانا لم يعد له وجود، بنيته ثم هدمته ثم بنيته من جديد.

في مقابلة معه عبر الإيطالي إيتالو كالفينو بجرأة كبيرة عن علاقة الآيديولوجيا بالكتابة بقوله: "الكتابة للجمهور موقف رجعي!" وهو الشيوعي السابق، بينما في كتابتك لم تكتب للجمهور حسب إنما كتبت لمن هم لا يملكون ثمن رغيف الخبز؟
- شرط الكتابة هو وجود مؤلف وقارئ، هذا الشرط هو علاقة حب لا تكتمل إلا بطرفين وإلا ستصبح علاقة مختلة، بلا توازن. الكتابة حوار مع الآخر الذي هو المتلقي والواقع والتاريخ. الكتابة لا تتجول في الهواء إنما في قلوب الناس وضمائرهم وأحلامهم. "ما من فن إلا من أجل الآخر وبواسطته" يردد سارتر. فإذا كان كالفينو لا يكتب للناس فلمن كتب قصته (ماركو فالدو)؟. هل كان يكتب لنفسه؟ مواطنه الإيطالي امبرتو إيكو يقول "لست من جماعة الكتاب الذين يدعون أنهم لا يكتبون إلا لأنفسهم". أظن أن كالفينو كان يمزح عندما أطلق ذلك التصريح، وربما اُنتزع كلامه من سياق طويل. ألا تعتقد أن غارسيا ماركيز كان يمزح أيضا عندما قال "أكتب كي يحبني أصدقائي أكثر"؟

هل تعوّل على موقف المثقف في أي تغيير اجتماعي (ثمة نوع من المثقفين المتقلبين والانتهازيين وأصدقاء الرئيس) من جهة وبالمقابل ثمة مجتمع غير آبه ولا مهتم بجهود المثقف التنويري، النقدي، المختلف... ؟
- أعوّل على اليأس.

ثمة من قال إن رواية (خلف السدة) هي مقدمة أو تمهيد أو تمرين أولي لبلوغ رواية (دروب الفقدان) بنجاح؟
- أرى أن لكل رواية خصائصها ومناخاتها التي تتطلب أداء فنياً مناسباً لها. كما تعرف أن "خلف السدة" هو عملي الروائي الأول أي إنه عمل تجريبي بالدرجة الأولى كما أحسب. وبالتأكيد أفدت كثيرا من ردود الأفعال التي وصلتني حوله في كتابة "دروب الفقدان".

هل راودك إحساس نقدي ما بأن ثمة ثغرات في (خلف السدة) عالجتها في (دروب الفقدان)؟
ج: كل كتاب هو مغامرة جديدة تقوم على الخبرات التي ااكتسبها المؤلف من تجاربه السابقة. لا أظن أن هناك ثغرات إنما أعدت تقييم تصوري حول نمط الكتابة الروائية. ففي "خلف السدة" حاولت أن أطبق مفهوم الفراغ لدى جياكومتي في منحوتاته وبنيتها النحيلة فقابلت ذلك بالتكثيف اللغوي الشديد فأخذ علي البعض عدم الاهتمام بالتفاصيل. تخليت عن فكرة الفراغ في "دروب الفقدان" ولجأت إلى التفاصيل الدقيقة الموسعة في إطار الحكاية المدورة.

هل ننتظر (جزءاً ثالثاً) من ثلاثية أو رباعية أو... بعد (دروب الفقدان)؟
ج: ربما، لست متأكدا الآن، لكني أخرجت خرائطي وفرشتها على الطاولة، وبدأت بمرحلة البحث والتخطيط.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية