جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » حوار


خيام اللامي وجد وطنه الخاص بين ضجيج الغيتار وصمت العود


حاورته: سعاد الجزائري
بين الصمت والضجيج مساحة حسية لا يعرفها الا من تفاعل مع الاثنين وعاشهما دون تدخل من الاخرين، ومنذ الولادة حتى نصل الى المرحلة التي نكتشف فيها حواسنا نمر بمنعطفات تغير الكثير من الضوابط التي رسمت لنا قبل ان يسألوا ان كنا نقبل بها ام لا.
بين التحدي واتخاذ القرار عليك ان تختار اما ان تكون اولا تكون. كثيرة هي التجارب التي تجعلنا نقارب الخطأ ونبتعد عن الصح، اويحدث العكس فتتغير كل المعادلة.
لكي نتحدث عن خيام اللامي، فهوالشاب الذي اذهل كل من سمع موسيقاه اوحديثه، لان لا فرق بينهما، فهما اما لحن موسيقي اووتر انساني..اعرفه منذ كان صغيرا، مشاكسا، تسمع ضربات (الدرامز) اوالغيتار تتطاير مخترقة جدران غرفته الصغيرة، لتملأ لاحقا عالمه الذي اتسع لكل المساحات والعديد من الدول.
شاب كتب نجاحه بيده، ورسم خارطته الانسانية بمعرفة تشابكت وتقاطعت في بعض سنوات حياته، ليجد نفسه اخيرا امام نظرية العالم النفساني كارليونك وتأثره به.
شعرت بالزهوحينما التقيته، فهومن عراق لا يمكن ان يخلومن جيل يتطلع الى حياة متحضرة، وافاق ليس لها حدود، ولا يمكن لأي عائق مهما كان ان يوقف ما يريده، هذا الذي نجح لانه اراد ان يكون كذلك، ولم يتكىء على الاخرين، استند الى جدار ذاته وانطلق دون توقف.
لايعيش اويستقر في مكان، لأنه نغم موسيقي يتنقل حيث يجد الاذن التي تصغي اليه، وبيته حيث تكون الموسيقى متطابقة مع ذاته. التقيناه في لندن، التي كان يعيش فيها فكان لنا معه هذا الحوار. 

من الكمان للعود

 اين تجد بدايتك الموسيقية، ولماذا هذا الفن دون سواه؟
- حبي للموسيقى بدأ من دمشق حيث ولدت، مثلت وانا بعمر ثماني سنوات في فيلم (الطحالب) حيث قمت بدور طفل يعزف على الكمان، فتعلقت بداية بهذه الالة ، قبل هذا التاريخ عزفت على الاوركديون، اما اختياري ان تكون الموسيقى عالمي وقدري فقد ظهر ذلك بشكل جلي في لندن حيث درست فيها الموسيقى وبناءها اكاديميا. 

 بدأت بالكمان، ثم انتقلت الى (الدرامز) والغيتار والان تحتضن العود،  الفرق كبير بين الغيتار والعود، لأنهما ينتميان الى عالمين مختلفين، ما الذي وضعك بينهما؟
- هذا صحيح، لقد كان لتأثير المحيط الذي اعيشه أوالحالة الاجتماعية اوالانسانية تأثيرهما عليّ، ففي سنوات مراهقتي كانت حياتنا عبارة عن تنقل مستمر، صراع وثورات، افكار ذات اتجاهات متناقضة، ثم كانت موسيقى الروك وما اثارته حولي من صخب اينما أكون، لذلك اخترت الغيتار والدرامز، اللتين كانتا امامي في كل مكان، وهذا طبيعي، لانها آلات العالم الغربي. ان ضجيجها آنذاك كان ينسجم مع حالتي الداخلية التي كانت غير مستقرة، فألامور مرتبطة ببعضها، كما إني تدريجيا وصلت الى نتيجة: ان حياتنا وضعت بأطار معين، واسلوب تعبيرنا عن الحالة السلبية هوبالضجيج والصراخ، فكنت اقاوم كل ما هوسلبي بفعل سلبي ايضا، دون اللجوء الى الموازنة الفكرية.

 ألم تتأثر انذاك بالتاريخ الفني للعراق الذي انت منه، وكيف تعرفت على موسيقاه لاحقا، هل عبر آلة العود ام بالافتراق عن الغيتار؟
- بالتأكيد كان لموسيقى العراق تأثير علي، فقد ساعدني والدي على معرفة الموسيقى العراقية واطوار الغناء وخاصة بين فترة الخمسينيات والسبعينيات. اما علاقتي بالعود فيعود الفضل فيها الى الاستاذ احسان الامام، الذي دربني على معرفة اسرار هذه الالة، وعبرها تعمقت في فهم الموسيقى العراقية خاصة الاغاني الريفية، اما المقام فهوكما معروف للجميع، المصدر الاساسي لاغانينا ومن هنا تنبع طاقتها. حينما حاولت دراسة الاغنية العراقية وجدت ان ارشيف الاغنية العراقية فقير جدا، اقصد اكاديميا، كما ان المصادر التي يحتاجها الدارس غير كافية للاسف. اضيف الى ما ما ذكرته ان من العوامل الاخرى التي احدثت هذه النقلة في اختياري هواتجاهي الى القراءات الفلسفية والروحانيات مما ابعدني عن موسيقى الروك التي لم تعد تنسجم مع التغيير الذي حصل على شخصيتي، فوجدت في هدوء العود قربا يشابه مرحلة التغيير  التي بدأت اكونها.

ظهر العراق بقوة امامي

 كيف استطعت ان تصنع اسمك في عالم يضج بالمنافسات، وهناك شركات عملاقة تقوم بمهمة صناعة الفنان واسمه، اما انت فقد خضت معركتك بمفردك؟
- انا لا اؤمن بصناعة الاسماء اوبالنجومية، بل اؤمن بالتعبير الفني، لان ما اقدمه امام المتلقي هوالذي يقرر في اي موقع انا، وبدون شركات اواعلانات وجدت نفسي اعزف في اماكن غنى على مسرحها المع نجوم العالم مثل قاعة البرت هول في لندن. وصنعت اسمي حينما بدأت اسبح في عالم الفلسفة، فشكلت خارطتي الخاصة، وبدأ طموحي يتخذ شكلا واضحا لان احلامي تجسدت امامي، وهنا بدأت اقترب من العراق، الذي ظهر واضحا امامي، ومن ثم العالم العربي فدخلت في عالم موسيقى هذه الاماكن التي كانت اشبه باكتشاف جديد بالنسبة لي، والعود كان  الالة التي نسجت تلك العلاقة.

 واضح ان وراء طروحاتك فكر ما اونظرية اوالايمان بفلسفة ما، بمن تأثرت؟ وكيف اكتشفت حدود شخصيتك  كما تريدها انت وليس وفق رؤية الاخرين؟
- انا متأثر جدا بنظرية البروفسور كارل يونج، عالم النفس السويسري ومؤسس علم النفس التحليلي، حيث يرى يونج ان تطورنا واختيارنا مبني على ما نريده، وليس بما يطبق علينا من قوالب جامدة.

 نسيج العلاقة مع الالة لا يشبه العلاقة مع وطن، كيف وجدت جسرك الى مكان لم تراه، لم تعش فيه، لكنك الان تعزف له وتستوحي منه ؟
- ان ما حصل في 2003 اظهر العراق امامي صوريا وحسيا، فكل معلوماتي السابقة عن الوطن كانت عبر رؤيا وحنين جيل والدي وعائلتي، لكن ما حصل بعد 2003 هواني شعرت بالفقدان للوطن وفي نفس الوقت نما عندي حنين طاغ اليه، ومع كل الخراب الذي رأيته خلال هذه الفترة،صرت اقرب الى مكاني، الى العراق. وهذا مهم للفنان، الذي لا بد ان يكون صريحا وحقيقيا مع جمهوره، ولكي يحقق ذلك عليه ان يكون صادقا مع تاريخه، ولا يتم ذلك الا بمعرفة الوطن جيدا، هنا بدأت اعيش جملة تناقضات والمصاعب في تلك المواجهة المهمة، وكان الامر صعبا علي، لذلك وجدت المفتاح الاسهل لحل تلك المعضلات عبر آلة العود التي ترتبط تاريخيا بحضارة وثقافة العراق، وتجسد ذلك في البوم (رنين اقل) الذي انجز عام 2011 الذي سعدت به لان العراق كان موجودا بهذا العمل، عبر هذا الالبوم تعرفت وازحت عن نفسي كل التفاصيل والعقد، وظهرت كل احساسيسي بشكل رمزي وليس حرفي، لذا انا متأكد ان من سيمسعه سيفهمه دون وسيط اوشرح.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية