جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » حوار


الباحث نبيل العطية: التراث العربي بمضامينه الانسانية ، وبلغته الرصينة منبعاً ثقافياً رائد


قحطان جاسم جواد
اتسعت دائرة قرآءاته في اللغة والادب ،والتراث ، ولذلك تعددت اهتماماته ،وتشعبت  مناحي القول فيها .نبيل العطية ، باحث ، بدأ  النشر في الصحافة الادبية في ستينات  القرن الماضي ،  ومازال يكتب على الرغم من مرضه ، وضعف بصره ، واقترابه من السبعين .
من ابرز قصائده الخيال المنتحر واغنية البحر الهاديء ومن مؤلفاته من معجم  العامية المستمدة من الفصحى ، ودفاع عن العربية ، وفي الريادة  المعجمية .
مع نبيل العطية كان لنا معه هذا الحوار
بدأت شاعراً وهجرت نظم الشعر الى غير رجعة . ما سبب ذلك ؟
- (الخيال المنتحر) و (النغم المكبوت) و (الموسم  الباكي) و (اغنية البحر  الهادئ) و (جدائل الليل) هي بعض قصائدي المنشورة في صحف ستينيات  القرن السالف ، هذه القصائد ، واخرى غيرها ، تراكمت  لديٌ على توالي  السنين ، فكونت ديواناً سميته (أورق  أيها التعب) بيدي أني لم اطبعه ، ولا اريد ان أطبعه .

* لماذا ؟
- غادرت محطة الشعر ، على  اثر  ازمة نفسية حادة ، ولم اعد الى نظمه .

كتبت قصصا قصيرة ، وقيل  إنك كتبت رواية لكن  المقالة  جرفتك اخيرا على شاطئه . كيف تعلل ذلك ؟
- ولعله ، بسبب ذلك ، كان التوجه نحو تجريب شكل آخر ، هو الطرف المهم من المعادلة الادبية ، واعني به النثر بوجوهه ، واشكالهِ الفنية المعروفة .
لقد نشرت عدداً من القصص القصيرة  كـ ( أصابع اللحظة  الاخيرة ) و( الخطأ ) و ( نجدة في وقت مناسب ) ، و ( الهامش ) و ( الدهشة )  في محاولة  لتمرين  القلم
على القص ، ومعرفة مفاتيح هذا الفن الصعب ، والجميل في آن واحد ، بعد ان طالعت  قصصا وروايات  لاكابر الكٌتاب العالميين  والعرب ،  كأنطوان تشيخوف  ، وايفان ترجفيف ، ودستويفسكي  وأرنت همنغواي ونجيب محفوظ وطه حسين  ، وغيرهم .
وجرني ذلك إلى كتابة رواية  عنوانها ( الحلقة  المفقودة ) وكان العنوان حقاً اسماً على مسمى ، لان  الرواية  ضاعت ولم أعد احتفظ إلا به  !
بيد ان  الميل الى الادب الروائي والقصصي لم يدم طويلاً .

بعد ان تركت نظم الشعر ، اتجهت الى المقالة  الادبية  فهل  تعد نفسك مقالياُ ؟
- المقالة  الجميلة  ، كالقصيدة  المؤثرة بغنى  موسيقاها ، وجمال أبياتها . أحاول حين  كتابة المقالة ان اجود فيها فكرا ، وشكلاً ، لان المقالة  فن ابداعي ، مخاضها  صعب ، واستيفاء شروطها اصعب . أما هل اعد نفسي مقالياً ، فلست من يقرر ذلك 
- نعم تدفعني  مقالاتي  المنشورة الى جمعها في كتاب ، وهو ما سأفعله – نزولاً عند رغبة زملائي .
العنوان الذي اخترته هو  ( موطىء  قلم )  وهو في  الاساس  فكرة  كانت تراودني  أيام الشباب  في ان  اعد حقلاً خاصاً بي في  إحدى  الصحف  ولكثرة  الاسماء  واشتداد  وطيس  المنافسة  اردت  ان يكون حقلا  متميزا  عنوانا  ومحتوى . لكن ذلك  لم يتحقق وبقي  رغبة طائرة في سماء  الذهن .
وبإختصار : موطىء  قلم  واحد من مؤلفاتي  المخطوطة  ، التي  تنتظر  الفرصة المناسبة للنشر .

تعد صناعة الببليوغرافيا واحدة من نشاطاتك . هل يمكنك إنارة  هذا الجانب؟
- يرجع اهتمامي  بالببليوغرافيا الى محاولة رصد نتاجات  شقيقي (خليل و جليل  )  ثم ازداد فيما بعد  .
مما نشرته منها : مؤلفات (النضربن شميل المازني)  في مجلة المورد عام 1999 و ( كوركيس  عواد  وفن  الببليوغرافيا  ) عام 2006 في احدى  الصحف المحلية . فيما انجزت  قبل مدة  وجيزة  بمشاركة  شقيقي  عقيل ابراهيم  العطية  ، الباحث والموثق المسرحي - كتاباً عنوانه ( نبذة  ببليوغرافية وجيزة في آثار الواسطيين )
واسعى حاليا الى اتمام كتاب آخر عنوانه ( المختار من مراجع واسط وهو رصد ببليوغرافي لاهم ما كتب عن هذه المحافظة ابتداءً من تأسيسها حتى أواخر 2012

اذا كان للتراث موقع متميز في نفسك ، فماذا تشكل ( المعاصرة ) لديك ؟
-  التراث العربي بمضامينه  الانسانية ، وبلغته الرصينة منبع ثقافي رائد للمثقفين  - على تعدد مشاربهم, وتباين درجاتهم  العلمية  كماً ونوعاً ، وانا  واحد من  أولئك  الذين  احبوا التراث ونهلوا منه وكتبوا فيه مبكراً. في  السبعينات  نشرت  مجموعة من المباحث الصغيرة ضمن باب (في التراث العربي) بعنوانات متعددة منها (العٌجير السلولي) و (الاضبط بن قريع السعدي) و (ليلى الاخيلية ) و ( الحكمة  في شعر مسكي الدرامي ) و( عدي بن الرقاع ) كما نشرت عرضا وتحليلا لكتاب  أبي فيد السدوسي في مجلة (الاديب) اللبنانية .
وفي  الثمانينات  اعددت حقلاً اسبوعياً لجريدة الجمهورية  عنوانه (من كنوز التراث) هدفه انتقاء (نماذج) مشرقة منه لاطلاع القراء ممن لا تتيح لهم الحياة فرصة النظر في هذه النصوص التراثية الواردة في تضاعيف امات الكتب ،  كالبيان  والتيين وعيون الاخبار والشعر والشعراء وأمالي القالي والكامل في اللغة والادب وغيرها . وقد حقق نجاحاً ملحوظاً وكان له  معجبون .
أما على صعيد (التحقيق) فقد  اصدرت عام 1990 كتاب  (ادب النديم) لكشاجم الرملي  المتوفى عام (360 هـ) وهو كتاب تناول فيه  مؤلفه جوانب  مما ساد في عصره من الاعراف  والتقاليد والطقوس  الاجتماعية .
ومع اني (نهلت) من التراث  بيد اني  لم انقطع  عن التواصل مع الادب  الحديث ونتاجاته المعاصرة وفنونه المتعددة ، إذ لابد ان يعيش المثقف عصره، وان يتفاعل معه .
قد اعيد قراءة معلقة امرىء القيس  - الموغلة  في القدم – صباحاً استمتاعاً بأبيات  جميلة منها ،على حين أقرأ قصيدة لشاعر معاصر مغرقٍ بالحداثة, وقد اقرأ في كتاب  لجومسكي صباحاًبينما أقرأ بعضا من كتاب  للاصمعي مساءً مثلاً .
الثقافة – بوجه عام – ليست تراثا وليست حداثة  إنها كلٌ لايتجزأ وهي ميدان فسيح لاحدود له ،وأنا أشعر أني لسعتها ,وترامي أطرافها, وتنوع مناشطها - رضيع أمامها  ! ومن اجل  ان اكون  دقيقا أقول : غلق نافذة الجديد  ، يولد الصدأ ، ويبعث على  الجمود ويحد من النماء .

اهتممت بالمعجم العربي ولك في بعض  المعجمات رأي نود إجماله ؟
- المعجم رافد أصيل من روافد الثقافة العامة ، واللغوية تحديدا ولا استغناء عنه .
ومما نشرته عن المعجمات تاريخاً وايضاحاُ :ـ
-1 في الريادة المعجمية  - معجم  التقفية للبندينجي
-2 البارع  في اللغة ، غير معجم العين
-3 معجمات الدكتور  إبراهيم السامرائي
وقد بينت في المقال  الاول أن معجم التقفية لمؤلفه أبي  بشر اليمان بن أبي  اليمان ، المعروف  بالبندنيجي سبق بمعجمه (التقفية في اللغة) الجوهري في (صحاحه) ,وان الجوهري لم يكن مبتكر منهج الصحاح ، كما  ذهب الى ذلك عدد من اللغوين  وعلى راسهم  اللغوي احمد عبد الغفور عطار في كتابه (الجوهري مبتكر منهج الصحاح ) .
واوضحت في المقال الثاني اصالة ابي علي القالي صاحب معجم (البارع في اللغة ) وانه لم يكن مقلداً لمنهج  الخليل بن احمد الفراهيدي  في ( العين ) ,كما ذهب الى  ذلك المستشرق كرنكو ومن ايده من اللغويين.
أما المقال الثالث فقد درست فيه بعض المعجمات التي ألفها المرحوم الدكتور ابراهيم  السامرائي وهي :ـ
-1 معجم المتنبي -2 كتاب فاعول -3 من معجم الجاحظ -4 المجموع اللفيف -5 مع نهج البلاغة  - دراسة  ومعجم  مبينا الخصائص  المنهجية  لكل منها  مع عرض  وتحليل لاهم الجوانب  التي  يتضمنها كل معجم من هذه المعجمات .

بما انك من محبي حركة التصحيح  اللغوي  في العراق ، فما رأيك بها بعد رحيل روادها  ، وهل  كتبت عن آثار بعضهم ؟
- أكاد اشعر أن مصباحها ( خفت ) ان لم أقل ( انطفأ ) بعد ان ( توهج ) على يد رائدها  العلامة الدكتور  مصطفى  جواد .
أدت هذه  الحركة  دوراً محموداً في تقويم الالسن ، وتصحيح أساليب  الكتاب  والصحفيين والمذيعين .
فلكمال  ابراهيم (أغلاط الكتاب) ولمصطفى  جواد (قل ولا تقل)  ولعبد الحق فاضل (اخطاء الكتاب) ولمحمد جعفر الكرباسي  (نظرات في أخطاء  المنشئين )  ولابراهيم الوائلي  ( من أغلاط المثقفين ) وللدكتور  نعمة رحيم العزاوي  (التعبير الصحيح) و (معجم الاوهام والاخطاء  في صيغ  الاسماء) وغيرها .
وكلها اثار  معتبرة  في بابها ، ادى  مؤلفوها  خدمة  جليلة  لابناء  العربية  بيد ان مما يؤسف عليه  ان الاجيال اللاحقة  لم تواصل  الطريق .
لقد ساهمت في الاشادة  بجهد  بعض  رواد هذه الحركة  ، فنشرت  عدة مقالات في الصحف  المحلية  بين عامي  2004 – 2008 منها :
-1 نقد مصطفى جواد على أسلافه في ( قل ولا تقل).
-2  إبراهيم الوائلي رائدا ( تحليل لكتابه ( من أغلاط المثقفين ).
-3 في التصحيح اللغوي ( قل ولا تقل ) و  اخطاء  لغوية  وحدة في الهدف واختلاف في المنهج .
-4 واقعية  التصحيح اللغوي.

ثمة كتاب لك  عنوانه ( دفاع عن العربية ) متى صدر ؟ وما موضوعه ؟
- إنه واحد من كتبي  الصادرة عام 1990 رصدت فيه  جهود  العرب في الدفاع عن لغتهم ، واستماتتهم في  الذب عن حياضها . وقد نالت العربية منذ القدم  عناية  ابنائها  وكانت  موضع  احترامهم ، ومثار اعجابهم,  وكان لها في نفوسهم  طعم  رائق,  واناقة  تعبيرية,  وسلاسة  لفظية  محببة ،  لذلك لاعجب أن ذادوا عنها,  فوقفوا بصرامة ضد ( اللحن ) واللحانين وعدوا اللحن  ظاهرة  غير طبيعية  تستحق المقاومة .
حاول الكتاب  على  صغر حجمه ان يجلو  حرص العرب  على نقاء العربية  وتصفيتها من  اوشاب  الدخيل  وآثار العجمة .

يلاحظ انك تعنى  بالعربية  الفصيحة ، لكنك ( تهتم ) بالعامية ايضا ؟  الا يوجد تضارب  بين هذين  الاهتمامين  ؟
- لا تضارب بينهما مطلقاً فالعامية  ابنة الفصيحة ، فرع منها بيد ان  بينهما فروقا تخص  الاعراب ، والاختزال  والتحوير  ، ولكنها  في مادتها الاساسية مستمدة منها .
وقد حظيت  بدراسات  رصينة  لعلماء  كبار في بداية  القرن العشرين  منهم : الاب  أنستاس  ماري  الكرملي ، عيسى رزوق  ، معروف  عبد الغني  الرصافي ، الشيخ  محمد رضا  الشبيبي  والدكتور  مصطفى جواد .
وعكس  كتابي ( من معجم العامية المستمدة من  الفصيحة ) الصادرعن دار  الشؤون الثقافية عام 2005 هذه  الرؤية اللغوية  ، كما عبر مقالي المعنون (كلمات  عامية  لها اصول  فصيحة ) المنشور في مجلة التراث الشعبي بعددها  الاول عام 2002 عن هذا المنظور.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية