جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تحقيق


علي وجيه: عُود ثقابي بركانٌ أزلي


شهدتْ بدايتك الكثير من الآراء المتضادة، لكن هناك من أولى اهتماما خاصا بك،و سبق و إن  اعترفت بالامتنان لأكثر من أديب و كلّ ما قدم لك، فكيف ترى هذه "الأبوة الثقافية"؟
_دعني أجيبُك بسؤال :"مَنْ سيعرفُ كافكا لولا صديقه الذي خالف وصيّة الأول بنشره لأعماله؟و مَنْ سيفهم شخصيّة علي الوردي وأكثر جوانبها إضاءة لولا كتاب (علي الوردي يدافع عن نفسه) لحميد المطبعي"؟ ، أمثالٌ كثيرة تؤكد هذه الجدليّة المستمرة ، في زمنٍ كهذا  لا نملُك إلا الامتنان لكلّ من مدّ يده وقلمه لشاعرٍ أو كاتبٍ كي يسلّط قطرة ضوء عليه عسى أن تكون كفيلة بإظهار جزءٍ من هذا الشاعر ، هذا إن كُنتَ تقصد الرعاية وتسليط الضّوء ولا أعتقد أن قصدك شريفٌ أبداً!، أما مسألة الانضواء تحت عباءة شاعر أو ناقدٍ ما فهذا ما لم يحصل ، لكلّ شاعرٍ بصمته الخاصّة ونصّه الذي يحمل حتى تعابير وجه الكاتب أما أن انضويتَ تحت اسم شاعرٍ ما (كما نرى لدى بعض الشعراء وخصوصاً جماعة من أغلب الثمانينيين الذين انضووا تحت عباءة البيّاتي المثقوبة وغير القادرة على ستره شخصياً!) فإنك لن تكون سوى نسخة رديئة عن هذا الشّاعر حتى إن كان الجواهري وستذوب أحلامك الوردية بصنع صوتٍ ونكهة للنصّ الخاص بك ، وفي النهاية أنا ممتن حتى لكلّ قارئ يقرأ حرفاً واحداً لي لكنني لستُ تابعاً لأي شاعر و قد لا تكون كأسي كبيرة ؛ لكنني لا أشربُ إلا من كأسي!...

*لكنك امتلأت فخرا بالأسماء التي أدلت "بشهاداتها" فيك و قد احتلت غلاف منفائيل الأخير ، فهل يعني لك أن يقول بعض الشعراء رأيهم و النقاد يكتبون ، أم الذائقة الجماعية هي التي تقول رأيها؟
_ليس فخراً ، وإنما تأكيدٌ لثقة زائدة بنفسي ، يعني إن نظرتَ تاريخياً : شاعرٌ من مواليد 1989 يكتبُ عنه شاعرٌ سبعيني مهم [ ليس لأنه كتب! ] قائلاً :"هذا شاعرٌ تضع القصيدة الحديثة رهانها عليه ، وتنام مطمئنة" ، أقول : إن نظرتَ بهذا الشكل فهل تمتلك إلا الاعتزاز بنفسك؟ ماذا إن تكررت الحالة أكثر من عشر مرّات في مدة قياسية ومن أسماء معروفة ببخلها بالآراء ، وعدم مجّانيتها ؟!، هذا هو جزء الروح المظلم الذي يرغبُ بالشُهرة ، والغرور ، والأنا ، لكن مع هذا ، أنحّي كلّ رأي جميل أثناء وقوفي بحضرة الورق ، لأدخلَ إلى ضريح النصّ وحيداً إلا من "أنا" ، لكنني أؤكد لك إنني – شخصيّاً – لا أعتقد أنني قدّمتُ شيئاً ذا قيمة أبداً ، وإنني إلى الآن لم أقدّم شيئاً يليقُ بما أفكّر به فهذه هي الخُطوة الأولى في دربٍ لا ينتهي ، وأرجو ألاّ أخيّب ظنّ الشاعر السبعيني!...

* تدافع دائما عن "الأنا" لدى الشاعر، لماذا هذا الولع بالذات، و هل تسمح لك"الأنا" بخشية شعراء معينين؟
_إن لم تكن للشاعر والمبدع "أنا" معيّنة فلا يمكنه الإبداع أبدا ، يجبُ أن تنظر بفخر إلى ما يخرج من قلمك ، وان تنظر إلى ايجابيّاتك بصورة دقيقة لأن جانباً منك سينظر بقوّة إلى السلبيات هو الآخر ، أما "أناي" فهي مُعتدلة على عكس ما يظنّها "الزميل" محمّد مزيد! لأنني أعرف بالضبط ما أنا دون الانتقاص الظالم أو النفخ المضرّ ، ثمّ إن تركت "أناك" فهل "الهو" سيتّبع معك هذه النظريّة ويبرّزك مثلما تحب؟ سؤالٌ "بريء" جداً!.
و عن كتابة القصيدة، هل اختلفتَ مع النظريات الكثيرة التي تؤمن بصنعة القصيدة و الاشتغال الطويل عليها :
رُبَّما سأخالف الأجواء الطوباوية للشعراء ببحثهم عن السجائر والهدوء والخمر والمُحسّنات الكاريز- شعرية ، القصيدة لديّ نزقة ، سريعة ، تشتعل كعود الثقاب ، لا أجيد الطبخ على نار النصّ الهادئة أبداً ، أشعرُ بالقصيدة وهي "تلبطُ" مثل سمكةٍ ناريّة حتى أصطادها على الورق ، لا أجيد هندسة النصّ وتنظيره ، أؤمن أن القارئ يملك عيناً ثالثة أو حاسة لاكتشاف الصدق داخل القصيدة ويهمّني أن يحترم القارئ صدق قصيدتي بعد أن احتقرتُ الكثير من الشعراء لكذبهم نصّياً ، قل لي بربك هل هناك فراغ للكذب الشعري بوجود الكذب السياسي؟ على الأقل لنكون مرّةً صادقين لأننا مللنا شعار "نقول ما لا نفعل!" ، لديَّ مقاطعُ نثريّة تولدُ خلال أقل من دقيقتين ، ومقاطع صغيرة قد تحتاجُ أشهراً ، أحياناً يكون طريق النصّ وعراً في المشي أما في أغلب الأحيان يكون أشبه بانزلاق الماء فوق الزّجاج ، ذات مرّةً قال فاليري أن الشعر هو مشاهدة الوردة تنمو ، أما أنا : فلا أنتظرها تنمو بل أنمّيها باتجاه نصّي.

في هذه الحالة ستكون القصيدة انفعالية تحمل بصمة اللحظة و دون أية نظرة موضوعية للحدث الذي أنت بصدد كتابته؟
_ من الممكن الافتراض أن تشبيه "عود الثقاب" قد أثارك ، لكنك رُبّما نسيتَ ما قلتُهُ عن الأنا ، عُود ثقابي بركان أزلي ، يترك صفعةً على ذائقة القارئ ، وقصيدتي انفعاليةً – كأجواء للكتابة – لا في النظر في البُعد التاريخي ، أي إنني اكتُب عمّا حدث في طفولتي في خمس دقائق لكن الانفعال بصورة عامّة – وان كان يضرّ النص في الغالب – يكسبه على الأقل رونق الصدق ، دعنا نكتب النصّ بنـزق فالهدوء من شيم الجثث...

إذن أين أنت من هذه "الانفعالات" إن كانت القصيدة تحمل لحظتها و إن كانت الفكرة ممتدة لفترة زمنية سابقة، ألا تجد من الأجدر بك أن تُذوب الفكرة بأسلوبك الخاص؟
أنا موجود في النصّ رأياً يُذوّب هذه القضية فيه ، كتبتُ عن شعراءٍ لم أرهم بالطبع ، لكن القصيدة تحمل نظرتي الشخصيّة لهم ، هذه في الحالة الفرديّة ، أما في الحالة الجمعيّة فهذه المسألة أوسع تجبرك على الإحاطة بالموضوع بشكلٍ واسع ، ثُمّ أن قصيدة "اللحظة" تحمل ملامحَ علي وجيه في تلك اللحظة ، لم يحمل منفائيل سوى علي وجيه في تلك اللحظة وهذا ما نفعله في كلّ نصوصنا...
لكن مثلاً ، مسألة أدب الحرب العراقيّة – الإيرانية مختلفة ، فالانفعال مؤدلج وليس "مُعرقناً" ، لم يكتب الكثير عن الوطن ، الأغلب كتب عن النظام والفرق معروف كما هو واضح...

*لكن لو نظرت بتمعن إلى "ماركيز" مثلا لوجدت مفردات الحياة التي تناولها اغلب الكتاب بصورتها التقليدية، تظهر بصورة مغايرة  ضمن منهجيه خاصة بـ"ماركيز"وقد أطلق عليها "الواقعية السحرية" لكن ما يحدث هنا هو إن النص يحمل فكرته و النص الآخر كذلك و يبقى الكاتب ضائعا بين الأفكار و لا وجود له ؟
*كيف يضيع الكاتب إن كان هو خالق النص؟! ، أنا لا أنظر إلى المحسوسات ، أنا "أرى" ، تتيح لي الرؤية إلى الأشياء بعينيّ ، ما تراه عيناي يختلطُ بمخزون القراءة وبالحاسّة الشعريّة ، لأنشئ – حينها – علاقاتٍ جديدة بين الأشياء ، أذوّبها – كما قلتَ – بأسلوبي ، أنا لا أكتب مثلاً "الجبل شاهق" لأنّ هذا ما هو معروف لدى ابسط الناس ، أما حين أصوّر الجبل "شهقة الأرض نحو السّماء" مثلاً  أمنحها بُعداً آخر رغم أن معنى الجملة الثانية هو "الجبل شاهق" التقليدية ،  "الرجل – الأسلوب" كما يُقال ، لا أملكُ مفرداتٍ خاصة بي ، ولا لغة أملكها أتداولها وحدي ، إنما أملك أسلوباً وهذا هو المهم ، حتى حين أكتُب باستحضار الآخرين كما فعلتُ مع النفّري مثلاً وجعلتُني مكانه في المواقف والخطابات والكتابة عن الطب العدلي لم أستفدْ من أسلوبه سوى لازمتيه "أوقفني...وقال لي :" ، أما البقيّة فالمرحوم النفّري لم يتدخّل بها ، لم أكن في أي وقتٍ من الأوقات سواي على سكّة الحرف...

* تنحى القصيدة لديك نحو المباشرة بشكل كبير و الوضوح التام و تعتمد أحيانا على تفريق الكلمات ، و بذلك تكون قد ابتعدت عن مجايليك بمسافة ليست بالقليلة و الهم واحد للكل، و كل هذا يدور في فلك النثر إذ لم تجرؤ على كتابة القصيدة العمودية كما هو حال الآخرين أيضا؟
_هناك فرقٌ شاسع بين الترميز و الطلاسم ، وبين الوضوح وبين اللاشعرية التقريريّة ، ذنبي – بكتابة القصيدة الواضحة المعالم – أنني أبحثُ عن متلقٍ خارج أسوار المنتديات الثقافيّة ، أنت تعرف عدد الذين يقرؤون نزار قبّاني مقارنةً بأدونيس المسكين! ، أدونيس شاعرٌ كبير بجمهورٍ ضيّق بينما ضحّى نزار بنكهة الغموض اللذيذ كاسباً جمهوراً يمتدّ في كلّ أنحاء الوطن العربي  سابقاً ، آن أن نجد طريقاً بين ضفّتين : أولهما ناقدٌ يرغبُ بنصّ مظلم ليتيح له الركض نقديّاً داخله وبين متلقٍّ يعرف أن هذه قصيدة فصيحة لكنه يحبّها رغم هذا وأعتقد أنني اقتربتُ من الوصول بين هاتين الضفتين ، هل تعرف أن جدتي الأميّة يعجبها شعري؟!!!...
أما مسألة الهمّ الواحد ، والجيل الواحد فهمومنا مُختلفة ، نعم : همّنا الأول هو الشعر ، لكننا في النهاية نختلف على أرض الورق كما تختلفُ وجوهنا ، لزاهر موسى طريقة في كتابة النصّ لا تُشبه ما يكتبه عمر الجفّال الذي يختلف عمّا يكتبه ميثم الحربي وعلي محمود خضيّر وبقيّة الشبّان ، أما مسألة فلك النثر و القصيدة العموديّة (التي اقدّسها شخصيّاً) فهذه ليست سوى جدليّة فارغة تُستخدم لملء الصفحات الثقافيّة في الجرائد و المجلاّت ، الشعر يفرض نفسه حتى إن كان نظرةً أو قطعة موسيقيّة! ، نلتذّ بما كتبه مختلف الشعراء باختلاف أشكالهم وصولاً الى آخر شاعر في العالم دون التفكير بشكل النصّ ، الشكل ليس سوى وعاء ، وشخصيّاً لا أجيد كتابة الشعر العمودي والموزون ، حبيبتي المفضّلة هي قصيدة النثر مع الاعتذار لبنات الحيّ...!.

*لديك عودة إلى الماضي، كما في النصوص التي كتبتها عن البصرة و الصور المتواجدة بكثرة عن الحرب رغم ابتعادك الكلي عن كل هذا ؟ و هذا اعتقد لا يعد أرشفة إذا أُرشف الموضوع بصورة أدق من قبل معايشيه؟
_الرجوع ، ذاكرةً ، يُتيح لك النظر بصورةٍ أعمق ، لتتناول التأريخ ، والماضي ، والحاضر القريب ، الأمر أشبه بحالة التخمير ، لا تستطيع الكتابة عن المرحلة داخلها ، انظر لأعمال الحرب العراقية الإيرانية التي كتبها الشعراء العراقيّون ستجدها مليئة بالشَّحن العاطفي ، التعبوي ، الأيدلوجي ، بينما حين تقرأ النصوص التي كُتبتْ عن الحرب المذكورة هذه في السنوات القريبة وخصوصاً نهاية التسعينات ، سترى الوضوح والنّبرة الحقيقيّة ، تحتاج – بعد كلّ ظرف – الى استعادة أنفاسك ووعيك جزئياً حتى تستطيع الكتابة ، بالنسبة لي أحاكي التأريخ والمراحل التي لم أشهدها بصورة المُراقب لا الفاعل ، قلتُ ذات قصيدة :[ وِلِدتُ بعدَ الحربِ ، لكنني "خاكيّ" البكاء و في نهاية "الكاروك" – "الساترِ  أرى خوذةً فوق رضّاعتي ، أرضعُ منها الدَّمَ وخيباتِ الغدِ ، وفي قماطي : يتناسلُ الشهداء ] ، نحنُ مطالبون تاريخيا ببيان مواقفنا ممّا حدث ، إذ إنني لاتهمني الأرشفة فلستُ مؤرخاً منهجيّاً ، أنا شاعر – شاهد فقط!...

*من الذي يطالبك؟ و هل تكتب من اجل الآخرين، و كي لا يقال انك لم تكتب عن هذا الموضوع أو ذاك؟
_لا أكتبُ من أجل الآخرين ، أكتبُ "الآخرين" ، أصطادُ ملامحهم ، مواقفهم ، أثبّتُ موقفي ، الأرخنة مهمّة شعرياً لأنّك ستنقل القارئ إلى أوضاع القصيدة – حسب صدقها – ليعرف ما الذي مرّ الشاعر به تلك اللحظة ، هل كنّا سنعرف أوضاع العراق في الأربعينيات والخمسينيات من وجهة نظر شعبيّة دون قصائد السيّاب ، الجواهري ، وغيرهما؟ يقول بريخت :"لن يقولوا كانتْ الأزمنة رديئة ، بل سيقولون لماذا صمتَ الشعراء" وأنا أؤمن بشدّة بهذه المقولة.

* ها أنت في بغداد، بعد أن أصبح الحنين إلى الوطن من الماضي و منفائيل شكلت مرحلة سابقة أيضا و قد مررت بتجارب جديدة في الآونة الأخيرة ، فأين أنت الآن ؟
_قلتُ في قصيدة :"كم وطناً نحتاجُ لننسى منفى واحداً؟" ، المسألة ليست بالتواجد المكاني ، ألم يقل المتنبي وهو في الكوفة :
أنا في أمّة تداركها الله      غريبٌ كصالحٍ في ثمودِ
ما مقامي بأرضِ نخلةٍ إلا كمقام المسيحِ بين اليهودِ؟
المنفى ليس صيغةً مكانيّة فحسب ، إنما يندرج ضمن الانتماء ، والإحساس ، المواطنة ، الألم والفرح وغيرها ، عدتُ إلى بغداد ونهائياً ، ولم أشهد المنفى لفترةٍ مطوّلة ، لكن هل سأنسى نداءاتي الليليّة بـ"مرحباً يا أيها الأرقُ" ؟ والاشتياق والنزق والألم والغربة هذه التي يعرفها العراقيون قبل معرفة أمهاتهم؟ ، منفائيل ليس سوى لمحة عن منفى – لمحة أصلاً! ، الغربة تحتاج الكثير لكنني انتقلتُ من شرح الذات – حاليا – الى شرح الـ"نحنُ" في النصوص الجديدة والتي جمعها كتابٌ واحد سيصدر في الفترة القليلة القادمة ، حتى بعد أعوام لا تُحصى سيبقى في الترسبات الروحيّة شيء من منفى ، لأن الوطن منفى مخاتل ، وقد أكلتنا الحيرة ونحن لا نعلم أيهما منفى وأيهما الوطن؟...

* و الثقافة، لِمَ لم تجنِ ثمرة واحدة من ثقافة البلد المُضيف لك؟
_مَنْ قال إنني لم أستفدْ من المنفى ؟ استفدت منه كأجواء وروتين حياة حينما كنتُ أقرأ في اليوم الواحد أكثر من ثماني ساعات ، استفدتُ منه كوحشة لأركض بعده نحو الورقة ساكباً نفسي فيها بصدق ، أما المسائل الأخرى فلا أحتاجها ، ولا أعلم ما هي المسائل الأخرى بالضبط! إلا إنني قرأتُ التراث الفارسي داخل العراق - ان كان هذا ما تقصده - وخارجه لأطّلع بصورةٍ كافية على ما كُتب بالتصوّف والعرفان و الشعر والقصّة والتشكيل وأملك صداقةً لا بأس بها مع ألمع المترجمين الإيرانيين ، أما ان كنتَ تقصد تعلّم اللغة فإنني مؤمنٌ بمثلٍ حوّرته قليلاً :"مَنْ تعلّم لغةَ قومٍ" فليقرأ الفاتحة على لُغته الأم!...



المشاركة السابقة : المشاركة التالية