جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » حوار


الروائية ميسلون هادي في حوار عن مشروع حياتها وحديث عن بغداد والمرأة والربيع العربي


حاورتها: نهضة طه الكرطاني
عندما يكون في أمة، أياً كانت، رموز تؤرشف لتاريخها فإذن لا شيء يمكن أن يحول دون تخليد هذه الأمم لهذه الرموز العاملة أبداً، والكاتب واحد منها، على الاحتفاظ بالذاكرة للأجيال المقبلة...
ولأننا بلد تعود فن الكتابة منذ فجر التاريخ فرموزنا الأدبية لا تعد ولا تحصى والكاتبة ميسلون هادي واحدة من هذه الرموز التي أرشفت للألم والحب والحرب والعطاء ... ولذلك لم أفاجأ بقدرة الكاتبة على السرد التي تغني كل جوانب الموضوع في سؤال واحد، عندما حملت أوراقي وتوجهت إلى منزلها. وأنا كلي في أجراء هذا الحوار معها لأن علاقتي بها تعود إلى أيام كنت طالبة في المرحلة الأخيرة من قسم الإعلام إذ شاءت الأقدار أن اتتلمذ على يديها متدربةً في إحدى المجلات العراقية، ولكم أعجبت بأسلوبها السلس في الكتابة مع احتفاظها بهدوئها الذي شدني إليها وهي توجهني إلى ما يجب أن اعمله وما يجب أن اتجنبه كي أنجح في عملي.... ولم يدر في خاطري إني سألتقيها بعد كل هذه السنوات لأقحمها معي في جدلية الأسئلة والأجوبة ولكي اقف معها على حصاد السنوات وأشاركها تلك السعادة في التذكر والسرد.....  عندما سألتها أين تجدين نفسك في ثالوثك الكتابي (الصحافة والترجمة والقصة) أجابت:
-  أجد نفسي أكثر في الكتابة القصصية والروائية أما الترجمة فهي هواية أو تابع من توابع العمل الأدبي الذي يمليه قراءتي نصوصاً من الأدب الإنكليزي، وعندما يعجبني نص أو قصة ما، فأني أعمل على ترجمتها ليكون تفاعلي معها أكثر وقد اهتممت لمدة من الزمن بالأساطير وترجمت أساطير أفريقية وأخرى عن الهنود الحمر. الترجمة إذاً تأتي عرضية على هامش القراءة، بينما الكتابة الروائية، هي لي مشروع حياتي ومشروع الكتابة عندي ليس هو شغفاً وهوساً وموهبة فقط، بل أصبح تفكيري كله منشغل فيه واخصص له يومياً عشر ساعات تقريباً وأنظم أوقاتي كلها كي اتفرغ للكتابة وحتى لا تتعارض مع جوانب حياتي الأخر.
 هل تتوحد الأنثى والكاتبة في سرد الرواية أم أن الكتابة عملية لا شأن لها بجنس محدد! باعتقادك؟ 
- الكتابة عن المرأة هي أصعب من الكتابة عن الرجل، وأنا حقيقة كتبت كثيراً عن المرأة مع إنه لم يكن في نيتي أن أركز على المرأة أو أن تزيد المساحة المخصصة لها عن مساحات أخر تمليها طبيعة العمل الروائي، لكن قضايا المرأة في نهاية المطاف وجدت لها مكاناً كبيراً في رواياتي وأصبحت هناك فيها شخصيات كثيرة من النساء. بصفتي كاتبة غزيرة الإنتاج أتناول كل ما في البال من أسئلة ولا أغمط الأشياء حقها في التناول الموضوعي، فإني استغرب كيف إنني بدأت أركز على المرأة من دون قصد، وقد وجدت إن واقعها في تراجع، وشخصياً أرى أن هناك الكثير من المحظورات في الكتابة بسبب من نظرة المجتمع وتمييزه بين المرأة والرجل ولكي أقدم قضية معينة لا أستطيع أن أطرحها بالسهولة نفسها التي أطرح فيها قضية الرجل فأضطر إلى الترميز واستعمال المجاز والاستعارات وكثير مما يحدنا ويكبلنا أنه أثناء الحديث عن المرأة هناك صعوبة تتمثل في أن القارئ (يشخصن) العمل أي يعتقد أن البطلة في الرواية أياً كانت تمثل القاصة ذاتها، لذا فأن المرأة لا تجرؤ أن تفتح هذا القفص لأنها تفكر بأهلها وأولادها وكل من يعرفها أيضاً، ولكن مع تقدم العمر ورسوخ أسمها تستطيع أن تتجاوز هذه المشكلة.. ومع هذا تبقى حريتها مقيدة فلا تستطيع أن تتناول الكثير من القضايا التي تتحدث عن المرأة.

عندما تكون المرأة أنيقة ستكون بغداد أنيقة؟
  ومتى برأيك نتخلص من حالة الازدواج التي يعاني منها الإنسان العربي في تعامله مع المرأة وأنت التي قلت(ففي الوقت الذي ينادي بإزاحة الأنظمة الدكتاتوريات نجده يمارس اعتى أنواعها مع رفيقة عمره) متى نستطيع تجاوز هذه الهوة مثل ما حدث مع المجتمع الغربي بعد قرون من التهميش للمرأة حتى أن كاتبات مرموقات كن يكتبن بأسماء مستعارة كي يبتعدن عن حالات الاضطهاد والتشهير بهن؟ 
- من قال أن الغرب تجاوز مرحلة تهميش المرأة... أقول لك، إن الكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي في كتابها "العابرة المكسورة الجناح... شهرزاد ترحل نحو الغرب" تقول أن في الغرب "حريم" أقسى من حريم الشرق.. وهي صورة الحريم رقم (4) ويعني فتيات الإعلان النحيفات الجميلات اللواتي أصبحن حلم كل أنثى بما يمثله قياس النموذج الاستهلاكي الغربي الذي لم يتجاوز مسألة التهميش للمرأة..
وفي كتابها تقول المرنيسي... أن الرجل يقيم وضع المرأة من خلال ملابسها فتقول الكاتبة (يؤسس الرجل بالاعتماد على أضواء كاميرات تركز الجمال المثالي على ملايين الصور وكذا رسائل الاشهارية (الإعلانات) إذ يظل في حدود السن الرابعة عشر.. أما إذا بدت المرأة في الأربعين من العمر وأسوأ الحالات في الـخمسين فإنها تتلاشى داخل الظلمة... فحينما يسلط الضوء على مراهقات والارتقاء بهن إلى مستوى المثال الأعلى يلقي في المقابل بالأكثر سناً في ناحية الظل والنسيان، الماكرون من رجال الغرب يتغنون بالديمقراطية لنسائهم ولكن مساءً يتأوهون إعجاباً أمام فتيات جميلات وصغيرات جداً، ابتساماتهن مشعة بقدر ما هي فارغة من خلال استعادة ثانية للشعار الذي يعني إنها كانت "جميلة وبلهاء" "أو ذكية ودميمة").
هذا المفهوم الغربي لا يبتعد عما موجود عندنا في الشرق، فالشرقي يفضل أن تكون المرأة جميلة غبية وأن لا تكون له نداً في أي مجال من مجالات الحياة. ولكن في المقابل هناك إقبال شديد من النساء على الدراسات العليا قد يكون للعامل المادي دور في الموضوع وشخصياً أجد أنه لا بأس أن يكون هناك دافع مادي من أجل ذلك. فكلما أغلق عليها الرجل باباً فتحت لها باباً آخر للعمل أو الدراسة بصفتها عاشقة للحياة والجمال وهي التي تصنع الحياة... فمهما حاول الرجل أن يقمعها أو يحد من حقوقها.. فهي أيضاً لديها من الذكاء ما يؤهلها لتصنع لها منصات أخر ولا ننسى أن الرجل هو أيضاً ضحية من ضحايا المجتمع (بما فيه من قمع واستبداد وتسلط) لكن المرأة ضحية الاثنين معاً (الرجل والمجتمع) وهذا تاريخ ملتبس، تغييره يحتاج إلى قرون والخروج منه يحتاج أيضاً إلى قرون بعدد القرون التي كونت هذا التاريخ ولكننا نعيش في عصر تفاعلي افتراضي أصبح يسرع في عملية التغييرات التي سوف تسرع هي الأخرى في حصول المرأة على حقوق أكثر.
قد يبدو لنا افتراضياً أن عصر الانترنيت سيختصر المسافة التي ستتكافأ فيها المرأة مع الرجل مثل ما هو موجود في العالم وفي نصوص حقوق الإنسان. ولكن واقعياً ما يزال الاعتراف بهذه الحقوق يتراجع.. فأول من يدفع الثمن في تراجع الوضع عراقياً وعربياً هو المرأة... وبالرغم من الدساتير التي تنص على حقوق المواطنة وامتلاك الحرية في حقوق المرأة والطفل نجد أن حقوق المرأة تتراجع وهناك مخالفات صريحة... هناك بعض القيود التي تفرض على الصغيرات مثل لبس الحجاب في بعض المدارس، وهن ما زلن في سن اللهو وهو أمر مخالف للقانون والشرع والدستور ولكن هناك ما يشبه التواطؤ على قمع المرأة والتضييق على حقوقها بشكلٍ عامٍ ابتداءً من ظاهرة منع الاختلاط في المدارس الابتدائية وهذا يعني عندما يكون الإنسان معزولاً منذ طفولته بهذا الشكل ولا تكون المرأة رفيقته ولا يتعامل معها بشكلٍ طبيعي هذا التطرف يقود الإنسان إلى التوحش في أهوائه والتطرف في الفكر والممارسة والسلوك..
أنا لا اتحدث عن ظاهرة الحجاب بشكلٍ عام وليس لي موقف مضاد واعتز بهويتي الإسلامية.. ولكني أقول أن هناك من يريد تشويه مظهر المرأة الجمالي وتكفينها بالألوان الداكنة والعباءات السوداء وهذا يعد أقصاء لجمالها وعندما تكون غير مهتمة بجماليتها فلا تهتم بجمالية بيتها وشارعها.. على المهتمين والدارسين أن يخرجوا بنتيجة أن وضع المرأة القوي سيحسن من وضع المجتمع.. فالمهم تحصين وعي المرأة بالمعرفة وبعد ذلك لا خوف عليها.. وحمايتها من الأخطار ليس في تكفينها.. ومن ناحية أخرى نأتي إلى مسألة تردى الذوق العام في كل مناحي بغداد سواءاً من ناحية البضاعة التي هي (زبالة العالم) في النوعية أو الجودة أو الألوان. أو من نواح أخر. وشخصياً أربط بين المرأة وبين وضع المدينة لأنه عندما تكون المرأة انيقة تكون بغداد أنيقة.
فنرجع إلى القول أنه مع قيام الثورات العربية يجب أن يهتم الثائر بتغيير نفسه قبل أن ينادي بالتغيير فهؤلاء الرجال الذين يساهمون الآن في إسقاط اعتى الدكتاتوريات في الوطن العربي، يهمني كإمرأة، أن اعرف كيف ينظرون إلى المرأة وما هي حدود تفكيرهم بالمرأة وكيف ينظرون إلى حقوقها وهل هم تقدميون فعلاً في نظرتهم إلى المرأة مثلما هم تقدميون في حملهم للشعارات التي تنادي بإسقاط الدكتاتوريات. قبل أن ينبلج فجر التغيير الجديد.
 إذاً كيف تناولت أنت هذا الواقع؟
- لدي مجموعة قصصية جديدة عنوانها "أقصى الحديقة" معدة للطبع تناولت هذا الواقع الافتراضي وعصر الفضائيات الذي نعيش فيه فنحن وسط كم هائل من الأرقام والأسماء والإعلانات التي تصيب المرء بالدوار، ولقد كتبت عن هذا الواقع والكثير من جوانبه بصيغة تهكمية.. كما تناولت هذه الظاهرة من خلال شخصيات متعددة مثل المذيع أو المذيعة لأن هذه الفضائيات الآن تعيد صياغة الحدث وتقدم وجهة نظر أخرى قد تكون حقيقية أو غير حقيقية، فوجدت هذه المادة موضوعات لعددٍ من القصص.. وذهبت فيها إلى أقصى الكلام...
 ألا تجدين أن الأعمال الأدبية رواية أو قصيدة ترسخ للحرب وويلاتها التي تظل شاخصة في الأذهان ونحاول نسيانها فتأتي هذه الأعمال الأدبية حتى لو كان بيت شعر واحد فيؤجج فينا الذكرى؟
- بالفعل فإذا نسينا كل شيء فنحن بالتأكيد لا ننسى بيت شعري قاله المتنبي أو أبو تمام عن موضوعة الحرب أو حدثٍ ما، وفي العصر الحالي أكثر الاجناس التي انعكست عليها أحداث الأمة هي الرواية سواءاً بعد الحرب العالمية وبداية الخمسينيات وفي نكسة حزيران وحتى الحرب العراقية الإيرانية والحصار والتغييرات التي حصلت بعد عام 2003، حتى أن أحد النقاد عد الرواية هي المرآة العاكسة للحداثة العربية. وفي الوطن العربي والعالم هناك كّتاب ارتبطت أسمائهم بالحرب حتى أنهم خلدوا أماكن ومدن وأحداث عن طريق الرواية، ولولاهم لطواها النسيان مثل روايات: الكاتب الألماني ريمارك "ليلة لشبونة" و "للحب وقت وللحرب وقت"  وهناك همنغواي وأيضاً فوكنر وكّتاب أميركا اللاتينية الذين عاشوا واقعاً مشتعلاً وساخناً دائماً فدخلوا إلى العالمية عن طريق مضامين (تراجيدية) عالية التوتر وأضافوا إليها شكلاً جديداً باللغة. وهكذا دخلت الرواية اللاتينية إلى النادي العالمي عن طريق تجارب سياسية واجتماعية، ولنتذكر مثلاً كيف كانت اللغة في بداية عصر الرواية "فوتوغرافية" تصويرية لكنها الآن تتضمن كل مفردات الواقع الجديد الافتراضية وغيرها، التي دخلت إلى لغة الكاتب إضافة إلى المضامين التي تتفاعل مع متغيرات العصر بسرعة. كما إن هناك تجارب أخر تتمثل الفوضى وغياب المعنى.
هذا من جهة ومن جهة أخرى أن الواقع على الأرض يفور بالثورات السياسية والربيع العربي وسقوط الأنظمة.. وهو واقع شديد الوطأة.. وكل هذا يجعل الكاتب في هذه الحقبة أكثر انغماراً في الحاضر المعاش من الماضي، فالوطن العربي يمر الآن بمرحلة تحول يفرض سطوته أكثر من الماضي، خذي مثلاً ظاهرة المواطن المتظاهر والمواطن الصحافي الذي يعبر عن رأيه بالأحداث ويصورها بنفسه ويتفاعل مع الحاضر من خلال الهاتف والصورة والبوستات والدردشة مع الآخر على صفحات الفيس بوك.. من جهة أخرى نلاحظ ظاهرة المواطن المشدود إلى قنوات الأخبار والأحداث المتتابعة.
يقال أن الكتابات التي تستحضر الماضي تبقى لها كينونتها المستديمة، إلى أي مدى توافقين هذا الرأي، أم أن الحاضر بكل عنفوانه يفرض سطوته؟ 
- الحنين إلى الماضي إذا لم يتحول إلى عقدة ومرض ويتحكم بالكاتب ويجعله يعتقد أن كل ما هو ماضٍ جميل، فهو أمر مشروع وطبيعي، لكن اعتقد أن الحداثة هي الانتماء للحظة الكتابة وإلى الزمن الذي يعيشه الكاتب وهذا الانتماء هو الذي يحدد خصوصية العمل. فمن جهة، يكون انتماء الكاتب للمكان محلياً، ومن جهة أخرى الانتماء إلى الكوني المطلق وإذا استطاع أن يجمع بين الاثنين وهو الكتابة عن بيئته المحلية وفي الوقت نفسه أن تكون هناك شحنة من الطلاقة في كتابته فإنه يمنح كتابته هذه الصفة العالمية.
الآن نعيش في عصر متغير بسرعة والمعلومات الهائلة تتضاعف كل دقيقة وهناك العالم الافتراضي  بكل مجالاته المعروفة وأصبح الهواء (الأثير) ملكاً مشاعاً للجميع وأصبح التفاعل بينهم (سكان الهواء) في اللحظة ذاتها واقصد الاشخاص المتواجدين على شبكة الانترنيت للتفاعل وتبادل الأفكار. هذا الحاضر العاصف سيقود الأجيال الجديدة إلى كسر الانماط القديمة من التفكير والوصول إلى قناعات أخرى جديدة.. صحيح إن هذا العالم الافتراضي قد أصاب الناس بالدوار.. وانغمار البشر الآن بهذا الحاضر أصبح شديداً إلى درجة أن أصابهم بضعف الذاكرة وقلة التركيز... ولكن هذا كله يلخص توق المواطن العربي للتغيير.. اعتقد أنه مشدود للحاضر والمستقبل أكثر من الماضي.. مع الأسف أن بعض ثورات الربيع العربي تبدو ظاهرياً إنها محبطة لكن في النهاية هذه مرحلة طبيعية يجب أن تمر.

بغداد مدينة لها روح معجونة بتراب الأرض
 في حديث عن الغربة، هل تجدين أن العراقي ارتبط ببلده بسبب متانة العلاقات الاجتماعية فلم يكن قادراً على مغادرة مدنه إلا مضطراً؟ وكيف كتبت أنت عن موضوعة الاغتراب؟ 
- بالرغم من حدوث نوع من حمى السفر إذ وجدنا أعداداً هائلة من المهاجرين العراقيين تسافر إلى مختلف اصقاع الأرض، فإن العراقي ما يزال غير متأقلم مع الغربة... وفي مجموعتي "أقصى الحديقة" هناك ثلاث قصص تناولت موضوع الغربة، فهناك شخصية المرأة المسنة في قصة "جميلة هي السبب" التي تصل الحدود وترجع مرتين بسبب امتلاكها لأكثر من جواز سفر، وبسبب غياب الكهرباء تأخذ الجواز الخطأ وهكذا باستخدام أسلوب التهكم استطعت أن أوصل موقفاً معيناً لما يحدث. ففي الغربة نجد مثل هذه المرأة المسنة في السفارات من أجل فيزة فنتساءل بمرارة ماذا تفعل هذه المرأة هنا وماذا تريد من السفر؟. وهذه المسألة وإن كانت قد حدثت بسبب من تداعيات الواقع السياسي ولكنها تحولت إلى عدوى. وشخصياً جربت السفر وليس الهجرة لسنتين أو ثلاث سنوات.. ومن وجهة نظري لا أحتمل الغربة لأني أجد بغداد أجمل مدينة في العالم برغم الخراب وانعدام الخدمات، فهي مدينة لها روح معجونة بتراب الأرض بينما المدن الأخر كئيبة وليس فيها حدائق ملحقة بالبيوت، وربما ليس فيها أصوات عصافير ولا تسمع فيها أصوات الباعة المتجولين. اعتقد أن هذه المشاعر تنطبق على كل عراقي... لأن مدينة قديمة مثل بغداد فعلاً لها روح بسبب وجود الأنهر واجتماع الأطيار قرب مصادر الماء، مما أعطى للمدينة روحها ولهذا باعتقادي يكون العراقي شديد الحنين إلى مدينته، ولكن هذا لا يمنع من القول أن التلوث وسوء الخدمات تقتل هذه المدينة وتضعف مشاعرالبعض  تجاهها.
 لنعد إلى عالمك الأثير، فأريد أن أسألك عن أحب الأعمال أليك أو هل قرأت شيئاً تمنيت أن تكوني أنت من كتبه؟
-  كثيرة هي الأعمال التي اعجبتني لكن يصعب أن أقول إني تمنيت أن أكون كاتبة أياً منها لأن كل كاتب هو خلاصة للتجربة، لكني عندما أقرأ اتفاعل مع هذه الأعمال وتبقى في بالي مدة طويلة والأعمال التي اعجبتني هي التي ساهمت في صنعي كاتبة أفضل، فالقراءة هي التي منحتني التطوير وتجويد أسلوبي، فأنا أعطي للقراءة جل وقتي وقد اعطيها نسبة 50% لنجاح أي كاتب وأعطي الموهبة نسبة 25 %، ربما الشعر يتطلب الموهبة الخالصة لكن الرواية حرفة ومثلها مثل أي حرفة أخرى، محترفها يحتاج إلى تطوير أدواته فالروائي عليه أن لا يقرأ في الأدب فقط بل، في الفيزياء والعلوم والفضاء وكل شيء لأن الرواية في رأيي هي ناتج القسمة الطويلة للفلسفة والعلم. للفيزياء والميتافيزياء.. فلربما نجد صعوبة في فهم نص فلسفي لكن في الرواية يحرص الكاتب على أن يقدم لنا الفلسفة بطريقةٍ قوية لكن حيوية سلسة، وبذا فأن الرواية هي عصارة لكل تلك الأفكار...
 أي الأوقات أحب إليك للقراءة والكتابة؟
- أفضل أوقات الصباح للكتابة عندما استيقظ صباحاً يكون الدماغ صافياً واستقبل الدنيا بأفكار جديدة وتتزاحم الأفكار فأكتبها حتى من دون ترتيب ومن دون أن اكتب الفصل كاملاً ثم أدخلها الرواية فيما بعد.
أما بعد الغداء فاستغلها في الكتابة لأني لا أنام القيلولة، وكذلك في المساء لأني قليلة الخروج من البيت، ولم أشعر يوماً بضيقٍ أو احباط من القراءة أو الكتابة بل أحس دائماً بالفرح وأنا اتهيأ لها والمكافأة فورية فيها وهي فرحة الانجاز، وكما تقول أحلام مستغانمي الموعد للكتابة يشبه الموعد مع الحبيب.
 وماذا  تقرأين الآن؟
- أقرأ أكثر من كتاب في وقتٍ واحد وقد انتهيت حالياً من قراءة "دروز بلغراد" الرواية الفائزة بجائزة بوكر العربية الأخيرة للكاتب اللبناني ربيع جابر و "السيد أصغر أكبر" للروائي العراقي الشاب مرتضى كزار...
* إذاً تقرأين للشباب؟
- نعم فأنا أحرص على أن أكون على إطلاع دائم بالإصدارات الجديدة في القصة والشعر والرواية واتابع المشهد الثقافي العراقي حسبما يسنح به الوقت.

أنا وزوجي نشكل فريقاً للعمل
 عائلياً كونك زوجة الناقد الدكتور نجم عبد الله كاظم هل أضاف لمسيرتك الإبداعية شيئاً أم كنت أنت الضوء الذي سلط على حياته النقدية؟
- كون زوجي ناقد ومهتم تحديداً بالقصة والرواية بالتأكيد أفادني كثيراً في مسيرتي منذ بداياتها وإلى الآن، فأنا لا أستطيع أن أدفع رواية للنشر من دون أن يقرأها وهو أيضاً يجعلني أقرأ بعض المقالات التي يكتبها أو يحتاج إلى رأيي في مقالة معينة لأنه يعتقد إني أمتلك اللمسة الروائية وهو يمتلك اللمسة الأكاديمية وإضافة إلى هذه العلاقة الإبداعية هناك جانب أهم هو الدعم المعنوي. فأنا أعرف عدد من الزميلات في المجال الإبداعي كان أزواجهن حجر عثرة في طريقهن لذا كن مقلات في أعمالهن، فالذي وفره نجم لي هو إيمانه بموهبتي إضافة إلى توفير الوقت والمزاج والجانب المعنوي فالمهم هو وجود شخص يؤمن بك ويشجعك، وأكيد هذا الجانب أكثر أهمية من الجانب الأول وأصبحنا فريق عمل مشترك، فهو الآن يعد مشروع عمل "فهرس الرواية العراقية لمئة عام" وهو جهد سنوات طويلة من عمره وبصفتي مهتمة بهذا الموضوع أخبره بكل رواية جديدة تصدر قد لا يعلم بها،  وأحياناً اكتشف له أسماءً غابت عن باله، وسيكون هذا المشروع بمثابة ذاكرة للرواية العراقية. ولكنه زاهد بالأضواء كلها بالرغم مما قدمه من إنجازات مهمة سواء في مجال النقد الأدبي أو تجسير الهوة بين الجهد الاكاديمي والابداع، إذ قام من خلال عمله الاكاديمي بتعريف الدارسين بأهم الرموز الروائية والقصصية العراقية واقتراحها لرسائل الماجستير والدكتوراه واستضافة النقاد والروائيين العراقيين في صفوف الدراسات العليا.
 وماذا عن آخر أعمالك؟
- انتهيت من مجموعة قصصية جديدة هي "أقصى الحديقة" التي حدثتك عنها قبل قليل، كما صدرت لي رواية جديدة عنوانها "زينب وماري وياسمين" وتتحدث عن حجاب الصغيرات. وأعمل على مخطوطة رواية جديدة تنتمي إلى الميتافكشن (ما وراء القص) وهي رواية داخل رواية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية