جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » حوار


حسب الله يحيى : أكتب حين أشعر بحاجةٍ لقول ما يفيد الناس


حاوره / عادل العامل
يُعد الأديب والكاتب الصحفي المعروف حسب الله يحيى من أبرز كتاب القصة القصيرة في العراق منذ ستينات القرن الماضي .وقد ثابر ، مع مشاغله الشخصية والصحفية كمحرر وكاتب عمود في العديد من الصحف والمجلات طوال هذه الفترة ،
على كتابة القصة القصيرة والقصيرة جداً بأسلوبه السلس المتميز ومضامينه الإنسانية النابعة من حياة الناس اليومية وكفاح الإنسان العراقي من أجل مجتمع حر تسوده الألفة والتآخي والعدالة الاجتماعية . وقد صدر له العديد من الكتب في مجالات القصة القصيرة والنقد وأدب الأطفال .
حدثنا عن البدايات ، وأنت في مرحلة الصبا بما فيها من مؤثرات أسرية وثقافية واجتماعية ترى إنها ساهمت في توجيهك نحو كتابة القصة ، وهل كانت القصة فعلاً هي توجهك الأول ؟
ــ  لم تكن طفولتي .. طفولة استثنائية .. سوى أنها فقيرة بامتياز .
وفي وقت مبكر، وجدت نفسي شديد الشغف بقراءة القصص ، بحيث أجمع القليل الذي يمنحني إياه أبي واشتري به قصصاً ، على العكس من جميع أطفال الحي والمدرسة. حتى صارت لدي مكتبة يستعير منها القلة من أصدقائي ممن به رغبة للقراءة ، ووجدتني اكتب ما أشاهده يومياً ..
وفي المتوسطة نشرت في مطلع الستينات بداياتي في جريدة ( فتى العراق ) بالموصل ، وكنت اقرأ لوالدي ما كتبت وكان يعجب بما اقرأ له .. وعندما أقول له إنها كتاباتي ، لم يكن يصدق ويعدني كاذباً ويلزمني بالصدق ..
ومن دون أن يدري كان يدفعني باتجاهين : أن أواصل الكتابة ، وان أكون صادقاً ..
وفضلت عرض كتاباتي عليه ، من دون أن أقول له أني صاحب هذه الكتابة ، فينشرح صدري ويعطيني ملاحظاته.. وهو الرجل الأمي الذي كان يحفظ جميع قصائد المعري بإعجاب شديد .
واستدعتني جريدة ( فتى العراق ) للعمل فيها عام 1963 براتب ( 15 ) ديناراً لكنها أصدرت أمراً بفصلي بعد أسبوعين على العمل وسلمني رئيس التحرير المرحوم إبراهيم ألجلبي ( 7:5 ) ديناراً معتذراً بأن فصلي قد تمَّ لأن أخي كان يسارياً وظرف المدينة لا يسمح باليسار .. ولم أناقشه واندفعت للكتابة خارج المدينة و نُشرت أول قصة لي في مجلة ( الآداب ) اللبنانية بعنوان ( الذي يتجذر في الأرض ) وكانت رمزية تدين الاتجاهات الرجعية .. و كانت هذه المجلة متداولة من قبل المثقفين مما جعل أحدهم يكشف عن أبعادها من خلال احد البرامج التلفزيونية .. وقد حرض على قتلي، أو اعتقالي في أحسن الأحوال !  و كنت آنذاك قد نشرت مجموعتي الأولى ( الغضب )، فاضطررت لسحبها من المكتبات فوراً وتوزيع نسخها على أصدقائي .
وعلى وجه السرعة وجدتني ملاحقاً مشرداً .. يحمل معه همومه ويرحل إلى بغداد حيث بدأت اعمل في شتى المهن ضماناً لعيش صبي وحيد. ولم يكن مقبولاً دخول أمثالي من " الصبيان " إلى اتحاد الأدباء .. فكنت أتسلق الجدار واجلس متخفياً وراء الأشجار استمع إلى المتحدثين ..
وواصلت كتابة القصة والمقال والدراسة المسائية والعمل في البناء نهاراً .. في آن واحد وليس بوسعي استعادة تلك الصفحات تفصيلياً هنا، و ذلك لما تحمله من مرارة ومن استعراض شخصي بات جزءاً من خصوصيات قد لا تهم الآخرين .. ولكنها مجتمعة شكلت خزيناً أثرى عالمي القصصي وشدني إلى العمل والتفكير بأسلوب الحياة وتنظيم الوقت بدقة متناهية .
   
هل كان لتجارب الحب المبكرة مفعولها الإلهامي في مضامينك القصصية ، كما هي الحال عادة لدى الأدباء عموماً ؟
ــ صادقاً أقول .. كنت اعد حالة الحب .. حالة ترف .. وقصص الحب التي كنت اقرأها قصص مترفين تخلو حياتهم من الهموم والفقر .
ولم أعرف المرأة إلا في وقت متأخر .. ألحقت به حياتي الزوجية التي بدأت بمآسٍ .. ثم وجد هذا العالم الملهم سبيله إلى قلبي .. فتفتح باب القلب على مصراعيه وتحول إلى عشق العالم كله ، وصارت أسراره موضوع العقل والتأمل والكتابة والثقة التي يحترمها الطرف الآخر فيّ ..
 
لماذا يكون هذا الأديب شاعراً،وذاك قاصاً أو روائياً، وغيرهما ناقداً،برأيك ؟ هل هي الموهبة، أم الثقافة، أم ظروف الأديب الموضوعية والذاتية ؟
ــ القصة والشعر والرواية .. تعبر عن ذات ، بوح وعن الق الروح .
أما النقد .. فهو الثقافة البناءة التي لا تعتمد المعلومة إلا لكي تهضمها وتعيها وتدركها وتناقشها .
أنا ضد التلقين والمعلومة الجاهزة .. فتلك موجودة في الكتب والقواميس وصارت متوفرة في الانترنت .. ولا أعد الجماعات التي تعتمد الحفظ والتلقين مثقفة ، وإنما جامعة .. لانها لا تحمل موقفاً نقدياً أزاء ما جمعته وحفظته .
المثقف الناقد .. هو الإنسان البناء الذي يحتاج إليه المجتمع الذي ينشد التطور والازدهار . 

لبعض الأدباء مصادر، أو حوافز الهام معينة، فهناك من يحب الكتابة في المقهى، وهناك من لا يستطيع ذلك إلا وهو في عزلة تامة، أو لا يكتب إلا بعد أن يقرأ لأحد الكتاب، أو بعد أن يتأمل الدنيا من حوله.. كيف هي الحالة لديك ؟
ــ مصادر الكتابة والإبداع على تنوعها .. تحتاج إلى جملة مكونات أساسية أهمها :
خزين الثقافة المستمرة ، واغناء القاموس اللغوي ، والتجارب الشخصية ، والخيال المعمق ، والحافز الذاتي للبوح الداخلي .
لذلك أنا لا أؤمن بإلهام مجرد ، ولا الكتابة المجانية العابرة التي لا تستحضر من صاحبها عقله ووجدانه وحواسه وتجاربه وموقفه من القراءة ومن كل مشهد يشهده في مسار حياته .
وحاجتي الى الكتابة تعتمد على حاجتي الملحة في التنفس. لذلك أنا لا اعتمد الزمان والمكان لكي أكتب .. وإنما اكتب عندما أجد نفسي بحاجة لأن أقول شيئاً مفيداً للناس .. وبعكس ذلك اسكت وأظل في حالة السكوت هذه حتى أجد إن هناك ضرورة ملحة تتطلب القول ..
 
هل أنت راضٍ عن نفسك .... لماذا ؟
ـــ كل الرضى .. وان كنت قد دفعت ثمناً باهضاً من هذا الرضى في مسار حياتي .. ذلك إنني اعتمد على مصداقية ما اعتقد إلى به أن إلى أجد بالدليل والبرهان ما يؤكد العكس .. ولم أجد هذا العكس إلا في حالات نادرة جداً .
إنني لا اكتب نقدي على انطباع عابر ولا مفاهيم جاهزة ونظريات عامة .. وإنما انطلق من الأقوال والأعمال نفسها .
وفي القصة لا اكتب إلا عندما انصهر في تجربة حية أريد أن يتعلم منها المتلقي الفائدة المرجوة .
وفي الكتابة والعمل المهني وحالات الحب .. اعتمد الجد والصدق والعقل والثقة .. وهي من أفضل السبل الجديرة باحترام ذاتي ومن ثم احترام المتلقي الذي أتعامل معه : قراءة مثمرة ومهنية ودقيقة وحباً عقلانياً مخلصاً وأثيراً ومملوءاً بالثقة .   

كيف يكون لدينا ذات يوم واحدٌ مثل غارسيا ماركيز ، أو بارغاس يوسا ، أو تشيخوف..أم إن نسيجنا الثقافي والاجتماعي لا يمكن أن يفرز حالاتٍ كهذه ؟

ــ لم يكن هناك مبدعون كبار أمثال هؤلاء وسواهم لأسباب تتعلق بالتيار الإنساني الذي يصطفي فيه كل امرئ لنفسه مكاناً ويعد نفسه مصدر الكمال والفكر والإبداع الوحيد وسواه عدم ..
الروائيون عندنا معنيون برواية التاريخ ونقل الواقع .. في حين ان الخيال الروائي هو المصدر الاساس في البناء الروائي .. ومن لا يملك خيالاً واسعاً .. لا يمكنه كتابة رواية حية على وفق طراز ماركيز ويوسا ودستوفسكي وبروست و تشيخوف .
أما الفكر .. فليس لدينا مفكرون يمكن أن نعدهم مصدراً وذلك لاعتمادهم على جمع المعلومات ، وجميع شهادات الماجستير عندنا قائمة على هذا الجمع أما شهادات الدكتوراه فهي في الغالب لم تنتج مفكراً من طراز فرويد أو سارتر أو ماركس مثلاً .
الفكر .. هندسة العقل ، ومهندسو العقل عندنا ندرة ، والنادر محكوم بالموت .
أما الإبداع ..  فهو الخيال المنظم في وقت ليس بوسعنا تنظيم حياتنا اليومية ، وخيالنا محظور !
نحن تراكم احباطات وخيبات وأعمال عنف ، وما زلنا مجتمعات تعيش على ما ينتجه الآخرون لنا.. حتى غذاءنا لم يعد بوسعنا إنتاجه .. فكيف ننتج فكراً وإبداعا عالمياً ونحن منطفئون تقريباً؟!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية