الألمانية لغة فظيعة
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=2673
الكاتب: luay


 حرر في الثلاثاء 21-06-2022 12:04 صباحا

ولو كان الرجل قد علم حجم العناء الذي تحملته لإحراز منجزي الفني هذا، لعلم، إضافة لذلك، أنّ الحصول على هذا القدر منها سيدفع بالإنسان إلى كسر أي حصالة يملكها لنيل تلك المعرفة! في تلك المرحلة انهمكت وهاريس بشدة ولأسابيع عدة في العمل على لغتنا الألمانية، ورغم أننا حققنا تقدماً ملموساً، إلا أنّ هذا الإنجاز تم في ظل مشاق كبرى وانزعاج عظيم، فقد توفي ثلاثة من معلمينا خلال هذه المرحلة. ليس بوسع من لم يدرس الألمانية أن يصوغ أيّ تصور عن هذه اللغة المربكة.
لا توجد لغة تماثل الألمانية بالعبثية والمراوغة وغياب النظام وصعوبة الفهم، والمرء ييعوم غارقاً بمتاهاتها المتشعبة بطريقة ميؤوس منها، وحين ينتابه في النهاية شعور بأنّه قد أمسك بقاعدة توفر له أرضية يستقر فوقها مرتاحاً ليلتقط أنفاسه، وسط سيل الغضب والمعاناة التي تنتابه عبر أجزاء الكلام العشرة، يقلب الصفحة ليقرأ: "على التلاميذ أن يلحظوا بعناية الاستثناءات التالية"، وحين يمر القارئ بعينيه على ما هو مكتوب سيجد أن الاستثناءات المذكورة يفوق عددها عدد الأمثلة المضروبة لتطبيقات القاعدة! وهكذا سيبحر مرة أخرى باحثاً عن قمة "آرارات" ثانية وعن واحة رمال متحركة أخرى.
هكذا كانت وستبقى خبرتي في هذا المجال، ففي كل مرة أحسبني قد استوعبت واتقنت إحدى "حالات" الألمانية الأربع، يظهر حرف جر عديم الأهمية في ظاهره ليقحم نفسه في جملتي وهو متلبس بقوة فظيعة لا ترقى إليها الشكوك، ليزلزل الأرض تحت قدمي!
وعلى سبيل المثال، يتساءل كتاب الألمانية (الذي أدرسه) حول أحد الطيور- وهو غالباً يتساءل حول أشياء غير مصنفة وعديمة الأهمية – قائلاً: أين هذا الطير؟
جواب السؤال – طبقاً للكتاب – هو أن هذا الطير ينتظر في محل الحداد بسبب هطول المطر. وفي واقع الحال، لا يوجد طير يفعل ذلك، لكن عليك أن تلتزم بالكتاب (المنهجي). وبناء على ذلك، عليك فك طلاسم اللغة الألمانية (لصياغة) ذلك الجواب.
أشرع البحث بالضرورة في النهاية الخطأ، لأنّ الفكرة الألمانية قائمة على ذلك، فأقول لنفسي: المطر REGEN اسم مذكّر، وقد يكون مؤنثاً، بل يحتمل أنّه محايد، وليس لديّ الوقت للتأكد من هذه المسألة، لذلك ستكون أداة التعريف الخاصة بكلمة المطر هي أما DER Regen باعتباره مذكراً، أو DIE Regen باعتباره مؤنثاً، أو DAS Regen باعتباره محايداً. وخدمة للعلم، سأصنف الاسم مذكراً، فيستحق أن يكون DER Regen ما دام هو في وضع الإشارة المجردة إليه دون افصاح عن مزيد من التوضيحات، فيكون في حالة الاسمية Nominative.
أما لو كان المطر قد استقر على الأرض وعلى الأشياء، فسيُصنف، طبقاً للمنطق الألماني، باعتباره يفعل شيئاً، وهو في هذه الحالة ممارسة (الاستراحة) - طبقا للفكرة الألمانية تكون ممارسة الاستراحة جزءاً من فكرة فعل الشيء-، ففي هذه الوضعية سيدخل اسم المطر في حالة الجر Dative فتصبح الأداة DEM Regen.
وعلى كل حال، فالمطر في الحقيقة لا يستريح بالمعنى الحرفي للكلمة، بل يفعل شيئاً ما بنشاط، فهو يتساقط ما يجعل حركته متداخلة مع حركة الطائر المشار إليه، وكل هذا يدفع بالوضع ليكون في حالة Akkusative منزلقاً إلى استخدام أداة DEN Regen.
وبعد أن أنهيت "تنجيمي النحوي الألماني" حول هذه القضية، بوسعي الإجابة بدقة باللغة الألمانية أن الطائر قد لاذ بدكان الحداد بسبب " wegen " المطر DEN Regen. لكن المعلم سيخيب توقعي بملاحظة مفادها أن دخول الفعل " wegen " في أي جملة، يؤدي دائماً إلى تحويل فاعل الجملة إلى حالة GENITIVE، بغض النظر عن نتائج ذلك، لذا تصبح الجملة "استقر الطائر في دكان الحداد بسبب المطر" وهذا يعني "wegen DES Regens "!!
ملاحظة لابد منها: أُعلمتُ فيما بعد، عن طريق أعلى السلطات، أنّ لهذه القاعدة استثناء يتيح للمرء أن يقول "wegen DEN Regen" تحت ظروف وشرائط غريبة ومعقدة، لكنّ هذا الاستثناء لا يعمل إلا مع كلمة أو فعل مطر!!
أجزاء الكلام الألماني 10، كلها مثيرة للمشاكل. فأيّ جملة عادية، في أيّ صحيفة ألمانية، هي "فضول سامٍ ومثير للأعجاب"، فهي تشغل مساحة ربع عمود في الصحيفة، وتضم كل أجزاء الكلام العشرة، وهي ليست معروضة في وضعها الطبيعي، بل مختلطة، وهي مبنية بشكل أساسٍ من كلمات مركبة صاغها الكاتب لتلك المناسبة، ولن يجدها الباحث في أيّ معجم، فقد جمع الكاتب ست أو سبع كلمات ليركب منها "كلمة واحدة" لا تتخللها فاصلة أو شارحة، وهي تستجيب لأربعة أو خمسة عشر فاعل (أو مبتدأ)، يقف كل منها مقوّساً على نفسه، علاوة على الأقواس المتناثرة هنا وهناك لتعرّف "الأقلام بالأقلام"، وفي النهاية تُضم كل الأقواس المهموزة بين همازتين رئيسيتين، توضع إحداهما في مطلع الجملة الملكية، وتوضع الأخرى في وسط السطر الأخير، ليأتي بعدها الفعل، فتعرف لأول مرة عمّ يتكلم المتكلم، وبعد الفعل، ولغرض تزييني فحسب، يقول الكاتب: "لقد تم !" ونصها بالألمانية:
"HABEN SIND GEWESEN GEHABT HAVEN GEWORDEN SEIN,"
أو جملة تشي بنفس هذا المعنى، فتنتهي اللحظة الحاسمة!!
أحسب أن هذه الخاتمة هي جزء من "طبيعة الازدهار" بالنسبة لتوقيع الكاتب، فهي ليست ضرورية، ولكنها جميلة.
تسهل قراءة الكتب الألمانية حين تضعها أمام النظارة المكبرة، أو حين تتطلع إليها وأنت واقف على رأسك، كيما تقلب تركيب اللغة، لكني اعتقد في النهاية أنّ قراءة وفهم أيّ صحيفة ألمانية يبقى من المستحيلات بالنسبة لأيّ أجنبي غريب عن اللغة!
الكتب الألمانية بدورها لا تغفل عن مهاجمة المقوس والمحصور بين همازتين، رغم أنها تحرص ألا يكون امتداد الجملة سوى بضعة أسطر، بحيث يصل القارئ إلى فعل الجملة وهو ما زال يتذكر التفاصيل وبوسعه ربطها معاً.
فيما يلي جملة منتزعة من رواية ألمانية مرموقة، وقد ضمنتها بعض الهمازات والأقواس والشارحات لغرض توضيح المعنى المتواتر في ذهن الكاتب كما شاء أن يوصله إلى القارئ. النص الألماني، يخلو من الأقواس والهمازات والشارحات:
"ولكن، وحيث هو، في الشارع، بالتي (في – الحرير- والساتان – مكسوة –الآن- بطريقة -متحررة – جداً – طبقاً- لأحدث – صيحات - الموضة) هي زوجة المستشار الحكومي التقى "...الخ...الخ.
هذه الجملة، مأخوذة من رواية "سر ماملز العتيق" التي كتبتها السيدة مارليت. والجملة قد صيغت وفقاً للأنماط الألمانية المعتمدة. وبوسع القارئ أن يلحظ محل وقوع الفعل البعيد عن قاعدة عمليات قراءته. أما في الصحف الألمانية، فيتأخر الفعل عادة حتى الصفحة التالية من الجريدة، بل قد سمعت أنّ الكتّاب، وبعد أن ينهمكوا في ترتيب سلسة من الكلمات المقوسة والمهموزة والمتناصفة بالشارحة، ينسون في غمرة عجلتهم وانشغالهم أن يضعوا الفعل، فيرسلوا البروف إلى المطبعة دون فعل، وهكذا يبقى القارئ مشغولاً في حالة جهل مطبق!!
في لغتنا (الإنكليزية) نعاني في الأدب خاصة من مشكلة الهمازات، ويمر المرء، بشكل يومي، بحالات منها في كتبنا وصحفنا، لكنها عندنا مقرونة بكتاب لا خبرة لهم، وبمثقفين يغرقون في غيوم عوالمهم، فيما تعد هذه الظاهرة في اللغة الألمانية دليلاً على خبرة قلم الكاتب، وتعبيراً عن ضباب فكري منير ينبي عن وضوح الفكرة لدى الكاتب إزاء قرائه! فإذا لم تكن دليلاً على الوضوح فهي بالضرورة ليست الوضوح بعينه! حتى هيئة المحلفين سيلزمها تحقيق اختراق كافٍ لاكتشاف هذه الحقيقة.
ينبغي أن تكون أفكار الكاتب على قدر كبير من التشويش، وعلى قدر كبير من الابتعاد عن المعنى والسياق، لاسيما حين يبدأ حديثه بالقول: إن رجلاً قد التقى بزوجة المستشار في الشارع- وفجأة وفي وسط هذه الجملة- سيتوقف بضع مرات، ليقارب الناس ويسألهم أن يقطعوا استرسالهم في القراءة لوهلة، ريثما يكتب فكرة طرأت على ذهنه حول رداء المرأة. في الحقيقة أنّه عرض لا معقول، يُذكّر المرء بطبيب الأسنان، الذي يمسك ضرسك الموجوع المنخور بالملقط الطبي، فتنصرف كل حواسك لتلك المصيبة، ثم ينغمس وهو في هذا الوضع في سرد واقعة مملة، تنتهي فجأة بقيامه باقتلاع السن المنخور! الاستطرادات والهوامش والمقوسات في الأدب تبقى بمستوى مساوئ أطباء الأسنان المشغولين عن مرضاهم بسرد التوافه!
يستخدم الألمان نوعاً آخر من الشارحات (الافتراضية)، وذلك بتقسيم الفعل لقسمين، ووضع أحدهما في مطلع فقرة هامة من أي فصل، فيما يأتي القسم الآخر في نهاية الفصل! هل يوجد ما هو أكثر إرباكاً للمتلقي من هذا؟
هذه الأشياء تعرف ب "الأفعال القابلة للفصل"، والنحو الألماني تطفح على جلده "الأفعال القابلة للفصل"، وكلما تباعدت المسافة بين القسمين، تسامت مكانة المؤلف وتعاظم اعجابه بجريمته النكراء الملهمة! وكمثال على ذلك الفعل الماضي "ابتعد عن" وهو بالألمانية REISTE AB، وها أنا اقتطف مقطعاً من رواية معروفة واترجمه بتصرف للكشف عن الجريمة الكاملة:
"وحال أن باتت الجذوع جاهزة، هو "عنها" AB - بعد تقبيل والدته وشقيقاته، وضمه المعبودة غريتشين إلى صدره، وهي مرتدية موسلين أبيض، وفي طيات شعرها البني المفعم مستقر برعم زهرة حمراء وهي هابطة على درجات السلم بوهن، ومازال شحوب رعب الأمسية الماضية فوقها، وهي بعد متشوقة لوضع رأسها المسكين الموجوع مرة أخرى فوق صدر محبوبها الأعز عليها من نفسها، "ابتعد" REISTE "، (وتقدير الكلام -هو ابتعد عن الجذوع الجاهزة - بعد كل الجمل الاعتراضية، وهذه ترجمتي لما كتبه مارك توين كما هو دون تصرف).
وعلى كل حال، فليس من المستحسن أن يطيل المرء مكثه عند "الأفعال القابلة للفصل"، فسرعان ما سيتعكر مزاجه، لاسيما إذا أصرّ على التمسك بمعرفة الموضوع، دون أن ينذره أحد بسياق ما يجري، فسينتهي به الحال إلى خفة عقله أو تحجره!
أما الضمائر والصفات الشخصية فهي "قرف مثمر" في هذه اللغة، وكان من الأجدى التخلي عنها بشكل كامل.
على سبيل المثال، كلمة SIE بنفس اللفظ والهجاء (زي)، تعني:
"أنتَ، أنتِ" بصيغة الاحترام،
وتعني "هي" للمؤنث الغائب،
وتعني ضمير المؤنث الغائب للتملك كتاب -"ها"،
وتعني ضمير المحايد الغائب "هو/ هي"،
وتعني ضمير الجماعة الغائبين "هم"،
وتعني أيضاً، ضمير العائد والتملك للغائبين الذكور كتاب - "هم".
أيّ فقر تعيشه هذه اللغة بحيث أنها تستعمل كلمة SIE لأداء 6 معانٍ مختلفة متباعدة بمجرد ثلاثة حروف فقيرة!؟
الأدهى والأمرّ من ذلك، هو الإحباط الذي ينتاب المرء حين لا يعرف إلى أيّ من المعاني يشير المتكلم بهذه الكلمة. وهذا يفسر رغبتي في قتل أيّ غريب يتوجه لي بالكلام مستهلاً جملته بكلمة SIE.

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009