مأزق الرواية العراقية الشابة
رابط الصفحة :http://www.tatoopaper.com/news.php?action=view&id=111
الكاتب: adosmon


 حرر في الجمعة 18-06-2010 11:35 صباحا

يأخذنا الروائي مرتضى كزار في سياحة روائية متعثرة بين الأمكنة المعروفة : زقاق العبيد في البصرةالعتيقة والعشار وأطراف الجمهورية ، والمعقل وحي المثلث وغيرها ثم يقذف بقارئه في النهاية بعيدا صوب كلاسكو ، كوبنهايكن ، والمكسيك ووو .. حتى ان أمكنة مثل حمام الرجال القديم ، الجسور القديمة ، ساعة سورين تتلاشى سريعا من ذهن القاريء حيث تتمدد على جسد المكان شخصيات : نورست ، حميد طبانة ، ملاية ، وزكية وآخرين إذ تختفي بسرعة لأن إرصاد الروائي لها غير معمق ولم يعمق لنا سيرورة تاريخها عبر منولوجات معمقة تستعيد من خلالها المدن العظمى كالبصرة قوة وجودها وحجمها الذي يليق بها عبر ناسها الأحياء . ورغم الحركة النابضة بالقوة التي تمتاز بها دفقة الروائي ويرسم حبكاته السريعة الناجحة القريبة من صنعة المونتاج حيث يكون التنقل السريع من مشهد حكائي الى مشهد حكائي آخر لم يكن متراصا ومتداخلا يعمق لنا روح الشخصية ورصانتها الفنية ويعزز كينونتها عبر مشاهد ناجحة لبنائه الروائي العالي لأصالة المكان .. كان الروائي حائرا ، قلقا ، وكأنه يهرب عاجزا من تحقيق انجازية ولملمة وحدة روايته الثيمية مثل الروايات الجادة التي يمارس كتابتها الروائيون الشباب في المنطقة الشرق أوسطية .. عندما يختزن روائي شاب طاقة تخيلية غير مكتملة عليه أن يحاذر من التفريط ببعثرتها وفق سياقات سردية عاجزة عن الاكتمال .. هذا الروائي يشي بقدرات ومهارات طيبة لم يحن ظهورها ونضجها على الورق بهذه العجالة التي وضعها بين أيدينا بعنوان غير جاذب هو ( مكنسة الجنة ) .. ان عنوانا غريبا كهذا لايدل على توصيف الثيمة العامة والدلالة على العنوان  ... هنالك نبتة مستوردة يستخدمها البصريون في نظافة وتدليك أجسادهم في الحمامات العامة يسمونها ( مكنسة الجنة ) . ومثلما فشل مرتضى كزار في عنونة روايته الأولى وسماها ( صفر واحد ) فهو يخفق الآن في دلالة العنوان الخاطف على فحوى رواية تحمل جهدا لايستهان به .

عوالم من القبح / عوالم من الرؤى الفاسدة
    الشخوص التي وزعها مرتضى كزار على امتداد روايته ( مكنسة الجنة ) أخذت بالتلاشي وأتلفها النسيان قبل أن يكمل المتلقي روايته وهذا اشكال كبير يعانيه كيان الرواية بينما بقيت الشخصيات الحية في تراث الرواية العالمية والعربية يشع وجودها في ضمير وذاكرة الانسانية وبينما يسجل الروائي مرتضى كزار مهيمنته السردية على العلاقة القبيحة الشاذة بين وداد شقيق مدين حياوي وبين الراوي فلم يؤسس منظومته الجمالية والسيكلوجية على قناعات ورؤى فنية معززة بجدلية الصدق الفني ولم يؤرخ لنا البدايات المشوقة في نموها الانساني التي أسس عليها شذوذ البطلين ولا الاستجابة التي انقاد اليها الصبي الأسود وداد بهذه العجالة الروائية .. ومهما كانت فتنة المفارق والخارق والشاذ تجذب المتلقي الى الانقياد لقراءة الآثار الروائية بمتعة مابعدها متعة لكن الأعمال الحية تترك آثارا قيمية للجوانب الفاضلة عبر الفضاء  الروائي الذي تتحرك بمجاله حياة الانسان ، فمهما كان حجم القبح والشذوذ المعروضين سيسمو خيط أو شعاع من النبل والطهارة .. ظل الروائي يرصد أمكنة موغلة بالعتق يعشش فيها الفساد والاهمال والبؤس والخواء وهي حتما مراتع لبزوغ غرائبيات مظلمة ففي منطقة العبيد في مشراق البصرة العتيقة عالم يزخر بطقوس الزنج والعاهرات وأهالي العرفان وشذاذ الآفاق والمعتوهين والمقامرين والقوادين ، حيث أوصل إلينا مرتضى كزار ترسيم المكان بقدرات عالية فتبدت لنا البيوت الواطئة والزقاق المغلق الضيق المزروع وسط أزقة شعبية مكتظة بحشود الناس الفقراء ومحاطا بالسوق القديم فأوصل الينا روائح المكان التي تفوح بعبق التاريخ الشعبي ، وهذا يشي بالنجاح الباهر لتجربة روائي لم يتجاوز منتصف العشرين وهو السؤال الذي يحاصرنا بظراوة ( لِمَ ينشغل المثقف العراقي مأخوذا حد الانسحاق بمهيمنة التاريخ عليه ؟) ..
ان الكوارث السياسية ومتواليات الحروب على امتداد الحقب الدكتاتورية التي ألقت بظلالها الفاحشة على طول الأزمنة تجعل من الروائيين الشباب الذين خرجوا الينا من شواطيء الدمار يعودون أدراجهم صوب الماضي بحثا عن العلل الفاسدة التي أوصلت البلاد الى مصائرها الكارثية ..

ألعاب الخيال الهابطة
    ونحن نرقب ونرصد بامعان صيرورة الحياة واحتدامها في تلك الرواية القصيرة ( والرواية هي الحياة عبر بناء الفن المعمد بإرث الانسان وتجلياته وابتكاره الخير والجمال فما الذي يتوق اليه الروائي مرتضى كزار ؟ ) . فلنأخذ هذا المشهد ( وغافل وداد أمه وخرج بالخط الى شوفان وضمه الى جزء الخط الخاص بالرواية وابتعد بالخط عن كومة طابوق عشاق بنات حميد ، ودخل الى الساقية وغار في حمرتها ( ..... ولاحظ ان الطبشور قد نفذ وانه رسم الأمتار الأخيرة بإصبعه ، فكر بالاستمرار والمرور بكل شوارع البصرة القديمة خدمة للناس وطيبة منه لمساعدتهم في التفريق بين العالمين . ) . لقد وصلت الينا نظريات الفن عن مهنة اللعب التي يمارسها الفنان ولكن أي لعب يمارسه الروائي ؟ هل هو اللعب على منظومة الشكل الفني أم اللعب بمنظومة الخيال ؟ فإذا كان معنيا باللعب على تصنيع وتنهيض وابتكار خيال ينهض من صنع الواقع فإن ذلك اللعب فيه مايشي بقصور يعانق السذاجة وامتهان الرؤية الفنية التي لاتحتملها ذائقة القاريء الجاد ، لقد وصلت السخرية اللامسؤولة بالروائي أن يسوق لنا هذا المقطع الخالي من ومضة الرقي بسردية الفنان الجاد ( عثر وداد على فحولته من خلال سيرة بزونة صغيرة متعددة الأسماء والأصوات ) أمام الروائي المتمرس مسؤوليتان : الأولى بناء صرحه الواقعي وانشغالاته المتمكنة برصده لحركية الحياة وعنفها وقوانينها الخفية في مجتمع ممشكل بالمصائب كالعراق مثلا عبر مجسات فنية يمتلكها الفنان ويستخدمها بدراية عالية .. والثانية بناء منظومته التخيلية فيما وراء الواقع الإشكالي المحسوس والأليف كأن ينسج رواية فنية مقتدرة داخل الرواية نفسها عبر قناعات ومهارات عالية ، بينما لم يقولب كاتبنا واقعيته العراقية ويقدم جاهزيتها للقراء الجادين فراح ينسج هوامش رواية افتراضية غير مقنعة تماما ( فسارع الى تدوين ملاحظة على هامش خريطة الرواية وخط الطباشير تفيد بأن كل رجال الرواية يتمتعون بأغلفة وزعانف . ) . هذا الهدر المتعجل للجهد الفني على حساب سخرية ينطق بها محمولها الساذج باللامسؤولية ظل يتبناها الكاتب مع هذيانات عامية يضخها في حواراته المبثوثة هنا وهناك مزيحا طاقات عالية من نسيجه الفني الذي يشهد له على امتلاك مسطرة اسلوبية تعج بجماليات النثر والسردية الشعرية .. ( بادر وداد بإخباره نحن أعضاء في رواية شَعَر وأنت تلميذ فيها ولم ينتظر بقية التعابير التي ظهرت على وجه وداد ليقول له بأنهم الآن خارج النص .. فهم وداد كل تلك الحيلة من سلوان بل اقترح عليه حيلا أخرى للخروج من هذا الفصل المملل ( ..... ) وأقنعه بأنهم ينظرون الينا الآن !  ـ منو .. ـ القراء ) ان رواية قصيرة بحجم ( مكنسة الجنة ) تطارد ظلال التاريخ القريب أو البعيد وعليها مهيمنات ( قتل الناس الجماعي ، الدكتاتورية الشامخة على الجداريات والمتسترة بين أقبية الأمن والزنازين والسجون وإرصاد حركات الناس وحيواتهم ) رواية لاتحتمل كثافة تخيلية مضافة الى اضطراباتها الفنية والمضمونية علما بأن الروائي ينسج منظومته السردية على صلابة الواقع ولم يستطع أن يحرك أعصاب القراء وجذبهم أو صيدهم اذا استدعت الضرورة الفنية لمقتضيات اللعب والإبهار الفنيين حيث سيج لنا الروائي واقعية قلقة وممشكلة فوق مكان يعج بالحياة . ( كانت أمه تستضيف إسطة بناء ـ يبدو أن أسعاره أغضبتها ـ إشدعوة ، هو مال الخلفوني ، هذا تابع للرواية ، الكاتب هو كفيل بيه ، روح إتفاهم وياه ، شوفة وين بيا دحيسة جاي يكتب بينه . ) . هذا المشهد المفرك باسقاطه الفني والتعبوي باللافن ولا القناعة الصادمة ، الزاخرة بعنف ودرايات الصدق الفني يجعلنا نخاطب الروائي مباشرة ( ان الصنيعة القادمة من وراء رأس الفنان قد أجهزت على الرسم الناجح لحيوات الأبطال وأزاحت الفطرة الفنية والصنعة الشكلية لكثافة السرد الواقعي وهو يبني لنا خارطة روائية شاغلها الانسان العراقي على أرض البصرة .. ) . ذلك القلق الفني المشوش ، الحائر ، ظل ضائعا بين بنية تأسيس واقع روائي حقيقي وبين الصنعة التي لم تكن باهرة هذه المرة مثل صنعته الاسلوبية والتقنوية انما كانت صنعة لطرائق فنية أراد الروائي مرتضى كزار أن يحيي بها تراكم ويُصعد قامة الرواية الفنية على حساب الواقع السردي الفني الذي لم يكتمل انجازه بما فيه الكفاية ( فأحسست بأني دخلت روايتهم فعلا ، أحسست بأن هناك محرضا حقيقيا آخر غيري يدعو الى كتابة هؤلاء ، وان كلمات الحكاية تسلقت على أطرافي المتعبة كأغصان متوحشة . ) . هكذا هي ( مكنسة الجنة ) رواية محلية مكتظة بحضور المكان لاتستوعب إنهاضاً تخيلياً / اسقاطيا يزج به الروائي في نسيج رواية قصيرة عبر مغامرة متسرعة يخوضها الفنان وسط اشتراطات لايدرك عقباها وبؤرها الضاغطة حيث انسحقت الرواية بين فضائين : فضاء البصرة العراقي والفضاء الأوربي الاسكتلندي والدنماركي الفسيح ..

بين ظهور زيغريد مالينوفسكي وغياب الرسامين
    ( وبعد أن أوضحت الميجر برنامج المهمة نادت على مدين وسلمته تلك الورقة الصادرة من مديرية الأمن السابقة التي أنفذها هو إليها وأمرته بنقل الأسماء وكتابتها بالانكليزية . ) . منذ الخطوة الأولى يبهرنا الروائي برسم شخصية الجنرالة سيغريد مالينوفسكي فهي امرأة ذكية وجميلة يسطع حضورها قويا وبقدرات فنية متمكنة يوصل لنا مرتضى كزار سطوتها في الكتيبة الدنماركية ( هناك خيط سري حقيقي لايدركه إلا الفنان الناجح عندما يجسد لنا تلك الشخصية بحيوية مفعمة بالحضور والجمال المهيمن وسط العمل الفني وهذا التجلي يكمن بقوة الحياة / وعبر لمسات قصيرة يهيمن الفن عبر الرؤيا / اذ يتسيد وجود الجنرالة على كل الشخصيات المحيطة بها فاذا قارنا شخصية سيغريد داخل رواية ( مكنسة الجنة ) بشخصيات مثل حميد طبانة وزكية وملاية فهي تبدو لنا شخصيات هزيلة وتافهة بسبب قصور الفنان نفسه الذي لم يصعد ألقها وقواها الكينونية . ) . إذا نعيد الكلام ونقول : لقد صنع لنا الروائي رواية مكتظة بالشخصيات  الزائفة أمام حضور خاطف لم يعرف كيف يستمر بانجاح توظيفه لهذه المرأة الباهرة التي تركها عبر مشهد قصير أثناء ذهابهم الى مكان المقبرة الجماعية تركها ولم يعد إليها نهائيا وهذا يمثل أقصى عجز يبلغه الروائي قصير النفس .. ان طريقة الروائي الابتكارية لخلق ذلك الثيم وأعني ( ظهور أثنا عشر رساما لجداريات السيد الرئيس وهم يعدمون ويقبرون بطريقة مجهولة تنم عن ابتكار وخلق تخيلي مميز يسلط الضوء على القوى الغاشمة لحقبة سوداء من تاريخ العراق / كنا نتمنا أن يوغل الروائي بالغوص أكثر نحو سرانية ومجهولية لها سطوة الجذب العارم لخيال القاريء وكم كنا نتمنى أن يحرك الروائي مجساته السردية ويمنح الجنرالة سيغريد مالينوفسكي أدوارا أخرى تؤديها في بلادها ( الدنمارك ) التي ذهب اليها مدين حياوي . 

     

Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009