جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


ثمة من يصفهم بالغزاة


محمد عطوان
في القِدم كان السلب غالبا ما يمثل غاية البعثات المسلحة التي سعت من منظور الاكتناز المادي إلى إثراء الذين يقومون بها عن طريق الاستيلاء على ممتلكات الغير. وكان السلب عند العرب من السمات البطولية الثقافية الراسخة واللوازم السلوكية للأفراد المؤهلين
. فمنذ تاريخ العرب القديم كانت العشائر الكبيرةُ تغزو الصغيرةَ، وتغزو القويةُ الضعيفة. وإن الرجال المبجلين هم الذين يُثبَّت في سجلهم التاريخي محاولات ناجحة للغزو.
ولذلك ليس مستغرَبا أن تنتشر عندهم أسماء كـ (غازي) و(غزاي) و(حايف) و(كَاطع) و (عابر)  تُتداول فيما بينهم. وأن جذورا عميقة لهذه القيمة، فلم تكن لتتأتى قيمة الغزو الممارسة اليوم إلا من قيم البداوة في ذلك التاريخ، والتي تحتمل صورا من الصِدام في كل الأحوال مع الطرف المُجابَه، ويفقد الغازي ـ من أجل مقاصده ـ حياته أحيانا.
ومع مرور الوقت، أخذت هذه الممارسات لا تعتمد في غاياتها على المواجهة والتصادم كما كان يجري ذلك في الماضي، وإنما أكتُفي منها باقتناص الغنائم فقط، وهي ليست بالضرورة غنائم حرب (أسلاب حرب)، وتكررت مثل هذه العادة عند العرب مرارا وبالتبادل.
لم يكن المعدان ببعيدين عن تجريب مثل هذه الممارسات، إلا أن مثل هذه الممارسات انقرضت مع مرور الوقت. فقد كان الأجداد هم الذين يغزون، وكان إلى وقت قريب من ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي يمارس المعدان الغزو. يغزو بعض منهم العشائرَ التي تقطن الضفة الثانية من حدود إيران أحيانا (عشائر هور الحويزة) ويسلبون منهم بعض ما يملكون من قطعان الماشية والجاموس، ليعودوا بها مزهوين إلى أهليهم، ليسردوا عليهم ما مر بهم من مواقف مُبالغ فيها أحيانا. 
وحيث أن عشائر المعدان لا تنتهي إلى نسب قبلي واحد، فأن بعضا منها تحدر من البادية ليعيش في الهور. وعلى ذلك بقي (المعيدي ـ البدوي) يتوسم بسمات البادية ويحمل قيمها داخل الهور.1 ولعل الغزو؛ متأت من القيم المترسبة في اللاوعي والمستدعاة من المخيال، ليتجسد في سلوك المعيدي بدوافعه التي تديم صورها اليوم.
لم يكن ليتشكل الغزو كقيمة ثقافية ذات محمولات رمزية لولا أن طائفة من الدوافع جعلت من مسألة تسويغه أمرا ممكنا، وربما كان واحدا من هذه الدوافع المتنوعة؛ العوز الذي يُجبِر الأفراد على اللحاق برفاه غيرهم وهو ميل غرائزي في الطبيعة البشرية. وربما كان البحث عن مفاهيم الجاه والمنزلة والهيبة والسلطان يدفع من لم تكتمل ذاته (الاعتبارية) بعد إلى القيام بذلك، أو لعدوان بين العشائر ما يحرض على السلب والنهب. وأن للغزو بوصفه قيمة ثقافية (بطولية) عُلوا على منزلة الدين وتأثيراتها الحضورية في بيئة الأهوار، مع إدراكنا أن حُكما كهذا لا يقبل التعميم (Generalization)، حتى لو لم تنبنِ موضوعة الدين ـ تربويا ـ عندهم على قواعد فقهية بالمعنى الحرفي.
إن مفهوم الحرابة والسلب مدرَكان ومشخصان من الناحية الدينية، لكن السائد تاريخيا أن حظيت فكرة الغزو ـ ثقافيا ـ بقبول وتأييد جماعي لدعم واستمرار ممارستها عندهم ومنهم عشائر معدان بريهة في العشرين سنة الماضية. ربما تتشابه مثل هذه الأسباب بين ثقافات المجتمعات المتعددة على تغايرها.
لقد كانت اللصوصية وقطع الطرق في عالم البحر الأبيض المتوسط في القرن السادس عشر منتشرة وتشبه غزوات المعدان، وان عددا كبيرا من النبلاء كانوا من اللصوص ـ بحسب براودل ـ حيث لم يكن بمقدور النبلاء في هذا الجزء من العالم وفي هذه الفترة أن يعملوا دون ضياع شرفهم، ويرون تسولهم عار عليهم، لذلك لم يكن أمام النبيل الفقير الضعيف خيار آخر إلا السطو كي لا يموت جوعا.
مارس بعض من عشائر المعدان في السنوات الأخيرة التي ذكرنا أعمال سلب عندما أُجبر بعضهم على العيش بتماس مع المدينة، وبسبب النفور الذي ولَّده العيش على عتباتها، والتململ من تجريب قوانينها المتمايزة، وبسبب اضطرارهم إلى تأكيد ذواتهم كمستوطنين جُدد، ولَّد الحاجة والضرورة إلى السلب، يضاف إلى ذلك الأسباب التي كانت تدفعهم إلى ممارسته في الماضي، أخذا بنظر الاعتبار مراعاة بعض الاختلاف في ذلك مع الإبقاء على جوهر الفكرة.
قد لا تلقى فكرة السلب والنهب وقطع الطرق تأييدا ومباركة عند بعض أفراد العشائر، باعتبار أن العشيرة بنيان جماعي ينطوي على قيم أخرى تتنافى مع هذه الممارسة وهذا معلوم في الأقل، لقد تجلى ذلك من خلال مكاتبات وتعهدات العشائر فيما بينها اليوم وحيث راح يحدد رؤساء عشائر المعدان مواقفهم من قيام بعض من أفرادهم بهذه الأعمال باعتبارها منافية للشرع عندما تتلبس بمعاني السرقة في مقابل الغنائم التي تتأتى من جراء الحروب، لكن ممارسة السلب بنحو فردي أو زمرة معينة له أسبابه السلوكية المتعلقة بطبيعة الثقافة المؤلفة للبنيان النفسي لهؤلاء الأفراد الذين يعيشون سلوكا مزدوجا.
والراجح أنه لم يستوعب من يقوم بمثل هذه الأعمال قوانين المدينة ولم يتكيف مع متطلباتها، وأصبح لديه شيء من ردة الفعل بإزاء سلطة الدولة بعدما كان يسكنه خوف مؤبد منها، وبالتالي كانت ردود أفعاله نوعا من الثوَران ضد قوانينها، والتي لم يستطع التكيف معها.2
ولم ينحصر النفور في علاقة المعيدي بالمدينة؛ ذلك المتسلل إليها والقاطن الجديد فيها فحسب، وإنما لم يتكيف معها ذلك الذي بقي في الهور أيضا، الذي خضع هو الآخر لتعقيدات العيش التي بدأت تنسحب خارج إطار المدينة لتضغط على سلوكه.
لعبت أماكن بعض من أفراد هذه العشائر في البصرة دورا كبيرا في تمكينهم من سلب وخطف الموسرين والمستطرقين، كان بعض من أفراد عشائر الكرامشة والشغانبة والمعارضة يسكنون بمحاذاة الطريق الرئيسة المؤدية إلى بغداد. كان قربهم من هذه الطريق ومن الأهوار التي في ظهرانيهم يسهل عليهم (وهذا ما يُشاع عنهم) نصب الأفخاخ وبناء الأوكار للإيقاع بسالكي الدرب.
إن سلوكا كهذا يضلل الموقف التقليدي من السياسة والوطن معا، ويزيده التباسا. بدأت عمليات السلب في منتصف التسعينيات من القرن الماضي عندما ضغطت الأحوال المادية الداخلية على عيشهم، والتي ترافقت مع تجفيف الأهوار وإبادة الثروة المائية لأسباب سياسية معروفة، ما اقلق نظام معيشتهم، ونتيجة لذلك، أصبحت هذه الأماكن خنادق لقطع الطرق، مفزعة للمسافرين وللجنود الملتحقين إلى وحداتهم العسكرية، ولطلبة الجامعات، وللمشتغلين بأعمال التجارة المرتبطين بعلاقات اقتصادية بالعاصمة. كان السفر البري ليلا من أصعب الأسفار في عقد التسعينيات. وكانت تفلحُ عند المعدان عمليات السلب الليلي أكثر من غيرها. حيث كان يصعب على فرد ما التعرف على ملامح قاطعي الطرق أو على أماكنهم، والملاذات التي كانوا يأوون إليها.
ربما في تلك الفترة التي أقدمت حكومة البعثيين على تجفيف الأهوار في نهاية ثمانينيات القرن الماضي كان المعيدي قد تعرف ـ قبل ذلك ـ ملياً على المدينة وبدأ يدخل في علاقات اقتصادية مع أبنائها، وأدرك طبيعة التعارض بين البيئتين. ولذلك، بقيت متلازمة الحساسية قائمة بينهما، باعتبار إن: «ولادة فرد ضمن ثقافة معينة بشكل عام تضعه على منصة يطل منها بدرجات متفاوتة من عدم الاكتراث أو العداوة على الثقافات الغريبة عنه.
ولذلك يدفع لا وعي المعيدي إلى نسج بعض التصورات البطولية عنه وعن بيئته، وفقاً لدائرة وعي منغلقة على نفسها، يكوِّنها بصورة ذاتية، بحثا عن توازن ما، لتنعكس على سلوكه اليومي. وأن كل ما يؤديه ذلك المعيدي يراه قابلا للتبرير وقابلا للاستيعاب ضمن حدود إدراك الجماعة المكونة ثقافيا له. لقد لاح المعيدي شيء بالغ من الجور والحيف، وبالتالي يصبح عنده من البديهي أن يرتكب أفعالا تصل به إلى حدود القتل أحيانا وليس السلب وحسب.
استمرت ممارسة السلب إلى ما بعد 2003 وبدأ الخطف يتعدى السلب هذه المرة، ليأخذ مستويات متعددة، منها أحيانا؛ تُهم سياسية وابتزاز المال من ذوي المختَطفين، وأحيانا العمل لحساب جهات أخرى منظمة لتصفية حسابات يحركها كبار المالكين والمهيمنين على مشاريع حكومية، الأمر الذي يجعل من الخاطفين وسطاء وسماسرة بين أطراف متناحرة تُخلِّف أضحية في الأخير.3
لاشك لم تعد ممارسة السلب والخطف منحصرة بأفراد من عشائر المعدان، حيث خلقت الفوضى مناخا ملائما لظهور عصابات تحينت الفرص السهلة لكسب المال في ظل غياب واضح لجهاز سلطوي يحتكم لجهة القانون، وربما ينحسر مثل هذا النوع من العصابات إذا ما حصل استتباب نسبي في الأمن. وبالتالي ليس دقيقا الاعتقاد ان المعدان وحدهم من اضطلع بمهمات السلب والخطف، لأن ما يُعرض من أخبار على شبكة الانترنت تتهمهم وحدهم فقط.4
لكن، يمكننا القول إن المليشيات المنتشرة في العراق إبان التغيير في 2003 على اختلاف مرجعيات أفرادها العشائرية، أخذت تتمثل لبعض ممارسات المعدان، وربما يتحقق مثل هذا الاقتران أذا ما عاينّا مرجعياتهم الديموجرافية، فقد كان معظم أفراد المليشيات المسلحة المنتشرة في المناطق المدنية من أصول ريفية، وعلى هذا كانت المواجهة تتصاعد باطراد بين نسقين؛ نسق ما قبل الدولة والنسق الذي يستحضر ما تبقى من قيم الدولة، حتى انتهى الأمر بهم إلى الصدام مع القوة الحكومية في آذار 2008 حيث لوحظ كيف نشأ الاحتراب ابتداء من غزوات النهب التي دفعت الطامعين ممن لا يملكون لمحاربة من يملكون، الذين كانوا عاجزين عن صدهم، لينتهي الأمر بالحكومة إلى مناصرتهم، لإدامة اعتبار الدولة الرمزي، فلجأت إلى الاشتباك الحربي مع هذه الجماعات المسلحة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(Endnotes)
(1 ) مثل عشيرة الكرامشة المتحدرة من قبيلة المطير التي تقطن أراضي نجد.
(2) في مقابلة شخصية معه، يقول الحاج جابر خليفة اليوسف (94 عاما) من عشيرة البوسليمي: “كان أفراد عشيرتنا قبل هذا الحال يوكلون برمتهم أمر تسجيل أسمائهم في دائرة النفوس إلى شخص واحد وهو الشيخ سالم عبد الرضا شيخ عشيرة البوسليمي (إحدى عشائر عرب الأهوار) لإصدار الجنسية أو دفتر الخدمة العسكرية لهم.. كانوا يتجنبون أي شيء يتعلق بالحكومة”. وفي مقابلة أخرى، يقول حرّيجة عليوي (98 عاما) أحد كبار شيوخ عشيرة البوعفرة (إحدى عشائر عرب الأهوار): كان مجرد أن يدخل شرطي حيا من الأحياء يبث الرعب في أهليه ويجعل نهارهم غائما.” 
(3) حتى أجبرت الحكومة الحالية بعضهم على الرحيل من هذه الأماكن في مقر الفيلق الثالث المنحل، ونهران عمر والذين يشكلون في تواجدهم مركزا خطرا للنهب والسلب لسيارات المارة بين طريق بغداد ـ البصرة.
(4) في مقابلة شخصية معه: يُلفت صبيح قاسم الجارح (43 عاما) شيخ عشيرة الكرامشة (فخذ بيت فديعم) الانتباه إلى: «أن السجون اعتقلت العديد من الخاطفين ممن يدَّعون كذِباً انتسابهم إلى الكرامشة، وهم ينفذون عمليات خطف وقتل واستباحة أعراض.. وثبت من خلال التحقيق أنهم ليسوا من الكرامشة... وليس هنالك فرد من أفراد الكرامشة قابع في سجون البصرة اليوم، ونحن نعلم كيف أشاع الإعلام سمعة غير مقبولة عن الكرامشة».



المشاركة السابقة : المشاركة التالية