جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » قضايا


"القوى الجوهرية" صرخة الفن الانفعالية وموسيقى الإيقاع السحري


عبدالكريم الزهيري
إن للفن وظيفة (بايالوجية وسيوسولوجية) في غاية الأهمية لبناء حياة الإنسان، وبشكل تجريبي أكثر دلالة قامت على أساسها قراءة الأسطورة وتفكيكها لغوياً، على موسيقى الإيقاع والكلمية المعبرة، كما جاء في كتاب "الضحك" لبرغسون الذي لم يحتو فقط على المشاهد والرؤى الجمالية.
وحينما نتعمق في ماهية الضحك يصيبنا الذهول عند قراءة مقاطع وتراكيب لغوية ممزوجة بصورة خيالية تثير الدهشة باستطراد الأرواح السابحة في الطبيعة والمنفصلة عن الحياة انفصالا طبيعيا ماكثا في قاع الحس والوعي يعلن عن ذاته بسلوك عفوي، تحت تلك الأحزان، وذلك التماهي السحري الذي بالإمكان ترجمتهما إلى لغة ويحصلون على شيء لاعلاقة له باللغة، على "إيقاعات الناموس الحي" بعزفهم موسيقى غرائبية تغازل تطلعاتنا، ويجبروننا كرهاً على الانسياق تحت تأثيرها مثل "عابرين يشاركون في رقصة على رصيف عار "وبعد ذلك يدفعوننا للتجانس مع تأملاتنا المجهوضة محدداً جمالية صارخة في ارتقاء التصور وصدق الملاحظة على السواء، وهذه تلخص باختصار الثورة الفكرية معبرة عنها في "الثورة الفنية المعاصرة "، كما جاء في كتاب "فلسفة الأشكال الرمزية" "أرنست كاسير" (1874-1945م) موضحاً فيه فلسفة "كانط"في الشكل والارتقاء إلى "فينومينولوحيا للثقافة" باستثمارها العلم الناتج من فيض إشراقات قرن كامل في معاجم اللغة والأسطورة، وهذا الإنجاز العظيم للإنسان عبر تواتر السنين هو "موضعة ذاته" ترجم فيه الأشكال الاستقاطية للمنظومات الجمالية والمفاهيم الأخلاقية والتنظيرية التي وهبها لكيانه، ومازجها برؤى تنويرية متنوعة الأنماط في الأدب والشعر والفنون البديعة، وكذلك طورها في التناغم مع المفاهيم الفلسفية والدينية، وبدأ الفن يأخذ منحى إدراكيا ملموسا للظواهر، ليس عملية نسخ واستنساخ للواقع الملموس ذي القوالب الجاهزة الصنع، بل منحه ثراءَ ورمزية ساحرة، وترفع عن واقع المفهوم المحدود للجمال، ويصف لنا "غوته" رؤيته عن الفن (هومشكل قبل أن يكون جميلاَ بوقت طويل، انه يمنح أشكالا للمشاعر التي لاتكون بغيرها إلا مبهمة وبدائية، فتلك هي الوظيفة البايولوجية الأساسية السامية، فالفن هو تأويل للواقع ليس بالرؤى بل بالحدوس، وليس بالفكر بل بالأشكال الحسية، فإن نجاح كل إبداع تشكيلي وتفوقه يكون الإيقاع عنصره الرئيس، ويفسر لنا "بيوخر" في كتابه (العمل والإيقاع) تفسيرا جميلا ومعبرا، مبينا فيه بأن الإيقاع الذي يظهر في العمل يتميز في ما بعد. إن الإيقاعات والصرخات المنتظمة والأغاني بعد أن تبرز كوسيلة لتنظيم العمل تنظيما هادفا معبرة عن النبض البشري المرهف، إنما تكتب قيمة مكتفية بذاتها، وحينما ينفصل النشاط التشكيلي عن الممارسة المادية يكون الإيقاع نموذجا لهذه الممارسة، ويكون البنية الأساسية لتكوين النواة الخلاقة للبنية الجمالية "الأثر الفني" متكونة من مواد حسية (جسم، حجر، لون، حركة، صوت) وتضاف إليه روحية "تصور تدونه الكلمة" . فالمهارة الأولى عن الإنسان حينما انفصل عن الحالة الحيوانية، تبلورت لديه القابلية العظيمة على التكييف في الإبداع الفني، كالرقص والغناء والفنون التشكيلية ممزوجة بعطاء خصب وبراعة الإيقاع، فالمشهد الإيقاعي بالغ التعقيد متمثلاَ في رقصات الشعوب التراثية القديمة، ومهارات ألعاب الجمباز الصيني المتفرد آنذاك، والضربات الإيقاعية منتهى الروعة في الأنغام والمقامات الشرقية والهندية والبلغارية وبنياتهم الموسيقية التي فاقت بنيات بتهوفن الرباعية، فإن كل ارتقاء يوجد في رحمه انحطاط ماكان من قبل شكلاَ أساسيا، يتراجع إلى موقع آخر، كما في انتقال الإنسان من إيقاع الحركات الجسدية (الجمباز) إلى إيقاع (الآلات البهلوانية) ومن إيقاع الخطوط (النمنمة) إلى إيقاع التصورات والكلمات (الشعر والأدب)، يؤدي هذا الانتقال إلى أنّ الإنسانية تكتسب شكلاَ أكثر رقياَ وتعقيداَ لكي تعبر عن جوهرها الدفين ،وبالمقابل تفقد الرغبة والتفاعل للتعبير عن ذاتها بأشكال أكثر بساطة، يجعل تلك الأشكال "الاحتفاظ بمقام النموذج الذي لايضاهى" . كما أكد "ماركس" عندما تناول الأدب الملحمي الهوميري .. أن الزخرفة موجودة الآن لاكجزء من (الفنون الجميلة) بل بوصفها جزءاً من (الفنون التطبيقية)، فالإيقاع هو قوة الشعر الرئيسية وطاقته الأساسية وغير قابل للتفسير، وكذلك أول ما يدخل ميدان الفعل، لأنه يعطينا إشارة أولية إلى أن شرارة النشاط التشكيلي قد انطلقت ويقودنا لموجة محددة، ونلاحظ ذلك في العملية الفردية من الإدراك الفني، فعندما تتسلل إلى مسامعنا أولى الكلمات لقصيدة "بوشكين" المأثورة ((خبأ ضوء النهار...)) لانحتمل التفكير، لكن المشاعر توهجت ونحن مأخوذون بسحر الإيقاع وجاذبيته المذهلة قبل تشكيل الصورة، في الأثر الشعري لبوشكين وباعتماد الطبقة السفلى من تشكيله، والإيقاع المجرد وبسحر القافية الداخلية.. تغطي الظلام. فإذا كان ممكناَ أن نحفظ قصيدة والاحتفاء بها دون التمعن في مغزاها، فهذا يؤكد لنا أن للإيقاع في الأدب أيضا أهمية مستقلة نسبياَ، وشهدت له عصور الأزمات في الفن عندما ذهبت الإنسانية من جديد، بعدما أبدعت أكثر البنى الجمالية تعقيداَ، تنضوي إلى التمتع بما أطلق عليه "هيجل" (جمال الشكل المجرد) العناصر الأولى من كل فن وهي "الإيقاع الموسيقي" & "إيقاع الكلام" . وحاول "دافينشي" إيقاظ الفنان وتوعيته على التبصر في طريقة صنع المادة لكي يستخرج منها صورة المضمون (الابتكار) وإيقاع المادة المتميز فإن الكلمة تتحول هنا وتبقى لاكمغزى وإنما كشيء ويبقى ميدان التفكير والوعي غير مشارك بعد، لذا لا يكون الأدب والشعر بالمفهوم الدقيق موجودين بعد، بدايته حينما يأخذ الصوت الذي كان مادة سلبية وشكلاَ يصب فيه الإيقاع بالكشف عن مرونته الخاصة وعن قيمته الذاتية، والفضل يعود فيها لفهم الإيقاع بوصفه كفكره، ومن هنا ينبثق ثاني ميادين الوجود الإنساني العظيمة (ميدان التفكير) . والسعي والاجتهاد بالعمل هو نقطة الانطلاق بممارسة النشاط التشكيلي والعثور على منطقة الوعي الإنساني المتجلي، فالفعل يعثر على الكلمة ومن التناقض تولد شجرة الأدب الهائلة، وحينما يصبح الأدب تفكيراَ فنياَ يتم الانتقال التاريخي الكوني من الشعر إلى النثر، إنما يتم على الأخص في زمن التحولات الأدبية العظيمة، فيتجلى التناقض بين الإيقاع والكلمة التي أصبحت (فكرة ناضجة) ،فهو المنطلق بالنسبة لـ(فن الأدب) . وهنا نقف باستغراب أمام أحاديث متناقضة وتتباين فيها الآراء : لقد كتب "شيللر إلى "كيرنر" يقول:((إن موسيقا القصيدة ترفرف أمام النفس أكثر بكثير مما يفعل التصور الواضح للمضمون الذي كثيرا مايكون غامضا بالنسبة لي بالذات)).



المشاركة السابقة : المشاركة التالية