جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


جان بول سارتر والبرت كامو وصراع على حب امرأة


سلوى جراح
ارتبط اسم جان بول سارتر (1905- 1980) الفيلسوف الوجودي والناقد والروائي والمسرحي منذ خمسينيات القرن الماضي بالعديد من الحركات الثقافية حول العالم، بضمنها العالم العربي. فسارتر قدم بدائل فكرية للعديد من القييم السائدة. لكن عظمة فكر سارتر وما اثارته من نقاشات حادة، كانت تكاد تتلاشى أمام امرأة جميلة،
كما يكشف لنا هذا الكتاب الجديد الذي صدر حديثاً للباحث في سيرة سارتر ودي بوفوار، أندي مارتين. فرغم أن سارتر ارتبط منذ مرحلة مبكرة من حياته بزميلة الدراسة التي تصغره بثلاثة أعوام، سيمون دي بوفوار(1908-1986) بل وعرض عليها الزواج في بداية علاقتهما لكنها رفضت مفسرة ذلك فيما بعد من سنين، بأنها "لم تكن تملك ما يكفي مهراً لزواجها"، ورغم أن علاقتهما استمرت حتى وفاته، لم يعيشا معاً تحت سقف واحد، ولم يجعلا العلاقة المشتركة رادعاً عن الدخول في علاقات عاطفية لم تؤثر ابداً في عمق ما يربطهما. كانا يقرأن كل ما يكتبه الآخر ويتشاركان الرأي، فعلاقاتهما كانت تخرج عن نطاق الارتباط بين شخصين. لكن سارتر الفيلسوف الوجودي والمسرحي وصاحب النظريات الفكرية التي غيرت العديد من المفاهيم والقيم، لم يكن رجلاً وسيماً، بنظارته السميكة ووجهه غير المتناسق، وقصر قامته المفرط، فقد كان طوله لا يتجاوز المتر ونصف المتر، ومع ذلك كان رجلاً لعوباً، رغم ارتباط اسمه بسيمون دي بوفوار. أما دي بوفوار، فقد عرفت بعلاقاتها المثلية حتى مع طالباتها في مدرسة "روين" التي درست فيها في ثلاثينيات القرن الماضي، وقد قدمت لسارتر إحداهن وهي أولجا كوساكيوسك. لكن أولجا رفضته، رغم كل ملاحقته، واكتفت بالعمل معه في مسرحياته، ومع ذلك ظل ينفق عليها من ماله الخاص حتى تزوجت جاك لورين بوست أحد عشاق سيمون دي بوفوار السابقين. رواية سيمون دي بوفوار الأولى "جاءت لتبقى" التي ننشرت عام 1934 شكل من اليوميات الأدبية للعلاقة التي جمعت بين بوفوار وسارتر وأولجا. لكن اولجا ظلت تتهرب من سارتر ولم تتحول إلى عشيقة حقيقية. شقيقة أولجا الصغيرة، واندا، هي التي قلبت الموازين حين جاءت إلى باريس. كان ذلك عام 1937، وكانت واندا، فتاة جميلة تريد أن تشق طريقها كممثلة مسرحية، وكان سارتر يحارب عوامل كثيرة تبعد المرأة الجميلة عنه: شكله الذي كان يقول إنه مستوحى من نابليون بونابارت والصلع الذي بدأ يحرث رأسه، ورائحة غليونه الذي لا يكاد يفارقه والكسل في إحدى عينيه وعدم اعتنائه بهندامه. لكن واندا استهوته، وايقظت الدون جوان فيه فراح يلاحقها. كان يقول لها إنه لن يعرف غيرها من النساء وإنه مستعد للتخلي حتى عن سيمون دي بوفوار من أجلها، ثم يعود ليكتب رسائل لبوفوار يقول فيها إنه "يتظاهر" بالحب لواندا. وحين مرضت واندا كان يسهر عليها بل عرض عليها الزواج. للتخفيف من آلامها. لكن واندا ظلت تهرب منه وترفضه وحين تمكن بعد جهد جهيد من تقبيلها هرعت إلى الحمام وتقيأت. مع ذلك ظل يلاحقها رغم أنه كان يقول عنها إن عقلها بحجم عقل الذبابة بل وواجهها برأيه فيها، لم تعر ذلك اهتماماً وكانت ترد بأنها ممثلة وليست فيلسوفة. بعد سنتين من الملاحقة استسلمت له لم تتقيأ هذه المرة ولم تهرب منه فقد كان في سارتر ما يستحق أن تعود له. كان بالنسبة لها أشبه بدورة تعليمية سريعة في احدى الجامعات الشهيرة. ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. دخل الصورة وجه جديد. صديق، عدو، منافس. رجل وسيم، طويل القامة، تتهافت الصحف على نشر صوره، ولا ترفض له الحسان طلباً. رجل يرتدي معطف المطر وقد رفع ياقته على طريقة ممثل هوليود الشهير همفري بوغارت. رجل محسوب على الفلسفة الوجودية لكنه يهوى الفكر "الفوضوي". الفكر الذي الذي يعتبر الدولة غير مرغوب فيها وغير ضرورية بل ومضرة بالمجتمع، ويكتب في صحفه الباريسية. روائي من أسرة فقيرة ولد في الجزائر عام 1913 تأثر بسارتر ثم خاض الحروب الفلسفية والسياسية معه، ومات وهو في السابعة والأربعين في حادث سيارة. البير كامو الذي تعودنا أن نلفظ اسمه كامو، لكن الفرنسيين ينطقونه "كامي". واسمحوا لي أن أحذو حذوهم. في عام 1934 ، كانت باريس تحت الاحتلال الالماني، وكان سارتر قد أعطى واندا دوراً صغيراً في مسرحيته " الذباب" واحسنت أداء دورها فرشحها لدور في مسرحيته الشهيرة "لا خروج" التي تدور أحداثها في الجحيم وابطالها ثلاثة، رجل وامرأتان تتنازعهم اهواؤهم بين الحياة والموت. واستعان سارتر بكامي كمخرج للمسرحية بعد أن حدثه كامي عن تجربته في الاخراج المسرحي في الجزائر. وجمع العمل تحت سمع وبصر سارتر بين كامي وواندا. كامي الوسيم اللعوب صاحب العينين الخضراوين الثاقبتين. وهكذا وقعت واندا في حب المخرج الوسيم البير كامي، ولم يمارس عليها كامي ضغوطه الثقافية بل كانت علاقة حسية محض. ووجد سارتر نفسه عاجزاً عن وضع حد لما يجري فاستسلم للامر الواقع، رغم أنه تساءل مراراً هل كان كامي يعرف أن واندا عشيقته؟ الم تخبره هي بذلك؟ أم تراها وجدت الامر ممتعاً، أن تكون عشيقة اثنين من أشهر فلاسفة عصرها. كامي دائماً "الغريب" كما في روايته الشهيرة كان قادماً جديداً في حلقة الكتاب والنقاد الذين يدورون حول سارتر، ومع ذلك استطاع أن يكون له بريقه المتفرد حتى أمام وهج "المعلم". وحين رقص مع واندا لأول مرة أمام سارتر أحس أنه يمحو أكثر مقالات سارتر الفلسفية تعقيداً. بعد ذلك ترك كامي واندا لممثلة اخرى أثاره جمالها، وعادت واندا لسارتر. لكن العلاقة بين البير كامي وجان بول سارتر لم تلتئم أوصالها أبداً. كان بينهما خلاف فكري عميق تصاعد في الخمسينيات حتى بلغ حد القطيعة. ولا شك أن واندا لعبت دوراً مهماً في هذا الخلاف. بل لقد كتب سارتر لبوفوار رسالة يتساءل فيها عما أحبته واندا في كامي. أما البير كامي فكتب يقول ولعل المعنى في قلب الشاعر:" من الضروري أن نحب فقد يمنحنا الحب فرصة لتبرير كل اليأس الذي سنشعر به".



المشاركة السابقة : المشاركة التالية