جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » اعمدة


الشللية الثقافية


علي حسين عبيد
تنمو في حركتنا الثقافية ظواهر غريبة لا تتسق مع الروح المرهفة والحساسة للمثقف والثقافة في آن، منها ظاهرة التجمعات الصغيرة، أو (الشُلل) التي تنطوي على بعضها لتشكل مجموعة لها مصالحها التي تدافع عنها، وتعمل هذه التكتلات من اجل تحصيل المنافع المختلفة لاعضائها، أو الذين ينتمون لها،
بطبيعة الحال هناك مجموعات أخرى مختلفة غالبا ما يكون همها ابداعياً بحتاً، وهذه تغني الثقافة ولا تقف بالضد من تطورها، وهي ليست جديدة على الحركة الثقافية العراقية، اذ غالبا ما كانت تظهر بيانات شعرية وسردية وحتى نقدية او فنية تعلنها مجموعة من الادباء والكتاب والمثقفين أو الفنانين، ترمي التأسيس لحركة او اتجاه ادبي او فني جديد، وهذا يرفد الثقافة ويزيد من طابعها الحيوي. ولكن كلامنا هنا يتعلق بانعكاسات المحاصصة السياسية على الثقافة، وظهور المجموعات الثقافية التي تتأثر بالطابع السياسي وصراعات الكتل والاحزاب والشخصيات والمؤسسات التابعة لها، فتظهر الساحة الثقافية وكأنها فضاء للصراع الثقافي وافرازات السياسة، بدلا من إعطاء النموذج الأمثل للآخرين في العلاقات الانسانية والابداعية المتنوعة. إن الثقافة هي الصورة النقية المصغَّرة للمجتمع، والمثقف هو الخلية الاصغر والأنقى التي تتكون منها الثقافة وتوابعها، وفي حال أصيب المثقف بداء ثقافي سلوكي أو فكري ما، فإن الامر سينعكس على الثقافة حتما، وحين تتضخم حالة الداء لتشمل مجموعة مثقفين، ثم مجاميع متعددة تلهث كلها صوب تحقيق منافع (مادية في الغالب)، فإن صورة الثقافة وجوهرها أيضا يبدوان غاية في التشوّه، وبدلا من أن يقدم المثقف نفسه كنموذج داعم للمجتمع، وبدلا من أن تقدم الثقافة ما يُنتظّر منها من دور يهدف لارتقاء المجتمع، يحدث العكس تماما، فتجد المثقف عضو (مافيوي) ينتمي الى مجموعة معينة يلتقي اعضاؤها على اهداف غير معلنة، لكنها في الغالب تبغي المنفعة المادية، وهكذا الامر بالنسبة للشلل أو المجاميع الثقافية الاخرى، التي لم يكن هدفها ابداعيا قط، إنما هدف ينحو لتحصيل المنافع بشتى الطرق والوسائل، وهذا ما يقود الى حالات من الصراع مختلفة، وبهذا يتحول المثقف من عقل متنور يضيء درب الآخرين بوعيه وثقافته وسلوكه المتحضّر، الى شخص عادي لايحمل من الوعي ما يكفي لكي يكون النموذج الافضل للناس، واذا تكررت نسخة هذا النوع من المثقفين، وتكاثرت مجموعات المثقفين المصلحية، فإن الثقافة برمتها تتحول الى ساحة للتنافس المادي غير الشريف، وبدلا من أن تعطي النموذج الأصلح للطبقات الاخرى في المجتمع، كالطبقة السياسية مثلا، تصبح بؤرة حاضنة للامراض التي يصدرها السياسيون لها. وهنا تنعكس الحالة تماما، وهو أمر يمكن أن نلاحظه الآن في ثقافتنا، فهناك من يتحدث عن تكتلات متضاربة للمثقفين، وبعضهم من يرى صورة واضحة للمحاصصة السياسية تنمو بين المثقفين أنفسهم، الامر الذي أسهم في ظهور الشللية، كمظهر من مظاهر ثقافتنا الراهنة، وقد يُطرح تساؤل مفاده وما الضير في أن ينتمي المثقف الى هذا الحزب أو ذاك؟ وهو أمر مقبول تماما، بل لابد للمثقف أن يحدد مسارا فكريا سياسيا يؤمن به ويعمل على نشره وترسيخه، لكن كل هذا يجب أن يتم في اطار بعيد عن الطابع الشللي للثقافة، وحينما ينتمي المثقفون الى احزاب مختلفة هذا لا يعني انتقال تجاذبات الاحزاب الى الثقافة نفسها، وهو ما يحدث الآن في ثقافتنا، هذا الواقع البائن لا احد يستطيع أن يلغي حضوره، أو ينفي حدوثه، وقد يبدو إلغاؤه غير ممكن، ولكن الممكن هو استمرار التنافس في اطار ثقافي نزيه وشفاف، يحسّن الصورة للسياسيين ولا يصبح انعكاسا لصراعاتهم، او صورة مستنسخة عنهم. بهذا تكون الثقافة والمثقف متبوعا وليس تابعا من لدن الآخرين، السياسيين أو غيرهم، هذا الامر يتطلب وعيا جماعيا للمثقفين بغض النظر عن طبيعة انتمائهم السياسي، لكي تبقى الثقافة العراقية صمام امان يسهم بدرء مخاطر الفتن ومظاهر اللااستقرار التي قد تظهر هنا او هناك في هذه المرحلة المهمة والحساسة من تاريخ العراق.  



المشاركة السابقة : المشاركة التالية