جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » ثقافات


الـغـائـب البرتو مانغويل يكتب بحث في الحب ، الحقيقة ، الخلاص


ترجمة : عباس المفرجي
رأيت توماس ايلوي مارتينيث آخر مرّة في سنة 2009 ، في بوينس آيرس ، بشهور قليلة قبل وفاته في السنة التالية . قال لي إنه يفكر بكتابة رواية عن الدكتاتورية الأرجنتينية ، التي استنزفت البلاد من 1976 حتى 1982 ، لكنه أراد أن يفعل هذا من دون أوصاف للأعمال الوحشية ، من دون مشاهد للاغتصاب والتعذيب ــ بالأحرى ، إعادة خلق الشعور
بـ (( التنفس في هواء ملوّث )) للزمن . (( بعيشنا في التاريخ ، )) قال ، (( نحن نفقد الوضوح . لممثلي التاريخ ، الوضوح هو ما كان على الدوام غائبا . أتمنى أن يكون بمقدوري كتابة ذلك . )) في " المَطْهَر " ، المترجَمة على نحو باهر من قبل فرانك واين ، تحققت أمنيته الأخيرة .
مثل اولئك الذين عانوا خلال حقبة مثل هذه ، أعرف أن حالة الغياب هي شديدة بوجه خاص في عصور الدكتاتورية . الصمت القسري والإيماءات المحرّمة ، تفشّي الخوف والرقابة على الذات ، التهديد بالنفي والموت ، كانت ملامح الحياة اليومية في ظل النظام العسكري في الأرجنتين ، بلدا كان تقريبا ديمقراطيا اعتبر نفسه في مأمن من الرعب التوتاليتاري للقرن العشرين ، فأصبح برهانا على أن ما من مجتمع مستثنى منه . غياب الحقيقة ، غياب الحرية ، غياب الكرامة : أضحى البلد مسكونا بأشباح الغياب .
خصوصا شبح الحالة التي صارت تُعرَف بـ ’’ الإختفاء ‘‘ . كان الناس يختفون ولا أحد يعرف إن كانوا لا يزالون أحياء ، سواء اعتقلوا وعُذِبوا أو قُتِلوا ، إن كانوا تدبروا أمر الهروب ويعيشون الآن حياتهم في الخفاء في مكان ما خارج الحدود . إميليا دوبي ، بطلة " المطهر " ، تعتقد أن زوجها ، سيمون كاردوسو ، الذي آخر ما سُمِع عنه أنه كان يتابع خريطة على درب ريفي في البرية الأرجنتينية ، هو واحد من المختفين . أعلن شهود أن سيمون كاردوسو كان تمّ القبض عليه من السلطات العسكرية ، وعُذب وقُتل ، لكن إميليا ترفض تصديق ذلك . لثلاثين عاما ، وضد كل العقبات التي وضعها والدها ، المناصر للعسكر والشريك في الأعمال الوحشية ، تبحث إميليا عن سيمون في الأرجنتين ، البرازيل ، فنزويلا والولايات المتحدة ، مقتفية أثرا بعد أثر وهمي . ثم ذات يوم ، في مطعم في نيوجرسي ، عثرت عليه . هل سيمون حقيقي ، أم هو شبح استحضره رفض إميليا لموته ؟
من يوليسيس الى مارتن غورّ ، قصة العودة المؤجلة تشهد على الأمنية العقيمة بأن قصصنا سوف لن تنتهي كلها على نحومأساوي . بالأمل بأن إختفاء ما هو فقط غياب طويل ، فإننا نواصل توقع المعجزات ، الأقل استحالة في أذهاننا المرتعبة من الحقيقة المطلقة لموت مجهول . بالنسبة لإميليا ، سيمون حي ، أو بالأحرى ، (( على هامش الحياة مراقبا كيف تتحول الأشياء ، تختفي ، وتولد )) . منذ اللحظة التي تسمع فيها ( من عمة لها ) أن سيمون شوهد في الريو ، مصادفة ، بعد ثلاثين عاما ، تتسلق إميليا (( الشرفات السبع لمطهرها في الحب )) ، كما يصوغها الراوي ، بطريقة ما ، على نحو عاطفي . الإشارة ، بالطبع ، هي الى دانتي ( كل قسم من أقسام الرواية الخمسة تحمل عبارة مقتبسة من " الكوميديا الإلهية " ) ، الشاهد على ظلم عصره ، المؤمن بالخلاص عبْر الحب ، سيد اللقاءات غير المتوقعة مع الأشباح ، والموحي بالأمل العظيم للأدب .
تُروى القصة من خلال شخصية المؤلف ، وهو نفسه منفي من الدكتاتورية . مارتينيث يلتقي إميليا في نيوجرسي ، يبدآن بالتعارف ، يستمع الى الوقائع كما ترويها هي ، ويعيد روايتها للقارئ . في نظام مبني على أكاذيب وخداع ، وتحت الظل الطويل من آثار كارثته ، لا يمكن لأي قصة أن تكون موثوقة بالكامل ، ولا اعتراف له ثقل البرهان المطلق ، لا شيء مؤكد باستثناء الأعمال الوحشية نفسها ، وحتى تلك التي تكتسب ميزة اللامُتخيَل ، من ذلك الذي يبدو كامنا خلف ماهو إنساني لكنه ، على نحو لا يُطاق ، إنساني أكثر مما ينبغي . من خلال بحث إميليا ، يردد الراوي صدى الأسئلة النامية لبلد بأكمله : كيف كان هذا ممكنا ؟ كيف يقيّض لنا العيش اليوم بينما كل هذا حدث بالأمس ، في حضورنا ؟ كيف نستطيع أن نحوّل الاختفاء الى ظهور ، الى واقع حقيقي ، الى إدراك بتاريخنا المخزي ؟ كيف يمكننا أن نقرر أشباح الأحياء من أشباح الموتى ؟
تقرير سياسي رائع ، أنجزه مارتينيث في رواياته التي تمزج بين الواقعة الصحفية الدقيقة وأدوات الرواية . قال إنه تعلم الحرفة عندما إستدعاه الدكتاتور المبعد خوان بيرون ، في نهاية الستينيات ، الى عزبته الاسبانية ليساعده في كتابة مذكراته ، التي كانت ، كما أدرك الصحفي الشاب سريعا ، من محض الخيال في جزء كبير منها . نتيجة تجربته هذه ، التي تم نشرها في منتصف الثمانينات ، كانت كتاب " رواية بيرون " . تبعتها بعد عقد من السنين تحفته " سانتا إيفيتا " ، التي قال عنها غارسيا ماركيز ، الشحيح في الغالب في المديح ، (( إنها الرواية التي كنت دائما أود قراءتها )) . رواية " المطهر " ، المنشورة بعد وفاة مؤلفها ، تتكشف عن كاتب في قمة حرفته ، وهي خاتمة ملائمة لعمل واحد من أكثر روائيي امريكا اللاتينية تميّزا .

عن صحيفة الغارديان



المشاركة السابقة : المشاركة التالية