جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


العطالة السردية المؤقتة في الرواية العراقية


خضير فليح الزيدي :إن مصطلح الكتابة الداخلية ، سوف ينطبق على الروائي الذي يظهر عيوب المشروع السردي العراقي المعاصر وهو يشتغل في الحقل السردي كمشروع جدي .. الكاتب الذي يشخص أمراض مزمنة في الرواية العراقية  هو يصيب او يخطئ لكنها  تبقى وظيفة اشتغال يومية قد تؤدي الى خريطة طريق منتجة، وربما فشل المشروع برمته ..
  نعم لقد تطورت الرواية العراقية  من الناحية الفنية والأسلوبية وما زالت في طور التجريب المستمر.. تخلصت من الإنشاءات والتدوير اللغوي الفارغ والأفكار الهائمة ، لكنها  بالمقابل بقيت على عتبة التغيير والتجريب دون ثبات الشكل الفني لرواية عراقية ذات دلائل واضحة.. قد تختلف قراءة الروائي لأمثاله من الروائيين عن قراءة القارئ الاعتيادي، الروائي هو القارئ الناقد .. لقد قرأ نجيب محفوظ مائة رواية من الأدب الكلاسيكي لكي يبدأ بكتابة ثلاثيته الشهيرة، ولعل غائب طعمة فرمان الروائي العراقي  قرأ مثل هذا العدد من الروايات الواقعية قبل أن يكتب (النخلة والجيران) ،
وماذا قرأ ماركيز لكي يكتب (مئة عام من العزلة)؟ يقول انه قرأ فوكنر، والأدب الكلاسيكي الغربي في معظمه..هنا نخلص الى مقولة التساؤلات والتشكيك في انه لم تحظ الرواية العراقية كما حظي الشعر العراقي في نهضته او كبوته في المكانة المرموقة في ترتيب الرواية العربية .. رغم ما يحدث اليوم من مشروع سردي نهوضي واسع المساحة  كمحاولة للحاق في المشروع العربي الذي ارسى ملامح واضحة لرواية عربية.. وذلك أسبابه كثيرة لا مجال لذكرها ..
وقد كنت متلهفا لكتابة عمل سردي يحمل الروح العراقية الخالصة ، وذلك لتنوع الصياغات الدرامية المؤهلة لهكذا مشاريع .. نحن شهود لاحداث متنوعة ، لا بل كنا أبطالا لأحداث جسيمة أخرى. بل أصبح من البديهي القول  إن الرواية في العالم تختزن بجرأة أحداث التاريخ المهملة والتي تركها كتاب التاريخ وهم يعتقدون بعدم جدوى  تدوينها في سجلات التاريخ الرسمية التي تهتم في تاريخ الانقلابات السياسية وأخبار القصور والحركات الجماهيرية الكبرى  .. وتركت ما يدور في الخفاء من محركات ودينامية خفية لمصائر أرواح تتحرك خلف الستار ..
لم تكن مغالاة إذا ما قلت إن الرواية العراقية المعاصرة تفتقد الى خارطة الطريق في صفحاتها الأولى المؤدية الى المعطى الفكري وخيوط المتعة اللازمة ، بل أن بوصلة الدلالة تشير بعكس اتجاه الكتابة  .. وهذا أول أمراض السرد العراقي المعاصر .. عندما يُسحر الروائي العراقي في تراتبية البنية الفنية في نمط الشكل الفني وينسى أطراف المعادلة السردية الأخرى ، وتلك معضلة كبيرة في آليات السرد العراقي .. والحديث هنا عن واقع الرواية ما بعد التغيير..
إن أهم خريطة لدلالة السرد العراقي هي تقويم اعوجاجه وتسليط الضوء على مفارق طرقه المتشعبة  هذا يأتي من المتابعة النقدية الجادة في خاصية النقد الإجرائي او الانطباعي او
الحد اثوي او أية مدرسة نقدية أخرى .. وتلك مهمة أتمنى لأكاديميي الجامعات العراقية الاضطلاع بها في الوقت الحاضر .. الكاتب العراقي يكتب ولا يعرف الى أين هو ذاهب دون مسارات تصحيحية تقويمية نقدية .. فالمهمة السردية تستند الى ثنائية تراتبية هي  النص / القارئ ..
إن واحدة من أمراض عصر الرواية العراقية لدى الكاتب هي الوهم السردي .. فهو يكتب لنفسه أولا ، ثم انه يحاول إبراز ثقافته ومرجعياته من خلال السرد ..  وتلك آفة تستفحل في البلدان التي تختصم مع المدنية والتحضر ..على الكاتب أن يضع في حساباته قبل مغامرته السردية الأولى السؤال التالي .. هل إني اكتب لكي أُقُرأ أم اكتب لأثير إعجاب النخب وإبراز العضلات الثقافية ؟ هذا السؤال هو الذي يضع خصوصية محلية مطلوبة لدى الشروع في المغامرة السردية .. اعتقد إن المحلية السردية واحدة من مفاتيح نجاح المشغل السردي المتخصص ..
كذلك إن السارد العراقي ينسى خريطة السرد وينفرط العقد الجامع في الصفحات الأولى عندما تتشابه كل الأصوات بل إن كل الشخوص يتحدثون بلغة واحدة ..إي إن ابن الريف وابن المدينة  تراه يتكلم نيابة عنهم بصوت المؤلف الداخلي .. فهو طغيان غير محسوس لدى معظم كتاب الحقبة الجديدة .. يستلب حق الشخصية في اللعب والتمطي للإفصاح عن المكنونات السايكولجية لدواخل الشخصية ، تتعرض الشخصية الى القمع والاستلاب ومصادرة الصوت والاستحواذ القسري من الصوت الطاغي للمؤلف داخل مساحة السرد المحدودة ..
  كذلك يعتمد المشروع السردي على دقة التحضيرات وبنك المعلومات  والوثائق والتي يستغرق جمعها نصف المدة الفعلية للبدء بكتابة المسودة الأولى. إن انجاز رواية يتطلب ثلاث مراحل: التحضير والتدوين والتنقيح، واجد إن المرحلة الأخيرة تعادل المرحلة الأولى زمنا وأهمية.. مثلما يذكر الروائي والقاص محمد خضير في مقالته في موقع الحافة الالكتروني. وقد تشمل مرحلة التنقيح إعادة كتابة المسودة مرات. إن أكثر الأنماط الروائية احتياجا الى مثل هذا الإعداد الزمني الطويل هي الروايات السياسية والتاريخية والسيرية. التي تجري مجرى الخيال وتحتاج الى الوثيقة المدعمة للمتخيل السردي. احتاج ماركيز الى آلاف الوثائق والى فريق من المساعدين للبدء بكتابة روايته (الجنرال في متاهته) عن حياة سيمون بوليفار. وقضى علي بدر ثلاث سنوات لجمع المادة الوثائقية عن روايته مصابيح اور شليم.لروايته عن ادوارد سعيد ويعتمد أمين معلوف على خزين كبير من المعلومات مبرمج في حاسبه الشخصي. ويؤرشف نجيب محفوظ حياة شخصياته قبل إطلاقها في رواياته. وكان صنع الله إبراهيم قد كتب (تلك الرائحة) من يوميات متراكمة.
لقد علمني السرد العراقي المتواضع مغامرة الكتابة العكسية، فمعظم كتاب الجيل ينتظمون في طابور واحد يبحثون عن إثارة الغبار حول مشاريعهم الكبرى إن الخلل باعتقادي هو في النظر الى زاوية التقاط الحدث ،  البعض ينظر الى الحدث نظرة الكلي الى الجزء وليس الجزء المكون لوحدة الكل الطاغية ..غير إن كتاب العالم المتطور في الحقول السردية يصيب اهتمامهم ما ليس يثير اهتمامنا ، وتلك أيضا من امراض تخلف المشروع الروائي العراقي .. إذ بدأت أكتب بعكس ما يريده السرد العراقي ، فقد بحثت على نقيض التوجهات العامة بل أدرت ظهري لكل ترسبات وادران الثقافة العراقية .. ربما تصح المقولة إن العقل العربي مصاب بعاهة مستديمة في الاجترار دون الإنتاج .. وتلك ربما واحدة من مظاهر تخلف الفكر العربي النقدي المعاصر في عالم تتزاحم فيه المعلومة في كل ثانية من الوقت ..
إن ما يعزز البطالة السردية أيضا الترفع .. معضلة كبرى في وهم المشروع العراقي الجديد .. كنت أفكر دائما في التخلص من الإصابة بوهم الترفع والعظمة تلك التي تغلف الكاتب العراقي .. إن  أول شيء يفكر فيه الكاتب للتخلص من أوهام العظمة هو السؤال الكبير: هل أنا أكتب لكي يقرؤوني أم أكتب لكي أبرز عضلاتي الثقافية للنخب الإبداعية الثقافية والأكاديمية لكوني شقيقهم في الأوهام  والإصابة بفايروس العطالة السردية .. ذلك هو سر العزوف الجماهيري على متابعة المشهد السردي ..  لان ما يكتب بعيد جدا عن التوجهات العامة للجمهور .. لماذا يقبل الشبان والشابات وطلبة الجامعة على الشعر الشعبي  ولم يفكر احدهم في البحث عن رواية عراقية جديدة ؟ السبب بسيط جدا لان هذه الرواية تشتغل في منطقة البطالة السردية غير الفاعلة .. لغة وأسلوبا وأفكارا  وبنية فنية ..  كذلك يبقى الكاتب في بوتقة الوهم معتقدا إن التاريخ سيكفل عودة الجمهور لقراءة  ثانية بعد مرور الزمن الحالي..الوهم لدى الكاتب بأنه ستعاد قراءته في زمن غير هذا الزمن ذلك هو الوهم الذي ولّد الانفصال بين الكتاب والقارئ .. فالمواضيع ليست مشتركة في الهم وكذلك اللغة مصابة بالعوق وآليات السرد كاللعب والتشويق والخفة والتهكم بعيدة كتطبيقات في الرواية المحلية ..
إن أول انحراف عن الطريق السردي العفوي هو: اللغة، عندما ابدأ بقراءة رواية عراقية جديدة  أدرك إن لغتها متعفنة .. لم تعثر الرواية العراقية المعاصرة  على لغة عراقية تميزها عن الرواية المصرية واللبنانية والتونسية مثلا .. إذا لم يعثر الكاتب العراقي على لغة يومية قريبة من نبض الشارع الملتهب سوف لا يمكن أن يصبح كاتبا جماهيريا  .. اللغة العراقية: انتشال المفردات .. طريقة النحت الحديثة .. الاختزال والتكثيف في عمق اللحظة الحدثية .. طريقة ولادة المصطلحات المحلية ..تحرر طرق المحاورة من جلباب لغة العالم المتحضر ..  هي طريقة الروي ..طريقة الأداء .. إيقاع الكتابة وفق  إيقاع المدينة العراقية، وكما هو معروف إن المدينة هي أم السرد فلا يوجد سرد قروي أو صحراوي. الرواية ابنة شرعية للمدينة .. هي نتاج المجتمع الصناعي ..
الرواية العراقية لا تهتم في وحدة الزمن الكبرى .. لذلك تهيمن الاستطرادات والمنولوجات الداخلية على وحدة البناء الفني المنفلت .. ناهيك عن البحث عن الثوب الفني المستورد والذي يحاول الكاتب العراقي إلباسه بالقوة لسرديته ..  فالقارئ لم يعرف بعد لا الشخصية التي تروي ولا الزمان الذي هو فيه ولا مكان الحدث وإذ تبدأ الاستطرادات في التوغل في أمكنة غير مكتشفة لدى القارئ .. مما يطيح القارئ بسلطة الكتاب ويقذفه أرضا دون رجعة اليه ، لان الكاتب لم يشترك مع القارئ في المحاورة الفكرية لم يورط القارئ في اتخاذ القرار . في أن يكره او يحب ... ذلك هو سر الكتابة الجديدة في زمن صعب فيه خصوم متسلحون ولديهم قدرة إغواء فائقة في التكنولجيا الحديثة كالتلفاز والسينما وزمن الصورة المرعب  ، كيف تنازل منافسون عمالقة مثل التلفزيون وأفلام السينما للكاتب العراقي كما يحصل في العالم الذي فيه كتاب عمالقة . الكاتب يقضي الأيام والليالي وهو يفكر بوسيلة تنصيب الفخاخ للقارئ حتى لا يتركه بمنتصف الكتاب والطريق وحيدا. وهنا تختلف الحيل والفخاخ باشكال وأنواع الكتابة فيقولون إن أسلوب(ماركير)كان كذا وكذا، وان أسلوب (كونديرا) فيه كذا وكذا، وأسلوب(اورهان باموك يحتوي على كذا وكذا. ولو تذكرنا الأسطر الأولى من الروايات العظيمة وكيف استطاع كتابها جذب القارئ وتوريطه بالحدث مع الشخصيات المتورطة بمحنة الحياة. ، جميع الكتاب في العالم عندهم مشاكل في الكتابة، ولكن الكاتب المبدع من يعرف مشكلته وطبيعتها وكيف يمكن تخطيها أو إيجاد طرق لا يعرفها أحد إلا هو لتحاشي الوقوع بها. ومتى صار الكاتب مشهورا ونجما يتلقف الناس كل ما يصدر عنه، هنا يسترخي ولا يجهد نفسه عناء صناعة الفخاخ للقارئ، بل سيكتب باسترخاء تام والقارئ يركض وراءه لأنه عرفه واكتشف ما عنده، بل صار صديقه لا يستطيع فراق كتبه.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية