جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » تقييم


فتنة الألم ... من أنخيدوانا إلى أمل الجبوري


فتنة الالم ... هل هي حقا فتنة ؟ ام انها لعنة ازلية تتوطن قلوب الشعراء المبتلين بالهم والحزن والالم ؟ ماهي ماهية هذا الالم ؟ اسئلة تثار حول هذا الالم وفتنته المقدسة وهل يمكن عدها البوصلة التي يسير بموجبها الشاعر في هذا الكون الرحيب
... لقد امتازت تجربة الشاعرة ( امل الجبوري ) خاصة في ديوانها ( لك هذا الجسد .... لاخوف عليّ) بالكثير من هذه الافتتانات المنقوعة بالالم والتي ارقتها كثيراً وهي تتلمس بعضا منها عبر قصائدها المعبرة والمعطرة  بالامنيات  ، والتي حاولت ايضا ان تجعلها مصدرا لكسر موجبات هذا الالم ، الذي يأتي تارة حزينا محترقا ، وتارة يأتي محملا بالامل والسعادة في ثنائية غريبة تتواشج فيها نعومة الورد مع حدة وخشونة الاشواك التي  تحيطها وبذلك تصبح قصائدها محملة بالايحاء والدلالة ، يشي  بذلك الالم الممض الذي يعتصر قلبها ويجعلها تنطق باشعار لاتبتعد عن ايقاع السيرة المؤثثة بصور التنافذ الشعري ذا القول الباذخ ، وهي البداية التي تؤشر هذه الفتنة بشكلها الاول ، الذي يؤكد من خلال النواح الطويل الذي يمكن عده بداية المأساة :
[ ياكاهن الشعر ، (1)
هي انخيدوانا التي ضللوها
يشد ثوبها الى المديح
وحروب ابيها العقيمة
لكن جسدها ظل يستدير بتعاليمك البهية
صححت في كتبك مسار الاقمار والرقم التائهة
واهتديت الى النجمة المناحة
هاهو تاجي يطلع من مملكة منهوبة
في سباق المتاحف ] .
وعبر قصائد الديوان نتلمس مقدار الاسى والالم الذي ظل يطارد الشاعرة ويجعلها اسيرة ، لاشيء يحميها من الاسى والخيبة والمرارة ، من كونها امرأة تعيش في هذا الشرق الدامي الذي لم يجلب لها سوى العار والفجيعة ، بعد ان جعل منها ومن غيرها شهرزادات مذبوحة وبدون ادنى سبب ، ان هذه الفجيعة التي جسدتها في نفسها ، تؤشر مقدار الاحباط الذي عاشته الشاعرة بصورة عامة ، خاصة في الشرق الذي ينظر اليها مجرد قناع وزينة من زينات الحياة الاكثر وهنا وقتامة ، وهو ماجعل الشاعرة تصرخ بتلك الغربة التي جعلتها تبصر تلك الفتنة القاتلة؟

[ انا الغريبة في دارك (2)
وسيدة العويل في داري
ماذا فعلت بي ايها الشرق
احببتك فجلبت لي العار
ومسختني قطيعا من شهرزادات عمياء
اسرفت كثيرا في الرقص على جسدي ]
وتصرخ الشاعرة تطالب الاصدقاء ان يمدوا لها يد المساعدة لتخليصها من هذا الخراب الذي وجدت نفسها فيه ، هذا الخراب الذي اوصلها الى حالة اليأس المطلق الذي قادها الى ان تطالب بالموت لتستريح ، لانها اصبحت بحال لاتحسد عليه ... ترى من هو الذي سيرفعها من هذا الخراب ليعيدها الى الحياة التي تحلم بها :
[ اصدقائي (3)
......
اني اعوم في الخراب
فمن يرفعني
من هذا الهجير الى النسيان
من يعمدني بشهوة الموت ]
وتستبصر الشاعرة رؤيتها الكونية عبر مفازات الالم المضني ، تتلمس اشكالية الزمن الذي تعيش فيه ولاتحسه ، وهو موقف صعب ، لانه يتطلب حلولا صعبة المنال ، لن يصلها احد مالم يكن معززا بالشجاعة وبتلك الرؤية الحضارية ذات المأتى الدلالي الذي تحسه احيانا عبر قصائد مموسقة ، بدون اطالة وباختصار شديد ، امتثالا لقوانين الشعر وابجدياته المعلنة والخفية ، وهي تخترق تلك اللحظات الابداعية التي تتوهج داخل القلب ، ان الوصفية التقليدية لاتعبر بهذا المعنى ، مالم تكن وصفية سحرية ذات تتابع عام ، يمسك كل التراكيب المبهرة التي تحاول ان تتصدى لهذا الالم القاتل والفاتن الذي جعلها تتوسل بالموت دون جدوى ، الامر الذي قادها لان تتمسك بخراب اخر ، هو تلك الغيبيات الملعونة التي يسلك دروبها من ضاقت به السبل ، وعبر الصمت المطبق الذي بلغها تطلب مرة اخرى الخلاص على تلك الشاكلة التي مر ذكرها وبذلك تغدو قضيتها معروفة في كل ارجاء الكون والتي يمكن عدها صرخة مأساوية كبرى ، تعبر عن الالم الدفين الذي تحسه كل نساء المعمورة وخاصة نساء الشرق ، وبذلك تدق ناقوس الخطر الذي يتهدد مصير كل النساء .
[ ايتها الابراج (4)
لاعاصم غير صمتي
ارحلي ،
افعلي ماشئت
ضعيني فوق فم الرسيح
وزعي لذتي على خارطة الغيوم
والوشايات
قولي ماشئت ] .
ولكل هذا يحترق الشعراء وهم يحملون كل هذا الاسى والعذاب ، ولكن السؤال الى متى يحملون هذا  الالم ؟ وهل ثمة بصيص امل ؟ وهل ان الالم سيبقى فتنته الطاغية داخل القلوب الممهورة بالعذاب ؟ اسئلة واسئلة تظل بلا جواب ولكن الامر المؤكد ان الشاعرة امل الجبوري ستبقى ذاكرة لهذا الحزن الجميل :
[ من قال ان الحزن تذكرة(5)
الحزن ذاكرة
وانا ذاكرة الذين مضوا
والذين لم يسرقوني بعد ]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1 - قصيدة الكاهن
2 - قصيدة انخيدوانا وغوته
3 - قصيدة الشتات
4 - قصيدة اناجيل الطغاة
5 - قصيدة وريثة قلبك في الشدائد



المشاركة السابقة : المشاركة التالية