جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


مقهى أبو مضر..أو (الدَّكة) في البصرة .. فضاء ثقافي .. وزمن سبعيني


جاسم العايف
1 يقع"مقهى أبو مُضَر" قبالة نهر العشار في قلب مدينة البصرة..لا يفصله عن النهر إلاّ شارع ضيّق ما أن تعبره حتى تكون على رصيف ينتهي (بدكّة) إسمنتيّة تحوّلت في السنوات التي ازدهر خلالها المقهى إلى مصطبة طويلة يتراصّ عليها يومياً عشرات المثقفين والأدباء والفنانين ما أن يحلّ المساء.
أول مَنْ ارتاده ،مستوطناً، ، يومياً ، صباح مساء ، المُولع بالسينما، كاظم الصبر، بحكم البطالة وقرابته مع صاحِبها ، وأبو سرحان وأنا، أيضاً بسبب البطالة الدائمة ، ثم لحقنا مصطفى عبد الله ، لضجره من دراسة علوم الإحياء بجامعة البصرة. وعندها بدأ الرواد على شاكلتنا واهتماماتنا الأدبية والثقافية والفنية يزدادون يومياً ، حدث ذلك نهاية عام 1969.
كان"مقهى أبو مُضَر" الضئيل حجماً، الخطير صيتاً أقرب إلى صالون ثقافي للحوار في شؤون الأدب والفن والسياسة بين مثقفين متنوعي المشارب والاهتمامات فيه يلتقون،بعد جولة لا بد منها ، صباحاً أو مساءً، في مكتبات: (الجميع ) لصاحبها (الياس حنا) والتي تقع في منتصف سوق المغايز، وبعد وفاة (الياس)، رحمه الله ، جهدت السيدة(جاكلين)زوجته ، وهي بملابس الحداد،الحلول مكانه في إدارتها ،لكنها تخلت عنها بعد اقل من سنة على رحيله ، فتحولت(المكتبة) إلى أكثر من محل لبيع الملابس، والأحذية، والكماليات النسائية ، ورَحلتْ كتبها الثمينة ومجلاتها النادرة إلى مصير مجهول. بعد عبور سوق حنا الشيخ الجديد ،نحو شارع الوطني، وفي بدايته من الجهة اليمنى، مكتبة (المثنى) ويديرها العزيز(أبو نزار) ويساعده في ذلك الصديق (سلمان- أبو كفاح) وهي فرع لمكتبة(المثنى) الأم في بغداد، وتقع بالضبط مقابل سينما الوطني، اندثرت (مثنى- البصرة) ، وتوارى، مندحراً دون أمل بالعودة ثانية (المثنى)، ليحتل مكانهُ ، (زبلوق..للأحذية النسائية والحقائب الأنثوية المستوردة )، ولم يعد لكتبها الأثيرة والكثيرة تلك ، إي اثر إلا في الذاكرة. غير بعيد عن (المثنى) وفي منتصف شارع الوطني تماماً ، مكتبة (فرجو) ، التي اختفت معالمها ، وبات مكانها محلات لبيع الساعات ، والنقالات، والمستلزمات الرياضية . بعد منتصف شارع الوطني ، مكتبة "ودود عبد الغني" التي كُنيتها (دار الكتاب) وفي الغالب ، نتعامل معه عند شرائنا ما نحتاجه من مجلات وكتب حديثة الإصدار بالآجل ، الآن لا مكان لرفوف كتب (ودود عبد الغني)، ولعل بعضنا لا زال في ذمته دراهم معدودة لـ(ودود) الودود حقاً وفعلاً ، و الذي هاجر، ومعه اختفت (دار الكتاب) ، وتحولت إلى أسواق حديثة ، محشوة رفوفها الكثيرة بما تمضغه الفكين الشرهين وتبتلعه (البطون)المرفهة. وثمة مكتبات أخرى بعضها في مدخل سوق( الهنود) وأخرى في منتصفه ، لكن أشهرها تلك التي ذكرتها.ربما لا نقتني الكتب والمجلات خلال جولتنا اليومية تلك، من كل تلك المكتبات، بل نشم روائحها العذبة والعبقة فقط ، لنتمتع بالسكينة والاطمئنان والصفاء الروحي. كل المصائر المحزنة لتلك المكتبات حدثت عند نهاية عقد السبعينيات أو بعده ، وأجهز على ما تبقى منها،الحروب المتعاقبة والخاسرة ، و الحصار، الذي فتك بالعراقيين،وأزاح قيمهم الإنسانية وثرائهم الروحي، المعروف تاريخياً، بطرائق ووسائل، وسلوكيات، لا يمكن تصورها إلا لمن عاشها. وقسم منا يتوجه عصراً ، قبل مغادرته منطقة (البصرة القديمة ) إلى العم الحاج (فيصل حمود- أبو غازي) ، و(مكتبته الأهلية ) التي أسسها عام 1928. و التي أمر النظام البائد،خلال حملته لتبعيث المجتمع العراقي، على أن تَنزع جلدها القديم ، وتتنكر لاسمها(الأهلي) المعروف تاريخياً ، منذ أكثر من(8) عقود ، وتتحول إلى(مكتبة الفكر العربي) غير أن صاحبها الحاج " فيصل حمود" وولده " غازي" ، أضافا في الإعلان عن لوحة (اسمها الجديد)، وأسفله بالضبط،(المكتبة الأهلية سابقاً /تأسست 1928م)أشارة واضحة المعاني والدلالات عن تمسكهما باسمها المعروف. استعادت (الأهلية) اسمها القديم بعد سقوط النظام مباشرة ، ملقية بتسمية (الفكر العربي) الذي الصق بها عنوة، نحو الماضي ، وجراحاتها الشاخصة ، العصية على الالتئام. والمكتبة (الأهلية) هي الباقي الوحيد ، من زمن لن يستعاد قطعاً ، ويعمل ورثة الحاج المرحوم (فيصل حمود) خاصة ولده( غازي) على بقائها شاخصة ، تواجه المستجدات والتقلبات، وعواصف العراق الحالي، ببسالة وإصرار وتمكن. بعد هذه الجولة المعتادة ،لابد من العودة إلى (مقهى أبو مضر، ودكَّتها الإسمنتية) ، ومنهما ينطلقون لاستكمال حواراتهم في دورة الليل، يوم كان لمدينة البصرة ليل للفرح والمتعة والبهجة.. ووجد مثقفو البصرة في (مقهى أبو مضر)، والذي حصل على لقب (مقهى الدّكة) بسبب (دكّته) الشهيرة، ما يعوضهم عن غياب مبنى خاص بفرع اتحاد الأدباء في مدينتهم، هذا الفرع الذي تجاهل المعنيون الرسميّون بالشأن الثقافي آنذاك ضرورة افتتاحه ، في ظلّ ضآلة عدد الموالين لهم بين أوساط أدباء ومثقفي المدينة. مرّ وجلس في هذا المقهى ،على صغر حجمه، عشرات الأدباء والكتاب والصحافيين والمثقفين العراقيين، وبعض العرب.لا تسعفني الذاكرة على تذكرهم جميعاً، لكني اذكر منهم ، مَنْ أتذكرهم : أ.د.شجاع العاني،بحكم عمله أستاذاً في جامعة البصرة، والقاص عبد الستار ناصر، والمعدوم شنقا حتى الموت ،الناقد الحلي الشاب، قاسم محمد حمزة، والشاعر الشعبي الراحل عزيز السماوي وشاكر أيضاً، والراحل الشاعر صاحب الشاهر، والناقد والصحفي محمد الجزائري ، والكاتب والصحفي جياد تركي ، عند زياراتهما المتكررة لمدينتهما، والشاعر عواد ناصر، والباحث د.فالح الحمراني، والصحفي سلام مسافر، والكاتب حسين عجه ،والشاعر عبد الرحمن طهمازي خلال سني عمله مدرساً في البصرة، ، وحتى الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، الذي صحبه إليها القاص المغترب،حالياً، احمد أمين ، ولم يقدمه لنا فتجاهلناه تماماً.والفنان كوكب حمزة،معلم الموسيقى في مدارس البصرة ، والقادم إليها من ناحية القاسم في الحلة، دائم الجلوس عصراً على (دَّكَّتها) ، ومرةً احتسى الشاي فيها ، بصحبة محمد خضير وشاكر حمد وأنا، في وقت متأخر من الليل، الفنان التشكيلي والكاتب والصحفي الراحل-لأسباب مازالت غامضة حتى الآن- إبراهيم زاير، والقاص والروائي جمعة اللامي ، عند زيارتهما الخاطفة للبصرة.وكان يجلس فيها عصراً وليلاً معنا، صديقنا القاص، والروائي،بعد ذلك، نجم والي ، عند خدمته العسكرية الإجبارية ، بصفة مترجم مع الخبراء الألمان (الشرقيين) في القوة البحرية العراقية. وتردد عليها أيضاً الفنان التشكيلي محمود حمد ، و المخرج المسرحي فاضل سوداني ، و المخرج المسرحي فاضل خليل ، عند تعينه ، مُدرساً للفنون في البصرة ، والذي نُقل سريعاً إلى بغداد،وقد قادهم إليها شاكر حمد. مؤخراً ذكر ليّ الشاعر طالب عبد العزيز انه ، والشعراء : عبد الزهرة زكي ، الذي كان طالباً بجامعة البصرة، وجمال جمعة ، وجمال مصطفى ، وحيدر الكعبي ، كانوا يترددون على المقهى،لكنهم أحجموا عن التعرف علينا. دون أن يوضح (طالب) تلك الأسباب التي كانت خلف ذلك الإحجام!؟. كما كان يتردد عليها الناقد ياسين النصير بعد انتقاله إلى بغداد وزياراته الموسمية لمدينته. ومن الأدباء العرب الروائي إسماعيل فهد إسماعيل، والشاعر الفلسطيني محمد الأسعد،وشقيقه الشاعر صبحي الأسعد،والكاتب والصحفي الكويتي غازي القناعي، خلال زياراتهم المتكررة للبصرة ،بصحبة بعض الأدباء والفنانين والصحفيين الكويتيين، وغالباً ما يحدث ذلك مساء يوم الخميس. كما قُدنا إليها ،ظُهراً،القاص والروائي إبراهيم أصلان،والشاعر الفلسطيني محمد القيسي ،عند حضورهما احد مهرجانات المربد ، زمن النظام السابق. وجلس فيها، لاحتساء الشاي،ظهراً، برفقة بعض العاملين في دائرة "دور الثقافة الجماهيرية في البصرة" ، القاص والصحفي والروائي المصري جمال الغيطاني، وهو يسعى لإكمال كتابه(حراس البوابة الشرقية)،على وفق العقد الذي وقعه مع بعض الجهات الحكومية ، دون أن نعيره انتباهاً ، بسبب أن مَنْ يرافقه من الموظفين الرسميين والعاملين في تلك الدائرة، لم يكلفوا أنفسهم تقديمه إلينا،مع معرفتهم بنا ، بسبب حضورنا كل يوم ثلاثاء عصراً في حدائق دائرتهم، والتي عادةً ما تُعقد فيها جلسة ثقافية، نسهم فيها، أو نشترك ، بجدية في حواراتها. 2 " تلك البهجة السرية ، والآمال المثيرة ، والمسرات، لم يتبقَ منها غير، الأوجاع ." فؤاد التكرلي (مقهى أبو مُضَر) أو( الدَّكة) ، يشبه حجماً مع ما يسمى في بغداد بـ(مقهى المعقدين) ، لكن هذا يقع على شارع فرعي. والأول مواجه تماما الشارع الرئيس الممتد من (الداكير) وجامع المقام، نحو بداية شارع الكويت ، باتجاه البصرة القديمة والى الزبير. وأمست مقهى (أبو مُضَر ودكَّتها) مكاناً، يلتقي فيه اغلب أدباء البصرة ومثقفيها وفنانيها، وبعض سياسييها، خاصة المنشقين عن أحزابهم ، وتختلط فيه حوارات، في الأدب والفن والثقافة عامة والسياسة ،التي كانت حادة أحياناً، بثرثرات الزبائن العاديين. يقع المقهى عند نهاية سوق (المغايز) المشهور، مقابل الجسر المعروف بجسر (المغايز). لا وجود الآن للمقهى إلا في ذاكرة الأدباء السبعينيين البصريين. والذين غادروا البصرة منهم إلى خارج العراق ، هرباً بطرق ووسائل شتى، من فكي الذئب البعثي الشره بلا حدود . وعادوا إليها بعد سقوطه المهين، كانوا يأملون أن يجدوا أثراً لمقهاهم الأثير وخاب أملهم جميعاً فقد تمّ هدمه ما أن جرت توسعت الشارع الذي يقع عليه. وانقلب فضاء المقهى الثقافي- الأدبي إلى دكان متجهّم لبيع (البالات ) تحيطه تلال الازبال، ويتلقى من النهر الذي ما عاد نهراً روائح عفنة. بسبب البطالة وعسر الحالة المادية لبعضنا، كنا لاندفع أثمان ما نشربه في المقهى، ونستدين أحياناً من صاحبها المهذب والحييّ جداً(أبو مضَر) دراهم قليلة لشراء سندويجة لاذعة من الفلافل أو السمبوسة من دكان (أبو عباس) الذي يقع في الجهة المقابلة للمقهى عبر النهر. وأحياناً نستدين لنحصل على تذكرة الدخول للسينما في الدور الثاني الذي يبدأ عادة بعد الساعة العاشرة ليلاً. وعندما يَصرّ (أبو مضَر) على تسوية الحساب، بعد إلحاح متواصل منه ،نقلب اسمه، بمزاح معه، إلى(أبو مُضِر)!. فيها استمعنا عبر المذياع صباح جمعة ما عن فوز"محمد سعدون السباهي" بالجائزة الأولى للقصة القصيرة ، التي كانت تجريها سنوياً" إذاعة صوت الجماهير" ومبلغها في ذلك الوقت مغرياً، إذ كان (150 ديناراً ) والدينار العراقي الواحد يعادل (3) دولارات و(20)سنتاً. إضافةً لما تحققه من شهرة على مستوى العراق ، للفائز بإحدى جوائز الشعر والقصة وغيرهما . وفيها وعبر المذياع أيضاً، في عام آخر، سمعنا فوز قاص بصري اسمه ( رياض عبد العزيز) بالجائزة الأولى في القصة القصيرة !؟. كان (رياض ) هذا مجهولاً لنا تماماً، لا أحد من الجالسين من قصاصي البصرة، والذين أغلبهم كان يمني نفسه بالفوز، وكتابها وأدبائها في المقهى يعرفه !؟.أو سمع به حتى!؟. ولم يسبق له أن مر بالمقهى أطلاقاً!؟. أحدث ذلك الاسم وفوزه لغطاً، وتساؤلات عدة، وحيرة!؟. عندها بدد كل ذلك القاص"الياس الماس محمد"، معلناً معرفته بهذا القاص !؟. وبعد تساؤلات ولغط كثير. قال الياس:" هو أصلاً لم يكتب حتى خاطرة أو يقرأ في حياته قصة واحدة!؟. وأضاف :"هو بحار الآن في أعالي المحيط الهندي"!؟.ثم صمت!؟. وبعد إلحاحنا جميعاً عليه. قال:" مَنْ كتب القصة وأرسلها باسمه أنا، لأنه شقيق زوجتي، وكنت أخمن فوز القصة، فعمل ليَّ وكالة مصدقة من قبل كاتب العدل، يخولني فيها استلام مبلغ الجائزة "!؟. وأبرز أمامنا الوكالة المصدقة رسمياً. ثم أضاف :" أردت الضحك والسخرية على محكمي الجائزة سراً، لأني أعلم بالخبرة إن الفوز في مجال القصة القصيرة، وفي هذه المسابقة بالذات ليس لدواعٍ فنية مجردة ، بل لأسباب لها علاقة بالتوجهات الفكرية الحزبية ، والقومية بالذات. إذ أن ثيمة القصة "فلاح مصري يأتي مع عائلته ويسكن في مشروع" المغيشي الزراعي" بمنطقة "الدواية" بالناصرية، هذه الموضوع ، ينسجم مع توجهات السلطة القومية في ذلك الوقت، وإذا أرسلتها باسمي ستُبعد حتماً"!؟. عند ذهاب ( الياس) في الموعد المحدد لحضور حفل توزيع الجوائز ، في مبنى الإذاعة، منعه مديرها العام آنذاك الشاعر" ارشد توفيق" من الدخول ، وعندما أبرز له (الياس) وكالته الرسمية عن (القاص الفائز بالجائزة الأولى). يقول (الياس): امتقع وجه "ارشد توفيق"، الذي يعرفني جيداً قبل ذلك ويعرف توجهاتي الفكرية ، وأصر على منعي من الدخول"!؟. ذهب" ارشد" للدائرة . ثم عادَ ومعه (صك) مصدق بمبلغ الجائزة سلمه إلى ( الياس) قائلاً:" لقد استغفلتنا و ضحكت علينا، فأنت مَنْ كتب القصة الفائزة"!؟.ولم تنشر القصة الفائزة في وسائل الإعلام الرسمية نهائياً كما لم ينشرها (الياس). وقبلها أيضاً لم تًنشر قصة (السباهي) كذلك مع فوزها بعد معرفتهم بالتوجهات الفكرية له. ولد في المقهى عشرات المشاريع الأدبية والثقافية والفنية منها: مشروع(12 قصة بصرية) بحلقتيها ، وكان المخطط لها أن تستمر، ولكن ذلك لم يحدث لأسباب عدة. عند عودة عبد الكريم كاصد من
فرنسا، كان دائم الجلوس في المقهى ، واعتاد أن يجلب معه كُتباً باللغة الفرنسية،ويقرأ علينا ، اغلب ما ترجمه بعد ذلك ونشرَ بعضاً منه. كنا نَطَلعَ على مخطوطات قصصية وشعرية لبعض أدباء المدينة وتشتعل الحوارات، والاجتهادات، حولها. أخبرنا محمد خضير، الذي غالباً ما يتردد على المقهى مساءً ، انه أرسل مخطوطة (المملكة السوداء) للطبع على نفقة وزارة والإعلام، بعد مفاتحته من قبلهم مرات عدة، إذ لم تكن ثمة وزارة معنية بالثقافة حينها. وكذلك علمنا في المقهى إن القاص مجيد جاسم العلي شرع بطبع مجموعته القصصية الأولى، (فتيات الملح) على نفقته، وفي مطبعة حداد بالبصرة،كما ذكر القاص كاظم الأحمدي انه سيطلب تعضيد الوزارة لطبع(هموم شجرة البمبر)،مجموعته القصصية الأولى، وتسلم خالد الخميسي/ واسمه في وثائقه الرسمية عبد الخالق عبد الرزاق/ ، مجموعته القصصية الثانية (الملوثون)،بعد مجموعته القصصية الأولى المعنونة "القذر"، في المقهى ، بعد أن أنجز طبعها حميد المطبعي بمطبعة الأسرة في النجف. ووزع ، أمامها وفي منتصف الشارع المقابل لها ،علينا ، كاظم الحجاج(أخيرا تحدث شهريار) مجموعته الشعرية الأولى. وفيها استلم الروائي إسماعيل فهد إسماعيل، وهو في طريقه إلى بيروت ،مخطوطة رواية عبد الجليل المياح/ المشنوق حتى الموت عام 1983/ "الفرس والسماء المربعة"،ومعها المخطوطة الشعرية الأولى للشاعر مصطفى عبد الله/ الراقد بسلام في مقبرة القنيطرة بالمغرب/المعنونة "العودة إلى البلاد المحلة"وغلافيهما و صممهما الفنان شاكر حمد، لغرض طبعهما في دار العودة ، لكن احتراق مكاتب دار العودة في بيروت، حال دون ذلك، وعند مطالبة المياح وعبد الله بالمخطوطتين وغلافيهما، إصر صاحب دار العودة على احتراقهما كلية. في بداية عام 1980 كنت أتجول في المعرض الدائم للمطبوعات التابع لـ(الدار الوطنية العراقية للنشر والتوزيع)،والواقع في مركز المدينة بالعشار، شاهدت غلاف مجموعة مصطفى عبد الله ،الذي صممه الفنان شاكر حمد،وهو يحتوي على مختارات شعرية للشاعر عبد الوهاب البياتي، وبعنوان"كتاب البحر"، دون ذكر اسم مصمم الغلاف!؟. وما هو مثير للسخرية والدهشة ، أنني شاهدت الطبعة الأولى من (الحقائب) معروضة للبيع ، وعندما أردت اقتنائها، مع مختارات (البياتي) تلك، ذكرت لي الموظفة، بعد أن نقبت في أوراق أمامها للبحث عن سعرها: إن(الحقائب) للعرض فقط!؟. بعد أيام عدت للمعرض ذاته، فلم أجد(حقائب) دار العودة ، وخشيت جداً الاستفسار عن مصيرها. وثمة مشاريع ثقافية وأدبية أخر، منها ما صدر ومنها ما وئد لأسباب عامة- خاصة. بعد الساعة الثانية عشرة ظهراً تعودت على إرسال نظراتي ، ولهان ومترقباً،خارج المقهى، لأسباب لها علاقة بشغف القلب ، ورغباته الشابة الجامحة التي لا أقوى على التحكم بها. كنتُ وأنا استمع لمَنْ يُحدثني ،انظر عبرَ الشارع، منتظراً مرور مَنْ تهواها روحي الشابة، الطرية ، وقد تجاوزتُ منتصف العقد الثاني ، من عمري بسنتين، متلهفاً لإشارتها المعلومة لديَّ ، لنذوب بعدها، كالأسرار، هي وأنا ، وألحق بها،عجلاً ، مرتبكاً ، كي نتجول ونثرثر بفرح ولهفة، لساعة أو أكثر ، في الأزقة الخلفية الضيقة الرطبة، شبه المظلمة ،حتى مع انتصاف النهار، في منطقة العشار. أراهُ ، حينها ، وأنا انظر عبرَ الشارع، دون أن يَعرفني، رائحاً غادياً أمام المقهى، وتحت الشمس البصرية الحارقة ، يتطاير شعره مع الريح ويرسل نَظراته ،عبر نظارته الطبية الملونة،كالصقر، وسط المقهى دون أن يجرؤ على دخولها، فأعلم انه ينتظر أن يرفع عبد الكريم كاصد، المنحني دائماً على كتاب أو مجلة ما، نظره إلى الأعلى ، كي يراه. عندما أشاهده على هذه الحالة، أُنبه (كريم) لذلك، فيخرج مسرعاً ،بشوشاً ، فرِحاً، مرحباً بودٍ متواصل به ، ويقوده من يده ، للجلوس ، لكن ، في الصف الأول من (التخوت الخشبية) التي تقع خارج المقهى، ويظلان يتهامسان ،وظهريهما نحونا، دون أن نسمع شيئاً مما يتهامسان به ، كان ذلك الرائح الغادي(محمود البريكان). كل مساء نلتقي في المقهى ، و مع بداية الليل نتوجه لنزهةٍ على شط العرب ، ومرورنا الأول بـ(السياب) الواقف ،على علوٍ منتصباً ، نرفع رؤوسنا نحوه، لنلقي عليه تحية المساء ، دون أن نتوقع جواباً.ثم نكمل المسير إلى آخر (كورنيش شط العرب). ونتفرق، بعد ذلك، والأغلبية منا تتوجه نحو (نادي الفنون) للاستمتاع بمسرة وبهجة بصرة السبعينيات وألقها،المندثر والمُحَرَمْ الآن تماماً. º



المشاركة السابقة : المشاركة التالية