جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


أمكنة تدعى نحن


هنا على هذه الأرض ذاكرتان ليس إلا ..الأولى بصرية محضة تشبه الصندوق السحري للمصور الشمسي على حافة الرصيف.. والأخرى تخيلية مجردة كتمثلات أدباء العالم في سردياتهم عن مدن طفولتهم ومراتع الصِبا.. ذاكرتان ترافقان عيني مدينة لتشّكل سرديتها حتى تبيض بيضة واحدة فقط.. كمدن الحداثة أو ما بعدها في تحولاتها القسرية..إذ ارتدت المدن لباس حداثتها.. وتخلّف أولادها عن مرافقة ركبها وهي سائرة في غيّها نحو مجهول .. لم تكن مدن الطفولة مرتعا لانغماس الأبناء في لهوهم.. بل وقفة تأملية للقادم العظيم من غيّه.. خطوتان للخلف وواحدة الى الأمام ..في النهاية ترتبك الخطى ويضيع دليل الطريق إليها، لولا خريطة أبناء المدينة والشوارع والليل لما باضت المدينة بيضتها الواحدة .. إن كانت وحدة الزمان محور لأدب القرن المنصرم بوصف الزمن مكوّناً تاريخياً وحاملاً للواء الحداثة، فان المكان والوعي القصدي بفضاء ذلك المكان هو الأكثر التصاقا في البنى التاريخية لما بعد الحداثة.. عصرنا هو عصر الإحساس بأهمية المكان في الوقت الذي تحاصرنا العولمة للانقضاض على أمكنتنا التقليدية.. البيضة نتاج عملية إخصاب حتمية..بل دلالة الوجود الذي نحن بصدد تمثله..
ابن الشارع.. يرتدي زيه الشائع:
البارحة فقط قبل الشروع قي الكتابة أدركت بساطة تفكير أبي ..على وجه الدقة، أدركت الشتيمة اللقيطة التي أطلقها أبي على كل ولد يعيش الحياة خارج أسوار بيته:
المستقبل يا بني كتابك ومدرستك ثم شهادتك ..
ابن شوارع تلك التسمية التي تمنحني فرصة تأمل الشارع بالقدر الذي يتيح لي تأمل ظواهره عن قرب..آه ليتني كنت شوارعيا بختم احمر لأروي ما حدث بالطريقة التي ترضي طموح أبناء جنسي المنسيين.. لأشحذ الذاكرة البصرية والتخيلية معا.. الشارع وحده الذي يمنح نسوغ الأرواح الهائمة على الأرصفة ويعيد توصيفها من جديد..ترى هل وصلت الى حافة الحلم الذي يتيح لي تأمل الشارع بعيني طفل مندهش؟ أم إن الحياة التي أضعتها بين دفّات الكتب أفسدت عليّ متعة تأمل الشارع الذي افتقدته بفعل إصرار أبي على الابتعاد عنه ؟ الشارع أرضية رحبة لمعصية الوالدين.. وأنا لم اعصهما رغم مكوثي الطويل داخل أسوار الدار اقلب كتب المدرسة .. لقد حصلت على نجاح باهر في مناهج المدارس ونلت شهادة كبرى بين كل أبناء العائلة بكل تفرعاتها .. لكني بالمقابل  فشلت في معرفة الشوارع والمدن ولياليهما.. ليتني لم أصغِ الى أبي في حديثه المكرر عن المستقبل النيّر.. أين المستقبل يا أبت؟ أكملت دراستي وكنت حسن السيرة والسلوك وفق وثيقة التخرج.. كذلك إن صحيفتي بيضاء ناصعة البياض، وبصمة أصابعي نظيفة في عدم محكوميتي من جناية مخلة بالشرف.. يطلق عليّ أبناء الشارع المثقف الأستاذ /الحاج /صاحب قلم حاد / الأفندي / المّعقد.. حتى مختار المحلة حين يسأله أحد ما عني ، فأنه يهز رأسه ويمط شفته السفلى ليقول:
والله لا اعرف عنه الكثير .. قليل الخروج من الدار ..لم يلقِ التحية في طريقه على احد .. هذه الأيام تغيرت أخلاقه وانفتح على الناس في كل أرجاء المدينة .. رجل يكتنفه الغموض .. ليس إلا .
لكني فقدت بالمقابل هذا الشارع الذي اغترف منه ، مما يدفعني نحو حياة أريد تدوينها الآن ..
سنوات الطفولة المبكرة ، كان زي أبناء الذوات يختلف تماما عن أزياء أبناء الفقراء.. أبناء الذوات- لا اعرف لماذا أطلق على أولاد الأغنياء بذوات- ؟ هل نحن أبناء الطبقة الوسطى والفقراء بدون ذوات واضحة المعالم ؟
يرتدون البنطلونات القصيرة والقمصان الأنيقة وربطة عنق صغيرة وحمالات للبنطلونات وأحذية جلد حمر لماعة وشعور تلتمع ومصففة وبشرة بيضاء وبدانة واضحة.. كان أبناء الفقراء يرتدون دون اتساق ملابس شوارعية مقلمة بأزرار مختلفة وأحذية مطاطية دون جوارب ووجوه صفر وشعور منفوشة.. أما نحن فكنا وسطيون بامتياز في اختيار أزياء مناسبة .. الدشداشة داخل البنطلون دون حقيبة وأحذية من الكتان الأبيض وحقائب من القماش المستعمل وجيوبنا لوثها الطين الصناعي وحبات التمر ومصائد العصافير ..
هل كان الشارع غواية محضة في الضياع ؟ هل الشارع وفق نظرية أبي حاضنة لمرافقة أصدقاء السوء ؟ .. تدخين.. سهر.. موبقات كبرى؟ أم ان الكتب والبيت أضاعاني.. لقد افتقدت حيوية الشارع في الصغر وعشقته اليوم قبل فوات الأوان..لكن الشارع يبقى مادتي الأولى، ولإطلالة صادقة على أنساق تحولات أبنائه عبر أمكنة معلومة تبقى ويذوي أبناء شوارعها.. عليّ النزول مجددا نحو قاعه، وإدراك ما يحدث اليوم برؤيا ما يحدث في المستقبل وفق معطيات ماضِ مجرد..
نعم  تستطيع الأمكنة في حالة تجريد خالصة البوح عن سر كينونتها..
هذا مكاني .. العبارة التي اقتتل عليها أصحاب سوق الرصيف .. تحول الشجار الى قضية مركزية للدفاع عن متر مربع من الأرض العامة..
مرايا هذه الأمكنة  هوية العصر بكل عنفه وصخبه والتباسه .. قبل أن تتشابه الأمكنة وتصبح مكانا واحدا بفعل ما يسود في هذا العالم من غواية العولمة لاختصار مادتي الزمن والمكان لدحر خصوصيته .. بعد أن طغت وحدة الزمن في عصر ما قبل اليوم، فان هذا العصر هو عصر البحث عن إيقونات مكانية ..
ابن السوق .. يرتدي الدشداشة  :
وتلك تمنح الكاتب إمكانية النظر الى السوق من الداخل.. رغم انه يخسر الكثير من ماء وجهه الخالص لملاحقة ما يجري في دهاليز الأسواق العتيقة.. ماء الوجه قناع ينزعه السوق بوقاحة مفترضة.. يملك أكثر من وجه في تفكيك متنه المشبّع بشخوص تترك بصماتها في دكاكينه وترحل.. السوق كمكان بصري أو متخيل في الذاكرة لا يمنح دفق الروح النابضة والدفء في أضلاع ابن سوقه وشارعه ومدينته وليله إلا إذا تجرّد .. جرّد الشيء تصل الى فكرته الأولى .. لو جردنا السوق من عمارته ودهاليزه وعمارة محاله الأفقية يكون خريطة مجردة حيادية المعنى ليس إلا ستؤدي حتما الى بيوتنا .. دكاكين ومحال بواجهات أنيقة أو بائسة .. أسواق ناشئة جديدة وأخرى متعبة.. تشيخ وتهرم وتزول ويبقى أثرها كطلل متخيل، دخان خرائبه تبعث رائحة وجوده الأبدي. الأمكنة تستطيع أن تتحدث عن ما يختلجها ساعة البوح الكبرى.. لم يكن السوق يعاني من حالة الجمود حتى عندما تكون محاله مغلقة .. حتى عندما تعبث القطط والكلاب السائبة في دهاليزه في ساعة متأخرة من الليل.. بالمناسبة كل كلابنا هي سائبة داخل السوق أو خارجه، بيوتنا لا تدخلها الكلاب للمعيشة والاستحمام والأكل والاستطباب.. حتى إنها فقدت خصوصية ثقافة التابع والمتبوع التي تسير على نظامها شعوب عظيمة، الكلاب تسير أمامنا كدليل أمكنة عبر خاصية الشم الكبرى نحو أمكنة مهجورة كالتجانيد ومراكز التدريب وبيوت دعارة مقفلة وبناية مهجورة لتوراة يهود الأمس وخان لبيع الحنطة وبناية سينما متحولة الى معمل نجارة، الكلاب في مسارها التأملي إذ أنتجت مسارها التوحدي الموحش.. أهملت نظرية التابع وتلبست الكيان المستقل .. أمكنة أخرى ترتبط بعجلة العصر السائرة بسرعة دوران الأرض حول نفسها .. تختفي مقاهي صراع الديكة وتبرز مقاهي الانترنيت .. يختفي محل بيع المسابح الكهرب واليسر وتظهر مكانه محلات بيع الموبايل .. تختفي محال بيع الاكواز وتظهر على السطح محال برمجة الستلايت والسقوف الثانوية ..
ثمة حياة تبعثها رائحة الفلفل .. المخللات .. الدارسين والهيل .. نومي البصرة الفيحاء.. رائحة التفاح..رائحة يوريا  وبراز الكلاب السائبة متخثرة وأخرى تفضح سر المحال المغلقة .. السوق في تفكيك ثيمته الكبرى ليس سوى محال متراصة وزبائن تتقلب بين نسق دكاكينه .. رؤوس الزبائن تتفحص البضاعة.. أصحاب المحال يتفحصون بضاعتهم.. ثمة مقهى ومطعم صغير متخصص في إطعام أصحاب المحال.. عامل الزبالة آخر الليل يكنس ما خلفه السوق من أفكار تنشط لاستلاب لب الزبائن .. آخر الليل، هناك كلب ناحل كئيب يتكئ على رائحة ما في محل الجزارة.. كائنات السوق في الليل غير ما عليها في النهار.. يكون مزدحما أو فارغا ويعتمد أيام محددة بعينها، إذ يعرف أصحاب السوق الحاذقون أيام الصعود وأيام النزول .. هو ابن سوق محترف ..
ابن المدينة .. يرتدي البنطلون :
لا يمكن لكاتب هيتروتوبيات أن يكون ابن ريف مطلقا.. وحدها المدن تمنح جسدها في غواية سرية لتكشف المستور من تفاصيل أنوثة المدينة وشبق الكاتب المديني في البوح حتى لو وضع لقب العشيرة على اسمه تورية بعظمة مستعارة..هل تتعرى المدينة أمام كاتبها في غواية تدوين سردياتها لتفضي خرائطها الى قيعانها؟ نعم تفعل ذلك كل ما استدعى شيطان الكتابة ذلك .. كلما أمعن الكاتب في غزلها ومسّد مفاتنها الخفية.. حتى تكون المدن مرئية بكل زوايا أمكنتها، كان عليّ البحث عن أزمنتها المفقودة في لحظة الحاضر الملتبس .. ابن المدينة العرّاب الوحيد لزوايا أمكنتها الثابتة والمتحولة..
مكان عدو وأخر صديق.. فالعدو قبل الصديق أحيانا رغم اختلاط الأشكال بينهما.. فالمكان السري غرفة مظلمة لجماعة سرية تحيك شيئا ما، وآخر علني كسوق الهرج او تظاهرة صاخبة بثلاث لافتات ساخطة في مفردات لغتها.. قال وما مكان المرة الواحدة ..قلت :
-  أما مكان المرة الواحدة فهو  القبر ورحم الأم .. قد عجزت الذاكرة البصرية عن الإتيان بصورته وبقيت ذاكرته المجردة تمعن في تفكيك تخيلاته.. أما مكان متعدد الزيارات يدخل الخشوع في المرتادين كأضرحة المدينة أيام الجمع والأعياد .. سيد خضير / سيد جابر / الشريف / أم العباس /  منصور أبو الحسن / سيد احمد الرفاعي / فوّادة أم هاشم وغيرها الكثير وتلك أمكنة طلب المراد والخلاص الروحي.. وفي نبض الشوارع الخلفية ومسالك الكراجات والمقاهي وصالونات الحلاقة فتلك أمكنة أليفة نمارس فيها عاداتنا العلنية دون الحاجة للاشتراك مع سدنة المكان .. ثمة أمكنة أخرى نمقت رائحتها( المراحيض العامة) مثلا تلك التي ندخلها مقابل مبالغ مدفوعة ونحن نزرر بنطلوناتنا وأخرى نود الاسترخاء في أديمها ( كمتنزه المدينة المشبّج ) .  تبقى الغرف الافتراضية في حقل رسائل الماسنجر هي غرف باردة ليس فيها رائحة لمكان مفترض وخالية أيضا من الإحساس الداخلي في جدوى الفضاءات الداخلية..
المدينة مجموعة  الشوارع تؤدي الى أسواقها .. الأسواق محال وروائح وحركة وضجيج.. خلفها مجموعة البيوت المتراصة .. البيوت غرف معيشة وأسرة نوم وحمام استحمام ورطوبة ومراحيض وصور معلقة وتنور وقطط وبط وحمائم في الأبراج فوق السطوح.. فيها ينتظم البشر في سياق معيشي متشابه يؤدي الى دفق النبض داخل الشارع والسوق والمدينة .. يقترب البيت العراقي من النمط الموحد في أغلبية العمارة التي اُسّس عليها.. ثمة غرفة استقبال معزولة وموحشة تٌفتح لاستقبال الغرباء والأقارب على حد سواء .. وقد طليت أيضا بلون البيج الموحد في نمط الدهان لأغلبية غرف الاستقبال العراقية والمعروف بحياده وعكس الإنارة الشحيحة.. ثمة صور بألوان صارخة لصاحب الدار وهو يبتسم ابتسامة كاذبة وقد اصطبغ شاربيه بلون الفحم .. آية قرآنية مخطوطة بخط الثلث ومزججة , اعتقد إنها آية الكرسي .. ثمة إكسسوارات في معرض خشبي بني اللون وفقط .. ذلك الوصف لا يتعدى كل غرف الاستقبال التي دخلتها مجبرا او فضولا .. مرحاض صغيرة ملحقة في الفناء الخارجي وفيه مغسلة وإبريق يطل بثوبه الأحمر على المتبولين .. من الجهة الأخرى للفناء المطبخ وهو يطل على الفناء ومن ثم الكلدور الداخلي وغرف المعيشة .. البيت العراقي يقترن بتنميط العادات أكثر من عقلية الابتكار والتحوير .. حتى البيوت العتيقة صٌغرت أم اتسعت فهي على ذات المنوال التقليدي .. حتى البلاطات ونقشة الحجر فهي تكاد أن تتحول الى زي موحد ..العقل العراقي في العمارة يسعى الى التقليد دون الابتكار .. ثقافة التبني والدخول الى النسق الجمعي تلافيا لمحاذير النقد ..إننا نخشى الخروج تلافيا للنقد الظواهري..( دبل فاليوم) تلك صرخة معمارية تنحو الى توحيد كل الدور الحديثة رغم قبحها المعماري البارز كضرس منخور.. يبقى البيت متوارثا من الأجداد الى الآباء ثم الأبناء يعمده الترميم الفوقي كلما تزوج احد الأبناء بالطلاء البيجي والغرف الملحقة للمتزوجين .. هكذا فقط ليس إلا ..
الإحساس المفرط بخاصية المكان، هو ذات الفعل الذي يخلفه الجنون إزاء الإحساس بالزمن.. أما الاشتغال في حقل أدب المكان، حقل تطويع اللا أدبي لتدوين لحظة هرم الوجود العبثي في أمكنة لم تُؤسس وفق آليات المعيشة اليومية البسيطة، أما لحظة القبض القسري على الأبعاد المحسوسة لخاصية المكان فهي واحدة من آليات سرد بعيدة عن مسرح المكان ..عن الفضاء المحيط في هوامه المزمن.
ابن الليل .. اللثام بيشماغ مرقط :
بعكس ابنة الليل.. فأبن الليل رجل جد شجاع . ربما يكون سارقا محترفا أو شقاوة لزقاق أو محطة قطار أو مقهى أو سوق أو حمام رجالي، فهو الذي يتنزه في الليل دون وجل من عتمته أو غدر خنجر الليل المعقوف في الظهر.. حارس ليلي وخباز فرن وخياط في ليلة العيد وعمال وجبة ليلية في دائرة الكهرباء وشرطة شوارع وسواق أجرة ..
ابن الليل يعرف أسرار المدن ومفاتيح الشوارع، يتفحص باطن الليل ويعرف الدهاليز الخفية، شخوص الليل ممثلون على خشبة مسرح الشوارع المظلمة، علب الليل المغلقة مفاتيحها أودعت لدى ابن الليل .. لعب دور البطولة في العتمة لكن بلا سيرة مدوّنة بسبب الظلام..
ابن الشوارع /ابن الأسواق / ابن المدن/ ابن الليل .. هم شخوصي في مقلاة الليل، أستحضرهم الآن ليدلون بإفاداتهم عن سر المدن وكينونتها ويرحلون دون اثر سوى طلل لروائح وجود مجرد.
المكان يتحرك أو يتنقل من بيئة الى أخرى من خارطة الى أخرى,, يمحى ويزول أو يصبح ذاكرة يتنفسها ابن الشارع في المقهى..أما المكان المتخفي فهو رحم الأم ونواة البلح وصندوق الحلي الثمينة تلك نضع العين على مراقبتها .. أما الأمكنة التي يستطيع أن يستدل عليها في الظلام.. حمام السوق/ القبر / ردهة المشفى / المبغى / السجن /المطعم فتلك تقودنا اليها العين السرية.. الأمكنة التي يزورها ابن الشارع لمرة واحدة في حياته، المقبرة /القبر /صالة الولادة / قفص الخدج/ لوج السينما بعد خرابها الأبدي/ المشرحة/ مغسل الجثث فتلك ترسخ في الذاكرة اليومية ويسجلها التاريخ الشخصي كوقائع جرت في المدينة، لكنها تترك أثرا في السلوك العام لابن الشارع، غير التي يزورها لمرات معدودة فقط، كالسجن / فراش مبغى الغجر/ غرفة في فندق العاصمة/ مكان السباحة في النهر / الجلوس على قاعدة دعامة الجسر للتمتع في شم النسيم النهري،غير إن إدمانه منصب على التردد اليومي على الأمكنة اليومية المعتادة والمرافقة للمعيشة .. المقهى / الشارع المؤدي / سوق الخضار/ كراج سيارات النقل العام/ فراش الزوجة / غرفة المعيشة/ مشفى القلب/ مراحيض البيت / عيادة طبيب الأسنان/حمام السوق / غرفة إنعاش القلب / ردهة الكسور/ كرسي الوظيفة/ سجن التوقيف/ المحجر الانفرادي، أما الأمكنة المغادرة فهي كثر.. المبغى /الحانة الحمراء /مذياع الأغاني القديمة /صالة السينما /أراجيح العيد من أعمدة القوق المعوجة/صندوق الجدة.. أما الأمكنة المرعبة.. بلد الغربة /غرفة الإعدام / ميدان الرمي/ الساتر الأول/ الحجابات/ الكمائن/ مركز تسليم الشهداء/ سرير ممارسة جنسية للمثليين.. وهي أمكنة معادية أيضا وفقا لنظرية فوكو وفلسفة باشلار..
تبقى خطيئة أبي لا تغتفر حين سجنني ردحا من الدهر داخل أسوار البيت لأكمل دراستي وأكون بارا ومؤدبا وسيرتي حسنة وأخلاقي رفيعة، غير إن أمكنة ابن الشارع شممتها وأدركت أسرارها.. لقد كتب مدير المدرسة في وثيقة التخرج من مرحلة الدراسة الابتدائية-  حسن السيرة والسلوك - في الهامش المخصص للسيرة.. نعم لم يتم طبع أصابعي في مراكز الشرطة في إثبات عدم المحكومية وارتكاب جناية ما.. نعم كنت مقبولا في حصيلة أسئلة عائلة زوجتي .. الخطيب المؤدب الخلوق حسن السيرة والسلوك يذهب بدربه ويجيء بدربه ..انه يسير بقرب الجدار.. خسرت الشارع والليل والسوق بتلك الأخلاق والأدب الرفيع.. وابن الليل والشارع والسوق ربح الحياة كلها عندما عاش ليترك بصمته في أمكنة أدونها الآن.. هو البطل وأنا ظله وكاتم أسراره..
أبي يكره الشارع وفق تصوره، انه فرصة كبيرة للضياع ومتاهة للفوضى.. أبي عاش في الشارع أكثر من معيشته داخل الدار لذلك كره مكانه الأول .. لكني اكتشف الآن أن هذا الضياع وحده الذي يتيح معرفة العالم بحقيقته الشاخصة بعيدا عن التصورات المأخوذة من فهارس الكتب والمدونات في الكتب الصفراء.. اكتشف الآن إن هذه المتاهة خريطة سرية لحياة مثلى.
ماذا ربح الجاحظ ؟ ماذا خسر سيف ابن ذي يزن؟ ماذا ربح الأصفهاني والتوحيدي وابن الخياط؟ ماذا خسر شعراء الأرصفة ومظلات الباص أو أولئك الذين طردتهم الفنادق الرخيصة.. حين أدركوا أنهم كائنات شوارعية ليس إلا .. سوى إنهم ماتوا وفق ما يشتهون ؟
مات أبي ولم أمت أنا داخل أسوار الدار.. بقي الشارع والسوق والليل والمدينة قبالتي.. أبطالي يبوحون بأسرار تمنيت معاقرتها منذ البدء..
ماذا فعلت بي المدينة.. ماذا فعلت بكم المدن.. ؟ السؤال المبهم الذي دفعني لصياغة كل الأحاسيس المخاتلة لتقليب زوايا أمكنة مدينة الأنا/ مدن النحن.. الشارع ..المقهى .. ضفة النهر .. النفايات .. محطة قطار المدينة .. الصحاري المحيطة وتأثيرها على المدينة الأنا .. مغسل الجثث.. غرفة التشريح.. الكراج.. السينما .. قمل السجن،  هي نفسها التي يعيشها الناس في مدينتي أنا، لكن الذاكرة البصرية اليوم غير ما عليه في الأمس.. كذلك تلك المتخيلة هي على غير ما عليه بالأمس .. الوجود ليس الزمن والسرد ..إنما الوجود أمكنة وسرد..أزمنته نسبية، مفاتيح مكانية لكائنات تمتلك مقومات البقاء في الأثر – الطلل – الشاخص المكاني – رائحة مكانية- وثيقة – خريطة – صورة فوتوغرافية ..
مدينتي الناصرية .. هذه اللافتة الحديدية الكبيرة الخضراء والمثبتة على جانب الطريق المؤدي اليها من جهة الشمال الغربي تشير الى الدخول الامن في حدودها .. سيطرة مركزية على مدخلها وثمة نخيلات معوجّة متيبسة في المرأى القريب وأكوام تبن ذهبية وسيارة قديمة في الأفق دون إطارات تذكر تعبث فيها كلاب بلق.. بيوت حجرية في الأفق ..رجل ريفي في الطريق يشير بعباءته . ثلاثة كلاب ملطخة بطين اسود ..هذا الحي الصناعي ثمة قطاعات متداخلة وسيارات معطوبة ومطمر نفايات ، اثر لمجرى نهر صغير .. الآن وصلت على أعتابها ..ماذا أقول بعد ؟
مدينة الجنوب العراقي. هي مدينة الهامش دون منافس .. ليس فيها ما يدل على مدنيتها اليوم.. ليس لشخوصها من سحن وملامح وتقاسيم ما يدل على فرادتهم.. ليس لأبطالها تاريخ واضح في البطولة أو الانكسار.. في الهدم أو البناء، في الصيرورة والعدم.. مدينة قلما تنتج ما يدل على خصوصيتها.. هي تشبه الى حد كبير مدن ملقاة على قارعة الطريق.. كجثث حيوانات ثرمتها عجلات مركبات ثقيلة.. مدينة عندما يشبّ أبناؤها يغادروها نحو حياة أخرى أكثر فعالية اتجاه ما يحدث من فوضى تضرب الضفاف.. عندما يدب فيهم الهرم يحنّون الى شخوصها .. شوارعها .. مقاهيها المبعثرة على الأرصفة ويتحولون الى أدباء من جنون خالص .. المدينة الأنا قبر كبير لكل الأحلام الطائشة.. فيها عيون ترقب كل نأمة، كل حركة غير متّسقة مع سائر الوجود الكلي للجمع.. كيف لي أن اخلق من يومياتها سرديات كبرى مثل ما أشار ادوارد سعيد .. سوى أن أتشبع من رائحة الأمكنة وأعصرها مثل ما يعصر التمّار بلحه مستخلصا عصير التمر البني.. لم تكن من مدن التاريخ أو الجغرافية المميزة، لم تكن مدينة عصرية ولا مدينة منقرضة، لكن في تعقب أحداثها ما يستحق الروي.. أما المدينة النحن فهي مدونة نكتشفها في مدن متخيلة كالتي نشاهدها في التلفاز ، أو تلك التي تبقى في قاع الذاكرة من روايات وقصص أجنبية ..
انظر لتفاصيل المدينة مرتين.. في روايتين مختلفتين.. عندها فقط أجدني أترنح اتجاه ما يختلجني من رؤى عبث الأمكنة وهي تتحرك لتروي ذاتها كشخص يتحرك.. الكائنات المكانية تمتلك قدرة البوح بلغة الحلم .. 



: المشاركة التالية