جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


مسلسل يوسف الصديق جدل البشري والمقدس


فخري أمين
الظهور القوي للدراما الإيرانية المدبلجة كما تجسدت بمسلسل يوسف الصديق يمثل الجديد والمختلف.. تلك الدراما التي تميزت تقريبا وتفوقت في تقديم القصص القرآني، وخصصت لها أضخم الإمكانات، بدأت بقصة مريم،  ثم أهل الكهف، وقصة موسى عليه السلام، وأخيرا يوسف الصديق.
ومشكلة هذه الأعمال في نصيتها،
أي أنها نص مأخوذ عن نص آخر. إنها نوع من قراءة جديدة بشرية لنص مقدس، فماذا قصد المؤلف من تقديم هذه القراءة داخل النسيج الاجتماعي المعقد للحظتنا الحرجة..؟. اللحظة التي تشهد تصادما في الأنماط الثقافية، في صعود الثقافات الدنيا على حساب الثقافات العليا، في ازدواجهما، وفي انشطار المعرفة، في انحسار المتخيل الإيديولوجي والديني، في زوال اللغة المقدسة، والزمان المقدس، في انتشار الثقافات الشعبية، وقدرتها على إنتاج نسخا شعبية بديلة عن الثقافة الراقية، هذه العملية لم يسلم منها حتى الدين، إذ استطاعت القوى التي مثلت الحامل الاجتماعي للثقافات الشعبية (معظمها نازح من مناطق قروية، ويتطلع بقوة للعب دور كبير في مستوطنه الجديد) ، أن تنتج نسخ شعبية من الدين، كالطائفية، وأشكال التطرف الديني.. هذا التحول يقوده، ويشدد عليه زعماء دينيون، يجدون في التأكيد على المختلف والمنشطر من العقائد والعبادات رمزا لسلطتهم، ولهذا ظهرت فئة رجال الدين بقوة لتمارس دورا سياسيا، ولتوسع مساحة فعلها وتأثيرها .. في هذه اللحظة يأتي المسلسل الدرامي، يوسف الصديق ليفصح عن شيء ما، رسالة ربما تتصل بالمستقبل. فما هي المعاني الجديدة التي أراد المؤلف والمنتج إبلاغها من إعادة إنتاج هذا النص..؟ .
بعكس المسلسلات التركية ذات الطابع الاجتماعي القوي، والشكل الرومانسي الأخاذ، والمشاهد السياحية الساحرة، التي تصنعها كاميرا متحررة من قيود الديكور الذي تنوء فيه الدراما الإيرانية، بحكم تخصصها،ترافقها الموسيقى التركية والأغنيات الجميلة، الأمر الذي يعطي الصراعات فيها لونا إنسانيا واضحا، يجهر بإيقاعات درامية عالية النبرة. يكون النص في يوسف الصديق وغيرها من القصص القرآني نصا غير زمني، وكل الصراعات التي تدور فيه، نتائجها مقررة سلفا بمقتضى المشيئة الإلهية.. وهذا الأمر يتجسد في نص يوسف الصديق بدءا في الرؤى وتأويلاتها.
من هو البطل الحقيقي في نص يوسف الصديق.؟ عندما لا يملك يوسف من أمره شيئا، لا إرادته ولا خياراته، وحين كل شيء يحدث في حياته، يحدث بمقتضى العناية الإلهية، ولا تخلق التحديات والمخاطر والمحن التي يتعرض إليها أدنى شعور بالقلق لديه ولدى المشاهد استتباعا. تنتفي صورة البطل الدرامي عن النبي يوسف، لأن البطل الحقيقي في هذا النص، هو الذات الإلهية المتعالية، ربما يكون في مصير بعض الشخصيات الأخرى في العمل الكثير من البطولة، وهي أدعى إلى التعاطف، وأكثر احتفاء بالبطولة، خاصة شخصية زليخة.
في يوسف الصديق نواجه نصين، النص المقدس كما ورد في القرآن الكريم، والنص البشري  البصري كما قدمه معد النص ومخرجه معا فرج الله سلحشور، وبين النصين مسافة تملؤها تصورات المخرج، ومحاولاته  استدعاء المخيال الديني والمجتمعي  الخاص بتلك الحقبة، وخلق أجوائها التاريخية والجغرافية. وفي هذه الناحية بوسعنا أن نقدم للعمل شهادة تقدير للجهد الكبير المبذول، والديكورات الباذخة التي أفلحت في وضعنا داخل أجواء تلك اللحظة البعيدة.
"لقد كان في يوسف  وأخوته آيات للسائلين.." في هذه الآية دعوة صريحة لمساءلة النص القرآني، وإعادة قراءته، وتدبر معانيه، والتفكر في دلالاته، في الحقب التاريخية المختلفة.. وتأتي قراءة المؤلف والمخرج في هذه المرحلة لتجدد السؤال، ولتعيد القراءة..

"إخوة يوسف.."
سعي إخوة يوسف للاستحواذ على الحظوة عند أبيهم نبي الله يعقوب، والإحساس العميق بالضغينة والحقد على أخيهم يوسف الذي خصه أبوهم بكل الاهتمام، يبدو طبيعيا في حدود المنافسة العادية، ولكن عندما تصل هذه المشاعر حد الاستعداد للقتل، تخرج المسألة عن سياقها الطبيعي، كأن الصراع هنا يدور حول شيء أكبر من مجرد حظوة عند الأب، إنه صراع  على السلطة (النبوة في هذه الحالة). أما إخوة يوسف من أعداء النجاح فإنهم موجودون في كل زمان ومكان، من الحساد، والعاجزين والفاشلين، الذين يتمنون الفشل والموت ربما لكل ناجح ومبدع وموهوب.

"الصراع بين كهنة معبد  آمون والقصر.."
وهو صراع سياسي في جوهره، لكنه اتخذ الشكل الديني ليتسق مع مستوى تلك المرحلة من التفكير.. كان الصراع يدور بين سلطتين، وفكرين، ومشروعين للحياة مختلفين، أقول كان الصراع سياسيا لأن الأدوات المستخدمة فيه كانت ذات طابع سلطوي، والمعادلات التي حكمته كانت معادلات سياسية وليست دينية، ولعل آخرها إقدام اخناتون على المناداة بأن ديانة مصر هي التوحيد، وأن من يدعو إلى عبادة أمون بعد الآن يعد مذنبا. ومن ناقل الكلام القول أن ديانة التوحيد تمثل وقتها مشروعا متقدما جدا على عبادة آمون، ولن يكون مستغربا أن يعمد الكهنة، وهم يدافعون عن امتيازاتهم، وسلطتهم القديمة، إلى تحويل آمون إلى رمز قومي فضلا عن كونه إلها معبودا، ودينا مقدسا، بينما الإله الواحد الموجود في عالم الغيب، والذي حمل عبادته إليهم رجل غير مصري، يمثل ثقافة غريبة، وربما فكر "عولمي" ملحد بتعبير زماننا. وكما يحدث دائما، وفي كل زمان ومكان، يعمد الطرف الذي يحس بالهزيمة في داخله، وهو يواجه ثقافة مهيمنة، وفكراً قادراً على الاختراق، إلى تصعيد العنف والإرهاب، واستنهاض روح التعصب القومي والديني لدى أتباعه، ونشر ثقافة الكراهية بينهم، وشرعنة أعمال القتل والعنف والاغتيال.. ولكم شعرت بالأسف عندما أعلن أحد الممثلين في الحلقة الأخيرة كما أظن أن ديانة التوحيد قد انتصرت في مصر، بقيام الدولة الإلهية.. والمخرج والمؤلف سلحراش ربما وجد في هذا الحدث التاريخي البعيد نوعا من المماهاة لانتصار دولة عصرية تحكم بشكل من أشكال الحق الإلهي، وتتمرأى إلى نفسها بالمقدس. وحين أضفى المقدس على الدولة، وهي ظاهرة بشرية وتاريخية لا قداسة فيها، وضع ذلك المقدس في محنة صعبة، وجعله موضع شك أطاح بقداسته في النهاية.. فقد عرفنا من تاريخ تلك الحقبة أن الدولة المقدسة، وعبادة التوحيد لم تسجل نصرا نهائيا، وأن عبادة آمون عادت مرة أخرى بمجرد وفاة اخناتون، وأن الذي قاد التمرد عليها لم يكن سوى توت عنخ آمون، ابن أخناتون، وكان ذلك التحول قد تم بقرار سلطوي أيضا، والذي حدث في تلك الأزمنة البعيدة، وربما حتى الآن في بعض الدول، هو نوع من التحالف بين الأكليروس والعسكر، وغالبا ما يقرر العسكر فيه الغلبة لمن تكون..

"زليخا.. من البشري إلى المقدس.."
تجسد العلاقة بين يوسف الصديق النبي وزليخة امرأة العزيز حالة الصراع  في المسلسل بين البشري والمقدس، وقد امتد هذا الصراع في الكثير من لحظات المسلسل إلى شخصية يوسف ذاتها، فهو حين يدعو ربه "ربي إن لم تصرف عني كيدهن أصبو إليهن وأكن من الجاهلين" إنما يشير إلى حالة الانقسام والصراع داخل نفسه، بين بشريته الإنسانية، ومتطلبات النبوة والقداسة. لقد حفلت شخصية زليخة بقدر أعظم من الفعل الدرامي، فهي شخصية تعاني من انقسامات وصراعات داخلية عنيفة.. حبها ليوسف من جهة الذي اختلطت فيه مشاعر الأمومة بالعشق الجسدي، وإحساسها بواجبها تجاه زوجها بوتيفار عزيز مصر، فضلا على كونها زوجة آمون، وإلهة معبد آمون، من جهة ثانية، هذا التمزق والتشظي في شخصية زليخة أوجد حالة من التعاطف  معها، والقلق على مصيرها لدى جمهور المشاهدين. شخصية زليخة المنشطرة من الداخل، كانت بتقديري الأصعب في المسلسل، في الصياغة، وفي الأداء.. وقد أحسن المخرج في الـتأكيد على بشريتها، في معظم حلقات المسلسل، وحقق كسبا دراميا يحسب للعمل، وهو يحضر للضربة الأخيرة كما سنرى. وحين تسألها خادمتها: أين تقفين من الصراع بين رب يوسف وآمون، تجيب "لم أحسم أمري بعد، أما رب يوسف فأنا لا أعرفه، وأما يوسف فإنه يستحق أن يعبد"، وفي تعليق آخر تشير: أن أكثر المصريين يعبدون يوسف. ثمة مفهوم للرب عند زليخة  لافت جدا يتشكل عبر علاقتها مع تمثال آمون.. إنه مجرد تابع لها، خادم يساعد في تحقيق رغباتها، بعض اكسسوارتها الشخصية، أو قطعة أثاث في ديكور غرفتها.. ولحظة تغضب منه فهي قادرة على تحطيمه.. وهي في واحد من تعليقاتها الرائعة تقول: لو كان ربي قادرا على تحقيق رغباتي كما يفعل رب يوسف لكان حريا بي أن أعبده.. إن إحساسها بذاتها أقوى بكثير من إحساسها بالرب.. وحين تسمع صوت المنادي يعلن التوحيد دينا في مصر تعلق: "أي فتنة أشعلت يا يوسف".  لقد خلقت هذه الشخصية الدرامية الصعبة، التي تحدت بحبها ليوسف العالم بأسره: الأعراف، والواجبات والامتيازات، والأخلاق، والمحرمات، موجة هائلة من التعاطف لدى المشاهدين.. لشد ما تعذبت وهي تشعر عميقا بقوة وهيمنة تلك التناقضات والمحرمات الدينية والمجتمعية التي تحول بينها وبين يوسف، ثم وهي تقرر إعلان تمردها عليها جميعا، مفجرة كل تناقضاتها..  ربما أراد النص المقدس، من سرد قصة زليخة ونسوة مصر الأخريات، الإشادة والإنشاد لجمال يوسف الصديق لا غير، إنها شكل من إشكال البلاغة القرآنية، لذلك فقد أدين دورهن في النص المقدس، وخرجن منه.. الأمر الذي لم يجرؤ النص البشري على فعله.. لأن متطلبات النص تفرض عليه سياقات عمل مختلفة،  أقول خلقت شخصية زليخة مشكلة حقيقية أمام مخرج ومعد النص، لكنه رأى في توظيفها دراميا قوة تخدم النص، لذلك عمد إلى صياغتها صياغة تقترب مما هو إنساني، ووضعها في وسط محدود أقرب إلى ديكورات المسرح، وجعل لتعليقاتها القصيرة والبليغة قوة الخطاب المسرحي، إنها شخصية تكاد تكون تراجيدية في بعض لحظات المسلسل.  وهو في كل تلك الخطوات كان يمهد للضربة الأخيرة: مصادرة ما هو إنساني فيها لصالح المقدس، وتوظيف كل التعاطف الدرامي معها في خدمة لحظة التحول.. وقد بذل جهدا كبيرا في هذا السياق، لكن لحظة التحول بدت غير مقنعة، إذا جردناها من سلطة التعاطف الديني، علما أن حكاية التحول لم ترد في القرآن الكريم، ولست أدري هل هي من تأليفه أم أنه أخذها من مصادر أخرى.. والحاصل، حاول المخرج عبر سلسلة من التداعيات الداخلية لشخصية زليخة، ومناجاتها لذاتها في مونولوجات داخلية عميقة، رصد عملية التحول، وجاءت تلك التداعيات متسقة مع طريقة زليخة في التفكير."إن ربا يعبده يوسف لا بد أن يكون ربا جميلا، لا بد ان يكون الأقوى بين الأرباب والأفضل والأجمل..". إنها تؤمن وتفكر من خلال جسدها، وأحاسيسها الجمالية الملموسة.  لقد صنع المخرج مجموعة من المصادفات أدت إلى لقاء يوسف بزليخة في لحظة تزامنت مع محاكمة كهنة معبد آمون، وقدر أنها اللحظة الدرامية المؤاتية، ليوجه ضربته إلى كهنة آمون، ومصادرة بشرية زليخة معا، عبر تفجيرها بفعل هائل من أفعال المقدس، إذ أعاد الله إلى زليخة  قدرتها على الإبصار وجمالها وحيويتها ونضارة وبهاء شبابها الأول، تحت بصر الجميع، وخصوصا كهنة معبد آمون، الذين أحسوا بدورهم أن محاكمتهم لم تكن إلا مسوغا لتعريضهم إلى هذه التجربة كما قال (ارخ ماهو) كبير كهنة المعبد، الذي رفض التصديق، وظنها لعبة من ألعاب كهنة أكثر ذكاء منه (ذكرتني طريقة يوسف في استحضار المقدس بأفعال السحرة والمهرجين في السيركات، كان يتعين على المخرج أن يبحث عن طريقة أخرى في تصميم تلك اللحظة الإلهية المقدسة وإخراجها ) لكن التحول الأهم، وغير المنطقي ربما، أن تزهد زليخة بيوسف فجأة بعد أن كانت تمني نفسها، في جهنم ثلاثين سنة من العشق والعذاب والبكاء، بأن تكحل عيونها بمرآه قبل أن تموت.

"ثورة من فوق.."
الإصلاحات التي سعى يوسف إلى إحداثها لم تأت في أوانها، لم تكن ثورة حقيقية نابعة من الإحساس بالحاجة إليها، لم يكن لدى العبيد في مصر الكثير مما يشكون منه، وفي حوار بين أحد العبيد المحررين مع  زميل له "كنا عبيدا من قبل، ولم نزل نحيا كالعبيد" إشارة إلى ضعف المحرضات الاقتصادية والذاتية، وسطحية التحولات التي نتجت عنها. إنها تشبه عملية تأميم لقوة العمل في ظرف بدا عجز ملاك العبيد عن إطعام عبيدهم واضحا، وهو ما يعني أنه كان أيضا في خدمة ملاك العبيد ذاتهم.. إنه أشبه بـتأميم قوة العمل، في ظرف القحط الذي ضرب مصر وقتذاك، ومن الممكن أن تزول قيمة تلك الإجراءات بزوال ذلك الظرف، لقد حملت تلك الإجراءات طابعا طبقيا قويا، كتوزيع الحنطة على الفقراء والعبيد المؤممين مجانا، وبيعه للأغنياء، ومضاعفة سعره ثلاث مرات لكهنة آمون، في خطوة ترمي إلى إضعافهم، والكثير الكثير من التفاصيل لا تعود في معظمها إلى المقدس، إنها مخيلة البشري، المخرج هنا، والسارد في بعض التواريخ القديمة، وهو يبحث عن بلاغة تمجد ذلك الحدث، وتضفي عليه قداسة من عنده. ولأنها لم تأت في الأوان المناسب من الناحية الذاتية والموضوعية، فإنها لم تؤت ثمارها. وكما جرى فرضها من فوق، كان التراجع عنها من فوق أيضا، عبر قرارات مضادة من توت عنخ آمون..

"الوعد الإلهي.. والكفاح الإنساني.."
دور الكفاح الإنساني في تحقيق المشيئة الإلهية من خلال رؤية اخناتون، في هذا العمل، يبدو قويا وبارزا ومطلوبا أيضا، وقد تحقق ذلك في المسلسل بأروع وجه وبلغة درامية عالية التوتر خاصة فيما يتعلق برؤيا فرعون للبقرات والسنبلات، والرؤيا بالمناسبة تحققت دراميا بطريقة تستحق التوقف عندها،  لقد أصاب الرعب من الرؤيا ليس اخناتون وحده، إن المخرج أفلح في نقل إحساس الملك إلى مشاهدي العمل كافة.. كانت الرؤيا ذاتها تستفز وتحرض البشري والإنساني للكفاح ضد القحط القادم، وعندما أوكلت المهمة إلى يوسف، فإنه غالبا ما كان يتخذ قراراته كإنسان، لقد كانت معظم قراراته بشرية، لذلك كانت تحتمل الخطأ والصواب معا، وكم أضرت بالعمل تلك الثقة الزائدة  التي حظيت بها إجراءات يوسف، وإحالتها دائما إلى الرب.. الرب يتدخل في لحظات التحدي الكبير التي تواجه الأنبياء، وما يترتب عليهم من مهمات مستحيلة، أما في الحالات العادية فإن الرب يختفي ليترك المجال للفعل الإنساني.. ما يعني ان التدخل الإلهي هنا لا يشبه ما يحدث في الملاحم الإغريقية، حيث البشر أدوات مباشرة للصراع بين الآلهة، وأن القوة في تلك الصراعات تعود إلى قوة  الآلهة لا البشر..

"المرأة في المسلسل.."
لئن كانت زليخة هي النموذج النسوي الأقوى في العمل، فإن هناك نماذج أخر من مثل (تي) أم أخناتون، و(نفر تيتي) زوجة اخناتون، و(اسينات) زوجة يوسف، وكن دائمات الحضور في قاعات الحكم، ولهن رأي مسموع في الكثير من قرارات الدولة وشؤون  الإدارة والحكم. أما المرأة العبدة فهي تتساوى مع الرجل في خضوعها لإرادة المالك دون كبير تميز. لكن المرأة في العمل عموما، وفي الكثير من تفصيلاته، هي اقرب إلى الإنساني منها إلى المقدس.

"الرؤيا المنامية.. والتأويل البشري.."
إذا كانت رؤيا اخناتون تمثل التحذير الإلهي، فإن تأويلها كان فعلا بشريا اعتمد فيه النبي يوسف على رموز ودلالات مكانية (البقرة سنة مثلا)، أي أن الرؤيا المنامية تحولت عند يوسف إلى رؤية بشرية لأنها دخلت مجال الفعل الإنساني، أما بقية الخبرات التي كان يوسف يتمتع بها ويتفوق بواسطتها على  الكهنة فكانت كما يقول "ذلك مما علمني ربي" ، والعلم ليس بالضرورة أن يكون في شكل تدخل إلهي مباشر. رؤيا الفتيان اللذان دخلا معه السجن، كانت حافلة بالمقدس، وهي تشكل تأكيدا إضافيا أن العناية الإلهية تتدخل لدى الأنبياء في لحظات التحدي المصيرية. باستثناء رؤيا يوسف لأحد عشر كوكبا والشمس والقمر وهي بشارة نبوة، كانت تتحقق بتدخل إلهي مباشر، فإن في التفاصيل مجال واسع للتأويل والفعل البشريين..

"رجل الدولة.."
ربما كان الوحيد بين الأنبياء الذي شغل منصبا إداريا في أقدم حكومة في التاريخ، وأعرق بيروقراطية في العالم، لذلك كانت صورته في العمل وهو يحمل السيف، ويمتطي صهوات الجياد، والعربات القتالية، ويصدر الأوامر، ويتخذ الفرمانات، تعزز صورته البشرية، صورة القائد المقاتل، وتعمق الإحساس بالمعاني التي يرمز إليها كفاحه الإنساني من أجل تحقيق رسالته المقدسة..

"نور المقدس.. وظل البشري.."
يتبين من العرض السابق أن النصين البشري والمقدس يحضران في المسلسل معا، يمكن القول على سبيل التمييز والتبسيط أن النص البصري نص بشري  مائة في المائة، وهو يتضمن كل عناصر العمل من التمثيل إلى التصوير إلى الإخراج والديكورات وصناعة المشاهد، إلى الموسيقى، والمونتاج.. وغيرها.  أما النص المقدس فهو القصة كما وردت في نسختها القرآنية (هل في الوسع وضع هكذا حدود بين المقدس والبشري في الواقع.. إنها واحدة من أعقد وأخطر إشكالات لحظتنا). ووجود النصين معا غالبا ما كان يؤدي إلى إضعاف البشري، ففي لحظات الذروة من العمل، لحظات التأجج الدرامي، يعمد أحد الممثلين إلى التذكير بطريقة وعظية، أن هذا إنما تحقق بقدرة الله تعالى، مرددا آية من الآيات الكريمات، الأمر الذي يخل كثيرا في تأثير تلك اللحظة، ويؤدي إلى خفوت وقعها الدرامي، ويضعفها إلى أبعد الحدود. والحال أن المخرج لم يحسم أمره وظل متأرجحا، بين أن يقدم يوسف الصديق في عمل درامي ضخم، أو أن يقدمه في قراءة استعادية استعبارية ووعظية  تشبه قصص الأطفال المصورة.. متنقلا بين نور المقدس وظل البشري.  كنت أتمنى على المخرج وهو يقدم  مثل هذا النص القرآني الرائع، ان يتجنب روح الوعظ الساذجة، وأن يكتفي ببلاغة الخطاب البصري الدرامي في قول كل شيء، وأن يستخدم الكاميرا بنحو أكثر تحررا، وهي قادرة على قول أشياء كثيرة. إننا جميعا نعرف قصة يوسف عليه السلام، والكثرة الغالبة  تحفظ أجزاء كبيرة منها عن ظهر قلب، ولست أفهم لماذا هذا الإصرار على التداخل بين النصين.. والأكثر  طرافة ان النص القرآني ذاته لم يلجأ إلى الوعظ الساذج باستثناء ما كان يرد على لسان يوسف الصديق من كلمات وتوضيحات وأدعية، وهي هنا تبدو مبررة حتى من الوجهة الفنية والدرامية.
اداء الممثلين كان مقنعا بشكل عام، ومصطفى زماني الذي قام بتجسيد دور يوسف بدا في بعض اللحظات شبيها بإيقونة المسيح عليه السلام كما رسمها الفنان الإيطالي دافنشي. لكن الاشتغال على المقدس في شخصيته اضعف من درامية الأداء، كان في وسع المخرج أن يتوسع في خلق لحظات  القلق والخوف والتوتر والتعاطف غير الديني لدى المشاهد مع شخصية النبي، لو أفلح في إبراز الجانب الإنساني فيه بشكل أوضح.كان في الوسع استثمار حنين يوسف إلى أبيه وذويه، والصراع بينه وبين متطلبات أداء رسالته المقدسة، في خلق حالة درامية أفضل، كما فعل مع شخصية زليخة، زليخة الأكثر عنادا وتمسكا بقناعاتها ومشاعرها، والأكثر إيمانا بما تتلمسه بأيديها من إيمانها بالغيب، زليخة التي حفلت بالدراما طوال العمل، ويمكن القول أنها صاحبة الأداء الأفضل في العمل كله..

"انتصار المقدس.."
ونعود إلى سؤال البداية.. ما هي المعاني الجديدة التي أراد المؤلف والمنتج إبلاغها من إعادة إنتاج هذا النص..؟.
هل أراد أن يقول شيئا بصدد المؤسسة الدينية، والخلل الذي ينتج عن توسيع مساحة دور رجال الدين، والاشتغال خارج منطقة عملهم.. تسييس الظاهرة الدينية، واستثمار مشاعر الناس الدينية الطيبة في أعمال وأغراض لا دينية، وخلق تشابكات غير حقيقية بين رأس المال الرمزي الديني، والرموز القومية  والمحلية، في عملية تهدف إلى تصعيد وتأجيج نزعات التعصب والكراهية للمختلف الديني والقومي والمذهبي.. (تأكيد الكهنة على أن آمون رب مصري، وديانته ديانة مصرية.. في مواجهة ديانة التوحيد..؟)
هل تضمن النص كما قرأه المخرج، دعوة لمصادرة دور رجال الدين لحساب سلطة مركزية قادرة.. أي أنها دعوة للتوحد وراء قيادة تجمع بين السلطتين الدينية والسياسية.. البشرية والمقدسة.. نوع من ولاية الفقيه..نبي الله يوسف واخناتون.. تدمجهما معا في كيان واحد.. وهي عملية غالبا  ما تؤدي إلى ابتلاع إحدى السلطتين، وهيمنة الأخرى، والذي يحدث في زماننا، هو ان السلطة الدينية هي التي تبتلع السلطة السياسية، كما نشهد الآن في أكثر من بلد، ربما تضمن ترويجا لفكرة الخلافة، وهي كما معروف سلطة تجمع السلطات الدينية والدنيوية، النبي والقائد في شخص الخليفة أو الإمام..
لا يتوفر النص المقدس على التفاصيل الكثيرة التي أنتجها النص البشري، أو البصري، لذلك كان الهاجس الديني هو المسيطر، أما في النص البشري كما جسده المسلسل، فقد كانت نبرة السياسي فيه عالية، أعلى بكثير مما هو موجود في النص المقدس، الأمر الذي يوحي أن وراء هذه القراءة الجديدة هاجس سياسي واضح، إلى جانب الهاجس الديني..
ربما أراد المنتج لهذا النص اللا زمني أن يحقق، إضافة إلى ما سبق وظيفة اجتماعية دينية، تعبوية تكمن في تجديد الوعي القيمي والديني في مواجهة تنامي الثقافة المادية، وازدياد حالة التنافرات بين أبناء الديانة الواحدة التي يسعى إلى تعميقها بعض رجال الدين الساعين وراء السلطة والتسلط. وهذا ما بدا واضحا في الحلقات الأخيرة التي حفلت بهيمنة وانتصار المقدس.. العودة إلى الله  بالتخلي عن العاطفة البشرية أو جعلها ثانوية بإزاء المقدس، حالة نبي الله يعقوب. والهجرة إلى الله، وغلق القلب أمام نداءات الحب والحياة، حالة زليخة.. تحقق الوعد الإلهي، الرؤيا، ليوسف عليه السلام، هذا في المقدس. في النص البشري  أضاف المخرج إلى ذلك شيئا آخر.. قيامة الدولة الإلهية.
وبعد، العمل كبير، ومحتشد بالقيم والرؤى الكثيرة، وقراءة مستعجلة مثل هذه لا يمكنها أن تفيه حقه من النقد والتقييم.. وأجد لزاما علي، أخيرا، التنويه بالعربية الرفيعة التي  استخدمها المترجم، بجدارة الترجمة وجدارة الدبلجة معا في إنتاج عمل استحوذ على مشاعر وعقول الملايين من المشاهدين.



: المشاركة التالية